الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأربعاء، أكتوبر 28، 2026

حقوق الإنسان تحت الضغط: من الجزائر وتونس إلى غزة وأوروبا: عبده حقي


تدخل أوضاع حقوق الإنسان في المنطقة العربية وأوروبا خلال الأيام الأخيرة مرحلة جديدة من القلق، ليس فقط بسبب استمرار النزاعات المسلحة وما تخلّفه من قتلى ونازحين، ولكن أيضا بفعل اتساع دائرة التضييق على حرية التعبير والصحافة والعمل المدني، وتزايد اللجوء إلى الاعتقال والمحاكمات والإجراءات الأمنية في مواجهة المعارضين والنشطاء والصحفيين، بالتوازي مع أزمات الهجرة واللجوء التي تحولت في البحر الأبيض المتوسط وعلى الحدود الأوروبية إلى اختبار متواصل لمدى التزام الحكومات بالمعايير التي تعلن الدفاع عنها. ومن الجزائر إلى تونس وليبيا ومصر، مرورا بغزة واليمن وسوريا ولبنان، وصولا إلى أوروبا، تبدو الصورة متباينة من حيث درجة العنف وطبيعته، لكنها تلتقي في نقطة مركزية واحدة: المسافة ما تزال واسعة في كثير من الأماكن بين النصوص القانونية والضمانات الدستورية من جهة، وما يحدث في الواقع من جهة أخرى.

الجزائر: المجال الرقمي يتحول إلى واجهة مركزية للصراع الحقوقي

برز الملف الجزائري مجددا خلال الأيام الأخيرة مع تواتر أخبار عن اعتقالات ومتابعات قضائية مرتبطة أساسا بالنشاط السياسي والمدني والتعبير عبر شبكات التواصل الاجتماعي. ففي الأسبوع الأخير من أكتوبر 2026، أفادت منظمات حقوقية جزائرية بمتابعة عدد من النشطاء وإيداع بعضهم الحبس الاحتياطي بسبب منشورات على مواقع التواصل أو على خلفية نشاطهم العام، وهو ما يعيد طرح السؤال القديم الجديد حول الحدود بين مكافحة الجرائم الحقيقية وحماية الأمن العام، وبين تحويل النصوص الجنائية إلى أدوات يمكن أن تقيد النقد السياسي والتعبير السلمي.

ومن بين الحالات التي أثارت اهتمام الأوساط الحقوقية، إيداع ناشط في وهران الحبس المؤقت على خلفية منشورات في موقع فيسبوك، إلى جانب متابعة نشطاء آخرين في عنابة وغيرها. كما أثيرت قضية باحث في علم الاجتماع قالت مصادر حقوقية إنه أوقف في مطار الجزائر ومنع من السفر إلى تونس. وهذه الحالات، بصرف النظر عن المآلات التي ستنتهي إليها قضائيا، تعكس حساسية متزايدة تجاه النشاط الرقمي، حيث أصبح الهاتف المحمول وحساب فيسبوك أو منصة إلكترونية جزءا أساسيا من الملفات القضائية ذات الصلة بحرية التعبير.

المشكلة الحقوقية هنا لا ترتبط بمجرد وجود قوانين تجرّم التحريض على العنف أو الإرهاب، فهذه قوانين موجودة في معظم دول العالم، وإنما تتصل أساسا بمدى دقة تعريف الجرائم وضمان عدم توسيع مفهومها ليشمل المواقف السياسية أو الانتقادات السلمية. وقد ظلت منظمات حقوقية دولية منذ سنوات تنتقد الاستخدام الواسع لبعض مواد قانون العقوبات المرتبطة بالمساس بالوحدة الوطنية أو الأمن أو الإرهاب ضد نشطاء وصحفيين ومدونين.

وتبرز أيضا قضية الحبس الاحتياطي باعتبارها إحدى نقاط النقاش الحقوقي الأساسية، لأن الحرمان من الحرية قبل صدور حكم نهائي يظل تدبيرا استثنائيا في المعايير الدولية، يفترض ألا يتحول إلى عقوبة مسبقة. كما تستمر التساؤلات بشأن حرية الصحافة وحرية التنظيم المدني والسفر، في ظل تقارير سابقة تحدثت عن منع نشطاء أو حقوقيين من السفر أو الدخول إلى البلاد.

وهكذا يبدو أن الملف الحقوقي الجزائري في هذه المرحلة لا يشهد انفراجا واضحا، وإنما يستمر في الدوران حول معادلة صعبة بين الدولة التي تؤكد ضرورة حماية الاستقرار والمؤسسات، وبين قوى مدنية وحقوقية تطالب بتوسيع مجال التعبير ووقف المتابعات القضائية المرتبطة بالآراء السلمية.

تونس: الصحافة والمعارضة أمام اختبار أكثر صعوبة

أما تونس، التي ظلت لسنوات بعد ثورة 2011 تقدم باعتبارها التجربة الأكثر انفتاحا في المنطقة المغاربية، فتعيش اليوم مناخا حقوقيا شديد الحساسية. وأبرز ما ميّز الأيام الماضية هو استمرار القضايا القضائية المرتبطة بالمعارضة السياسية وحرية الصحافة، في وقت تتحدث فيه المنظمات المهنية والحقوقية عن تراجع واضح في مساحة التعبير المستقل.

وفي 21 أكتوبر صدر حكم عن محكمة عسكرية بسجن السياسية المعارضة ألفة الحامدي أربع سنوات في قضايا مرتبطة بأمن الدولة والتحريض على عصيان الأوامر العسكرية. ويأتي الحكم ضمن سياق أوسع شهد خلال السنوات الأخيرة محاكمات لعدد من الشخصيات السياسية والمعارضة، بينما تؤكد السلطات التونسية باستمرار أن القضاء يعمل بصورة مستقلة وأن المتابعين يحاكمون بسبب مخالفات قانونية لا بسبب مواقفهم السياسية.

غير أن المخاوف الحقوقية لا تقتصر على المعارضة الحزبية. فالصحافة التونسية نفسها أصبحت موضوعا مركزيا في النقاش. تقارير صحفية حديثة تشير إلى أن عددا من الصحفيين يواجهون متابعات قضائية مرتبطة بعملهم الصحفي أو بما ينشرونه على مواقع التواصل، فيما يوجد صحفيون داخل السجون ويعيش آخرون خارج البلاد بعدما غادروها بسبب مخاوف من الملاحقة.

وهذا التحول يكتسب دلالة خاصة في تونس لأن حرية الصحافة كانت إحدى أكبر مكتسبات مرحلة ما بعد الثورة. لذلك فإن كل متابعة قضائية لصحفي بمقتضى قوانين مكافحة الإرهاب أو أمن الدولة، إذا ارتبطت في الأصل بنشاط إعلامي مشروع، تثير مخاوف مضاعفة من عودة الرقابة الذاتية والخوف إلى غرف التحرير.

وفي خلفية المشهد، تستمر الأزمة الاجتماعية والاقتصادية في الضغط على البلاد، وتظهر أحيانا احتجاجات بسبب الخدمات العامة أو انقطاعات المياه والكهرباء أو ارتفاع تكاليف المعيشة. ويصبح التحدي الحقوقي أكثر تعقيدا عندما تتقاطع المطالب الاجتماعية مع المقاربة الأمنية، لأن الاعتقالات المرتبطة بالاحتجاجات قد تحول أزمة خدمية بسيطة إلى قضية أوسع تتعلق بالحق في التجمع السلمي.

إن المعضلة التونسية اليوم تتمثل في أن البلاد ما تزال تحتفظ بجزء مهم من حيويتها المدنية والتعددية، لكنها في الوقت نفسه تشهد تضييقا متصاعدا على المجال السياسي والإعلامي، الأمر الذي يدفع كثيرين إلى التساؤل عن الاتجاه الذي ستتخذه التجربة التونسية خلال السنوات المقبلة.

ليبيا: الاختفاء والإعدامات والمحاكمات العسكرية

في ليبيا تبدو الصورة أكثر خطورة بسبب استمرار الانقسام السياسي والمؤسساتي وانتشار جماعات مسلحة وقوات أمنية تعمل في بيئة يعاني فيها القضاء من الانقسام وضعف القدرة على فرض المساءلة. وقد أصدرت بعثة الأمم المتحدة في ليبيا خلال أكتوبر تحذيرات من حالات اختفاء قسري واعتقال تعسفي وخطف، داعية إلى الكشف عن مصير المختفين وضمان حصول المحتجزين على المحامين والرعاية الصحية والتواصل مع أسرهم.

لكن التطور الأكثر إثارة للقلق خلال الأسابيع الأخيرة يتعلق بعودة تنفيذ أحكام الإعدام في مناطق شرق ليبيا. فقد تحدثت منظمات حقوقية وتقارير صحفية عن تنفيذ عشرات الإعدامات منذ أواخر الصيف عقب محاكمات عسكرية، وسط اتهامات بأن بعض المحاكمات جرت في ظروف غير شفافة وأن اعترافات انتزعت تحت التعذيب.

وتكتسب هذه القضية خطورة خاصة لأن المحاكم العسكرية لا ينبغي، وفقا للمعايير الحقوقية الدولية، أن تتحول إلى بديل واسع للقضاء المدني في محاكمة المدنيين، خصوصا عندما يتعلق الأمر بعقوبات لا رجعة فيها مثل الإعدام.

إلى جانب ذلك لا يزال ملف المهاجرين واللاجئين واحدا من أسوأ ملفات حقوق الإنسان في ليبيا. التقارير الدولية تصف نمطا متكررا من الاحتجاز التعسفي والتعذيب والضرب والعمل القسري والعنف الجنسي والاستغلال داخل مراكز احتجاز أو أماكن خاضعة لجماعات مسلحة أو أجهزة مرتبطة رسميا أو شبه رسميا بالسلطات.

وتتفاقم المعضلة لأن ليبيا تمثل إحدى البوابات الرئيسية للهجرة نحو أوروبا، فيما تستمر دول أوروبية في التعاون مع جهات ليبية لاعتراض المهاجرين في البحر وإعادتهم. وهنا يطرح سؤال قانوني وأخلاقي أساسي: هل يجوز إعادة شخص إلى بلد توجد فيه مخاطر موثقة للتعذيب وسوء المعاملة؟

ما يحدث في ليبيا يوضح أن بناء الدولة لا ينفصل عن حقوق الإنسان، وأن الانتخابات أو التسويات السياسية وحدها لن تكون كافية ما لم يرافقها توحيد للمؤسسات القضائية والأمنية، وإنهاء الإفلات من العقاب، ووضع السجون ومراكز الاحتجاز تحت رقابة قانونية فعلية.

مصر: إغلاق المجال الإعلامي يعود إلى الواجهة

شهدت مصر خلال الأيام الأخيرة تطورا لافتا تمثل في حكم قضائي بإغلاق موقع «مدى مصر»، أحد أبرز المنابر الإعلامية المستقلة في البلاد، وإدانة مؤسسته ورئيسة تحريره لينا عطا الله على خلفية العمل من دون ترخيص. وقالت المؤسسة الإعلامية إنها تقدمت بطلبات للحصول على الترخيص منذ سنوات من دون تلقي جواب، فيما أثار الحكم انتقادات واسعة من منظمات حقوقية ومهتمين بحرية الصحافة.

القضية لا يمكن قراءتها بمعزل عن سياق أوسع، إذ جاءت بعد أسابيع قليلة من اعتقال صحفيين ينتمون إلى منصة صحفية استقصائية مستقلة، ومواجهتهم اتهامات من بينها نشر أخبار كاذبة والانتماء إلى جماعة محظورة أو تمويلها. وتشير منظمات حقوقية إلى أن بعض المحتجزين تحدثوا عبر محاميهم عن سوء معاملة ومحاولات لانتزاع اعترافات، وهي اتهامات خطيرة تتطلب تحقيقا مستقلا وشفافا.

وتظل حرية الإعلام واحدة من أكثر القضايا حساسية في مصر، حيث انخفض عدد المنابر المستقلة خلال السنوات الأخيرة بصورة كبيرة، فيما يخضع عدد من المواقع للحجب وتواجه مؤسسات أخرى متابعات قضائية أو إدارية.

وفي الوقت نفسه يستمر ملف الحبس الاحتياطي الطويل للمعتقلين السياسيين والحقوقيين في إثارة الانتقادات. وتشدد السلطات المصرية على أنها تواجه تهديدات أمنية وإرهابية معقدة، لكن منظمات حقوق الإنسان تعتبر أن قوانين مكافحة الإرهاب تستخدم أحيانا ضد معارضين وصحفيين ومدافعين عن حقوق الإنسان لا علاقة لهم بالعنف.

وبين الروايتين تظل الحاجة ملحة إلى ضمانات قضائية قوية تميز بصورة واضحة بين العمل الصحفي أو السياسي السلمي وبين النشاط الإجرامي الفعلي، لأن الخلط بينهما يقوض الحق في التعبير ويضعف قدرة المجتمع على مراقبة مؤسساته.

غزة والضفة الغربية: الحرب لا تنتهي بانخفاض صوت المدافع

يبقى الملف الفلسطيني أكثر الملفات الإنسانية مأساوية في المنطقة. وفي أواخر أكتوبر أعادت لجنة تحقيق تابعة للأمم المتحدة إثارة الجدل الدولي بعدما قالت إن الانتهاكات الجسيمة في غزة استمرت حتى بعد وقف إطلاق النار الذي بدأ في أكتوبر 2025، متحدثة عن قتل للمدنيين واستمرار ظروف النزوح ونقص المساعدات الإنسانية. وترفض إسرائيل بشدة توصيفات اللجنة وتتهمها بالانحياز وتشويه الحقائق.

ورغم مرور عام على اتفاق وقف إطلاق النار، فإن الوضع الإنساني في غزة لا يزال بالغ القسوة. إعادة الإعمار شبه متوقفة، وآلاف العائلات ما تزال تعيش في خيام أو مبان متضررة، فيما تواصل المستشفيات العمل بقدرات محدودة وتعاني قطاعات المياه والصرف الصحي والتعليم من دمار واسع.

كما استمرت خلال الأيام الماضية حوادث القصف وإطلاق النار وسقوط قتلى فلسطينيين، بينما تقول إسرائيل إنها تستهدف عناصر مسلحة وتتّهم حركة حماس بخرق ترتيبات وقف إطلاق النار وإعادة بناء قدراتها، وهو ما تنفيه الحركة.

وفي الضفة الغربية تتواصل أيضا المخاوف من العنف والاستيطان وعمليات الهدم والتهجير والاعتقالات. وتشير التقارير الدولية إلى ارتفاع عدد النازحين بسبب العمليات العسكرية والعنف المرتبط بالمستوطنين.

ولا يمكن في الوقت نفسه إغفال الانتهاكات الفلسطينية الداخلية، إذ انتقدت هيئات دولية أيضا ممارسات للسلطة الفلسطينية تجاه الصحفيين والنشطاء والمعارضين. ومبدأ حقوق الإنسان يقتضي ألا تكون الإدانة انتقائية: حماية المدنيين وحرية التعبير وحظر التعذيب واجبات تقع على جميع السلطات والجهات المسلحة من دون استثناء.

اليمن: المدنيون مرة أخرى في قلب التصعيد

عاد اليمن خلال أكتوبر إلى واجهة الأخبار الحقوقية مع تصاعد المواجهات حول مدينة تعز. وحذرت منظمات دولية من أن إغلاق الطرق وتدمير جزء من الطريق الحيوي الذي يربط المدينة بمناطق أخرى قد يعرض مئات الآلاف من المدنيين لنقص خطير في الغذاء والمياه والأدوية والوقود.

وقد أدت المواجهات الأخيرة إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، بينهم نساء وأطفال، بينما حذرت الأمم المتحدة من أن سكان تعز يواجهون مخاطر جسيمة.

والخطر الأكبر يكمن في استخدام البنية التحتية المدنية كجزء من الحرب. فالطرق التي تمر منها المواد الغذائية والأدوية لا يمكن النظر إليها بوصفها مجرد أهداف عسكرية إذا كان تدميرها يؤدي إلى حرمان السكان من المواد الضرورية لبقائهم.

وفي الوقت نفسه يستمر ملف موظفي الأمم المتحدة والعاملين في المجتمع المدني المحتجزين لدى الحوثيين، حيث يواجه بعضهم اتهامات بالتجسس يمكن أن تصل عقوبتها إلى الإعدام. وقد تحدثت منظمات حقوقية عن مزاعم انتزاع اعترافات تحت التعذيب أو التهديد به.

ويضاف إلى ذلك التصعيد العسكري الإقليمي الذي أدى إلى سقوط ضحايا داخل اليمن والسعودية، وهو ما يزيد من خطر إعادة البلاد إلى دائرة حرب أوسع في وقت يحتاج فيه ملايين اليمنيين إلى مساعدات إنسانية عاجلة.

سوريا ولبنان: السيادة وحرية التعبير وحقوق المدنيين

في سوريا شهدت الأيام الأخيرة حادثا خطيرا بعدما أدت ضربات جوية أردنية داخل الأراضي السورية إلى مقتل مدنيين في درعا والسويداء. قالت الأردن إنها استهدفت مجموعات مسلحة مرتبطة بهجوم إرهابي وقع على أراضيها، بينما أعلنت السلطات السورية سقوط سبعة مدنيين بينهم نساء وأطفال.

وقد اتفق البلدان لاحقا على تشكيل لجنة مشتركة للتحقيق في الحادث. وتكمن أهمية التحقيق في تحديد ما إذا كانت الضربات قد احترمت قواعد التمييز والتناسب والاحتياط التي يفرضها القانون الدولي الإنساني لحماية المدنيين.

أما لبنان، فيواجه في الوقت نفسه تحديات مرتبطة باستمرار الضربات الإسرائيلية رغم الترتيبات السابقة لوقف إطلاق النار، إضافة إلى الجدل الداخلي بشأن قانون الإعلام. وقد حذرت منظمات حقوقية من أن الإبقاء على مواد واسعة تجرّم «الأخبار الكاذبة» يمكن أن يؤدي إلى استمرار استدعاء الصحفيين والنشطاء أمام القضاء بسبب أعمال صحفية أو تعليقات سياسية.

أوروبا: الهجرة تتحول إلى الامتحان الحقوقي الأكبر

إذا كان العنف المسلح والاعتقالات السياسية يهيمنان على المشهد الحقوقي العربي، فإن الهجرة واللجوء أصبحا أحد أكبر الاختبارات الحقوقية لأوروبا.

فقد كشفت الوكالة الأوروبية للحقوق الأساسية في أحدث تقاريرها أن ما لا يقل عن 852 شخصا ماتوا أو فُقدوا على طرق الهجرة نحو أوروبا بين يوليو وسبتمبر 2026، سواء في البحر المتوسط أو الطريق الأطلسي نحو جزر الكناري.

وتثير سياسات الحدود الأوروبية جدلا متزايدا بسبب اتهامات بسوء معاملة المهاجرين والإعادة القسرية وضعف التحقيق في الانتهاكات المحتملة. ورغم أن دول الاتحاد الأوروبي بدأت في إنشاء آليات مستقلة لمراقبة احترام الحقوق على الحدود بموجب ميثاق الهجرة واللجوء الجديد، فإن التطبيق ما يزال غير مكتمل.

وجاء قرار إسبانيا في 27 أكتوبر بإعادة مجموعة من طالبي اللجوء من سبتة إلى المغرب ليزيد النقاش حدة، إذ اعتبرت السلطات الإسبانية أن الإجراءات احترمت الضمانات القانونية، بينما شككت منظمات حقوقية في ذلك وحذرت من مخاطر عمليات الإعادة بالنسبة إلى بعض الجنسيات.

وفي اليوم نفسه قدمت المفوضية الأوروبية مشروعا لتوسيع صلاحيات وكالة «فرونتكس» وتعزيز قدرتها على التدخل والترحيل والعمل خارج حدود الاتحاد الأوروبي. وتقول المؤسسات الأوروبية إن الهدف هو تحسين إدارة الهجرة وحماية الحدود، لكن المدافعين عن حقوق الإنسان يخشون أن يؤدي اتساع الصلاحيات من دون رقابة مستقلة قوية إلى زيادة مخاطر الانتهاكات.

وتظهر القضية أيضا في دول أخرى. ففرنسا تواجه انتقادات بسبب بحث ترتيبات تقنية يمكن أن تسهل إعادة مواطنين أفغان إلى بلدهم، في وقت تحذر منظمات دولية من أن بعض المرحلين قد يواجهون الاضطهاد أو التعذيب تحت حكم طالبان. وفي اليونان يستمر النقاش بشأن تشديد سياسات اللجوء ووقف استقبال الطلبات مؤقتا في حالات تدفق جماعي استثنائي.

وبذلك تتحول الهجرة من مسألة أمنية أو اقتصادية إلى قضية تتعلق بجوهر الهوية الحقوقية الأوروبية نفسها. فالدول التي تطالب العالم باحترام حقوق الإنسان مطالبة بأن تطبق المعايير ذاتها عند حدودها، خصوصا عندما يتعلق الأمر بأشخاص فارين من الحرب أو الفقر أو الاضطهاد.

حقوق الإنسان بين خطاب الحكومات وواقع الأفراد

ما يجمع هذه المشاهد المتباعدة جغرافيا هو أن الإنسان العادي غالبا ما يبقى الحلقة الأضعف: صحفي يدخل المحكمة بسبب مقال، ناشط يُعتقل بسبب تدوينة، مهاجر يغرق في البحر، طفل ينام في خيمة في غزة، امرأة تنتظر خبرا عن قريب مختف في ليبيا، أو أسرة في تعز لا تعرف إن كانت الشاحنة التي تحمل الدواء ستتمكن من الوصول إليها.

ولا يمكن للحديث عن السيادة أو الأمن أو مكافحة الإرهاب أو ضبط الهجرة أن يلغي الحقوق الأساسية. صحيح أن الدول تملك الحق، بل الواجب، في حماية أمن مواطنيها ومواجهة الجماعات المسلحة والإرهاب والجريمة المنظمة، لكنها مطالبة في الوقت نفسه بأن تفعل ذلك داخل القانون، لأن الدولة التي تحمي الأمن على حساب العدالة قد تحقق هدوءا مؤقتا لكنها تزرع أزمة أعمق للمستقبل.

وتؤكد التطورات الأخيرة أيضا أن حرية الصحافة أصبحت مرة أخرى مقياسا بالغ الدقة لسلامة الحياة العامة. فمن الجزائر إلى تونس ومصر ولبنان تظهر قضايا جديدة مرتبطة بالصحفيين والمدونين والناشرين. ومتى بدأ الصحفي يفكر في العقوبة قبل أن يكتب الخبر، أو الناشط في السجن قبل أن ينشر رأيه، فإن الرقابة تتحول من مؤسسة رسمية إلى خوف يسكن داخل الإنسان نفسه، وهو أخطر أنواع الرقابة.

كما تكشف غزة واليمن وليبيا أن غياب المساءلة يفتح الباب أمام تكرار الانتهاكات. فالجريمة التي لا يعاقب مرتكبها اليوم تصبح سابقة يمكن أن تتكرر غدا، ولذلك لا يمكن بناء السلام فقط عبر اتفاقات سياسية وهُدن عسكرية، بل من خلال العدالة وكشف الحقيقة وتعويض الضحايا ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة.

أما أوروبا، فإنها تواجه بدورها امتحانا أخلاقيا حقيقيا. فكلما توسعت سياسات إغلاق الحدود والترحيل الخارجي وإنشاء مراكز الإعادة، أصبح السؤال أكثر إلحاحا حول كيفية التوفيق بين إدارة الهجرة وبين مبدأ عدم إعادة أي إنسان إلى مكان قد يتعرض فيه للتعذيب أو الاضطهاد أو المعاملة اللاإنسانية.

في النهاية، لا تقاس حقوق الإنسان بعدد المواثيق الموقعة ولا بالخطابات الرسمية في المؤتمرات الدولية، بل بما يحدث عندما يقف مواطن ضعيف أمام مؤسسة قوية، وعندما يقف صحفي أمام قاض، ولاجئ أمام شرطي الحدود، وأسير أمام سجّانه، ومدني أعزل أمام آلة الحرب. هناك تحديدا، في تلك اللحظة الصغيرة التي لا تظهر دائما في نشرات الأخبار، تبدأ حقوق الإنسان أو تنتهي.

اعتمدت في التحقق على أحدث المواد المنشورة حتى 27 أكتوبر 2026 من الأمم المتحدة، ووكالة الاتحاد الأوروبي للحقوق الأساسية، ومنظمات حقوقية دولية، إضافة إلى وكالات أنباء دولية. ومن أبرز التطورات الحديثة: قضايا الاعتقال المرتبطة بالتعبير في الجزائر، الحكم على ألفة الحامدي وتزايد الضغوط على الصحافة التونسية، الإعدامات في شرق ليبيا، الحكم بإغلاق «مدى مصر»، تقرير الأمم المتحدة الأخير بشأن غزة، أزمة تعز، والجدل الأوروبي الجديد بشأن الهجرة و«فرونتكس». 



0 التعليقات: