الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الثلاثاء، أكتوبر 27، 2026

سعيد يقطين شخصية العام الثقافية 2026 تكريم للفكر المغربي : عبده حقي


أشعر بشيء من الاعتزاز الثقافي الحقيقي وأنا أقرأ خبر اختيار الناقد والباحث المغربي الدكتور سعيد يقطين شخصية العام الثقافية في الدورة الخامسة والأربعين لمعرض الشارقة الدولي للكتاب 2026. ليس لأن الأمر يتعلق باسم مغربي فقط، ولا لأنني أريد أن أحول أي تكريم عربي إلى مناسبة للاحتفاء الوطني السريع، بل لأن هذا الاختيار يعيد في رأيي الاعتبار إلى قيمة ثقافية كثيرًا ما تتراجع في زمن الجوائز الصاخبة والنجومية الأدبية السريعة، وهي قيمة النقد نفسه، ذلك العمل الصبور الذي لا يظهر عادة في واجهة المشهد، لكنه يظل من أكثر الأعمال قدرة على تغيير طريقة قراءتنا للأدب وللعالم معًا. إن تكريم سعيد يقطين ليس بالنسبة إلي مجرد لحظة بروتوكولية عابرة في معرض دولي كبير، بل هو إشارة ثقافية ذات معنى، تقول لنا إن السرد ليس فقط ما يكتبه الروائيون، وإن الحكاية ليست مجرد بناء لغوي جميل، وإن النقد ليس هامشًا ملحقًا بالإبداع، بل هو أحد الشروط العميقة التي تجعل الأدب قادرًا على فهم نفسه وتجاوز نفسه.

لقد جاء هذا التكريم في توقيت يبدو لي بالغ الدلالة. نحن نعيش اليوم في زمن أصبحت فيه الحكاية أكثر انتشارًا من أي وقت مضى، لكنها ربما صارت أيضًا أكثر عرضة للاستهلاك السريع. كل شيء من حولنا يتحول إلى سرد: السياسة سرد، والإعلان سرد، والمنصات الرقمية سرد، والذكاء الاصطناعي ينتج سردًا، والصورة العابرة تصنع سردًا، والهوية نفسها أصبحت تُبنى عبر القصص التي نحكيها عن أنفسنا أو التي تحكيها عنا الخوارزميات. ولهذا فإن العودة إلى رجل قضى عقودًا وهو يفكر في السرد، ويفكك بنياته، ويعيد قراءة تراثه، ويتأمل تحوله من الورق إلى الشاشة، ليست مجرد عودة إلى أكاديمي من جيل سابق، بل هي استعادة لسؤال حاضر بقوة: من يملك الحكاية اليوم؟ ومن يقرأها؟ ومن يكشف لنا البنيات الخفية التي تصنع معناها وتأثيرها؟

منذ عقود، اختار سعيد يقطين أن يسلك طريقًا يبدو من الخارج أقل بريقًا من الكتابة الإبداعية، لكنه أكثر صعوبة في كثير من الأحيان. اختار أن يقرأ، وأن يعيد القراءة، وأن يبني المفهوم، وأن يختبر المصطلح، وأن يلاحق التحولات الدقيقة التي تحدث داخل النصوص. وهذا النوع من العمل لا يمنح صاحبه دائمًا شهرة جماهيرية واسعة، لكنه يصنع أثرًا عميقًا داخل الجامعات وفي وعي الباحثين والقراء. ونحن نعرف جيدًا أن الثقافة العربية عانت طويلًا من تضخم الخطاب الإنشائي ومن طغيان الأحكام السريعة، بينما ظل العمل المفاهيمي والمنهجي أقل حضورًا في المجال العام. لذلك أرى في تكريم سعيد يقطين نوعًا من الإنصاف لفكرة الثقافة الجادة، الثقافة التي تبني نفسها بالتراكم لا بالضجيج.

لقد كان مشروع يقطين، في جانب كبير منه، مشروعًا في الإنصات إلى الحكاية العربية، القديمة والحديثة معًا. لم يتعامل مع السرد العربي بوصفه مادة تحتاج فقط إلى تطبيق نظريات غربية عليها، ولم يقع في المقابل في وهم الانغلاق التراثي، بل حاول أن يبني منطقة وسطى خصبة، منطقة تسمح باستيعاب المناهج الحديثة وتطويرها في ضوء خصوصية النص العربي. وهذا في حد ذاته موقف فكري مهم، لأن مشكلتنا الثقافية لم تكن يومًا في نقص النظريات فقط، بل في كيفية استعمالها. كم من نظرية دخلت إلى فضائنا الثقافي بوصفها موضة، ثم خرجت دون أن تترك أثرًا حقيقيًا؟ وكم من مصطلح تكرر في الكتب والندوات من دون أن يتحول إلى أداة معرفة؟ سعيد يقطين، في رأيي، انتمى إلى تلك الفئة من الباحثين الذين فهموا أن النظرية لا قيمة لها إن لم تتحول إلى ممارسة تحليلية حقيقية، وإن لم تساعدنا على رؤية ما لم نكن نراه في النصوص من قبل.

وإذا كان اسمه قد ارتبط طويلًا بالسرديات وتحليل الخطاب الروائي، فإن ما يلفتني أكثر في مساره هو أنه لم يتوقف عند حدود الرواية الورقية. لقد أدرك مبكرًا أن الثقافة تتحول، وأن النص نفسه يتغير، وأن الكتابة لم تعد حبيسة الصفحة. قبل أن يصبح الحديث عن الأدب الرقمي والكتابة التفاعلية والذكاء الاصطناعي موضوعًا يوميًا، كان يقطين يفتح أسئلة حول النص المترابط، وحول علاقة التكنولوجيا بالكتابة، وحول تغير وضعية المؤلف والقارئ. وهذا الاستباق ليس تفصيلًا صغيرًا في مساره، بل يكشف عن وعي نقدي لم يكن يقرأ ما هو موجود فقط، بل كان يحاول أيضًا التقاط ما يتشكل في الأفق.

اليوم، ونحن أمام انفجار الذكاء الاصطناعي التوليدي، تبدو كثير من هذه الأسئلة أكثر راهنية. من هو الكاتب عندما تشارك الآلة في الكتابة؟ ما معنى القراءة عندما يتوسطها محرك توصية؟ ماذا يحدث للسرد عندما تصبح الخوارزمية قادرة على اقتراح الحبكة، وتوليد الشخصيات، وصياغة الأسلوب؟ وهل يمكننا أن نستمر في قراءة النصوص بأدوات نقدية صممت لعالم سابق؟ هذه أسئلة لم تعد تخص المختبرات الأكاديمية، بل أصبحت جزءًا من حياتنا اليومية. وهنا تحديدًا أجد أن تجربة سعيد يقطين تكتسب قيمة إضافية، لأنها تربط بين معرفة التراث واستيعاب الحداثة والانتباه إلى المستقبل.

لست ممن يعتقدون أن تكريم المثقف يكفي في حد ذاته. نحن في العالم العربي نحب الاحتفاء بالأسماء، لكننا لا نقرأها دائمًا بما يكفي. نحتفي بالباحث ثم نترك كتبه في رفوف الجامعات، ونصفق للمفكر ثم نستمر في إنتاج الخطاب نفسه الذي كان ينتقده. ولهذا فإن القيمة الحقيقية لهذا التكريم ستظل ناقصة إن لم تتحول المناسبة إلى عودة فعلية إلى مشروع سعيد يقطين وإلى كتبه وإلى الأسئلة التي طرحها. ما معنى أن نكرم ناقدًا في السرديات إذا ظلت مدارسنا وجامعاتنا عاجزة عن تعليم القراءة النقدية؟ وما معنى أن نحتفي بباحث في الأدب الرقمي إذا بقيت ثقافتنا الرقمية أسيرة الاستخدام السطحي للمنصات؟ وما معنى أن نحتفل بالحكاية إذا كنا لا نمتلك بعد وعيًا كافيًا بالقوة التي تمارسها الحكايات علينا؟

إنني أرى أن تكريم سعيد يقطين ينبغي أن يكون مناسبة للتفكير في وضع النقد العربي نفسه. أين يقف النقد اليوم؟ هل لا يزال قادرًا على مواكبة الإبداع؟ هل يستطيع أن يواجه السرعة الرهيبة التي تنتج بها النصوص والصور والمقاطع الرقمية؟ لقد تغيرت الثقافة جذريًا، بينما لا تزال بعض مؤسسات النقد تتحرك بعقلية بطيئة. هناك فجوة تتسع بين ما يحدث على المنصات وبين ما تدرسه الجامعات، وبين أشكال الكتابة الجديدة وبين المناهج التقليدية. وهذه الفجوة لن تُردم إلا إذا استعاد النقد جرأته وقدرته على ابتكار الأدوات.

سعيد يقطين يمثل، بالنسبة إلي، نموذجًا مهمًا في هذا السياق، لأنه لم يتعامل مع النقد باعتباره سلطة تصدر الأحكام، بل باعتباره معرفة تتطور. وهذا فرق جوهري. الناقد الحقيقي ليس شرطيًا يقف عند باب الأدب ليقرر من يدخل ومن يخرج، بل هو قارئ مدرب على رؤية البنيات الخفية، وعلى فهم العلاقات، وعلى مساءلة اللغة والأشكال والسياقات. حين يتحول النقد إلى إصدار أحكام نهائية، يفقد حيويته، وحين يتحول إلى تكرار للمصطلحات، يفقد ضرورته. أما حين يبقى سؤالًا مفتوحًا، فإنه يصبح شريكًا في صناعة الثقافة.

ومن هنا أفهم جيدًا لماذا يبدو اختيار سعيد يقطين منسجمًا مع شعار الدورة الخامسة والأربعين لمعرض الشارقة الدولي للكتاب، «من صُنع الحكايات». فالحكايات لا تُصنع فقط بواسطة من يكتبها، بل أيضًا بواسطة من يقرأها قراءة عميقة، ومن يكشف طبقاتها، ومن يعيد وضعها في سياقاتها. كل ناقد حقيقي هو، بطريقة ما، مشارك في صنع الحكاية، لأنه يمنحها حياة ثانية، يفتح فيها مسارات جديدة للفهم.

ولا يمكنني أن أقرأ هذا التكريم دون أن أرى فيه أيضًا لحظة مهمة للثقافة المغربية. المغرب لم يكن يومًا بعيدًا عن التجديد النقدي العربي. لقد ساهم باحثون ومفكرون مغاربة في تطوير مجالات متعددة، من الفلسفة إلى النقد الأدبي، ومن اللسانيات إلى السيميائيات، ومن دراسات التراث إلى الفكر السياسي. وربما كان أحد أسباب هذا الحضور هو قدرة الثقافة المغربية على العيش في منطقة تفاعل بين المشرق وأوروبا، بين العربية والفرنسية، بين التراث والحداثة. سعيد يقطين واحد من الأسماء التي عبرت عن هذا التوتر الخلاق، واستفادت منه بدل أن تحوله إلى صراع هوياتي عقيم.

أكثر ما يهمني في هذه المناسبة هو أنها تعيد الاعتبار لفكرة المسار الطويل. نحن نعيش في زمن يريد النتائج الفورية، والنجاح السريع، والانتشار اللحظي. لكن المشاريع الفكرية الحقيقية لا تُبنى بهذه الطريقة. تحتاج إلى سنوات من القراءة، وإلى صبر، وإلى مراجعة، وإلى تراكم. يقطين لم يصبح اسمًا مركزيًا لأنه نشر كتابًا واحدًا أثار ضجة، بل لأنه بنى مشروعًا متدرجًا، كتابًا بعد كتاب، وسؤالًا بعد سؤال. وهذا درس ثقافي بالغ الأهمية في زمن يميل إلى تحويل الكاتب إلى صورة والباحث إلى منشور عابر.

وأنا أعتقد أن الثقافة العربية اليوم في حاجة ماسة إلى استعادة قيمة البطء. نعم، البطء. ليس بوصفه عجزًا، بل بوصفه مقاومة لاقتصاد الانتباه. القراءة العميقة بطيئة. البحث الجاد بطيء. تكوين المفاهيم بطيء. التفكير الحقيقي بطيء. أما السرعة المطلقة التي تفرضها المنصات فإنها تنتج غالبًا ثقافة سطحية، كثيرة المحتوى، قليلة المعنى. لذلك فإن تكريم باحث قضى عقودًا في بناء معرفة دقيقة يبدو لي، من هذه الزاوية، إعلانًا مضادًا لثقافة الاستهلاك السريع.

كما أن التكريم يذكرنا بأهمية الجامعة في تشكيل الثقافة. كثير من النقاشات الثقافية اليوم تجري خارج الجامعة، وهذا ليس أمرًا سيئًا في حد ذاته، لكنه يصبح مقلقًا عندما تنفصل المعرفة عن البحث الأكاديمي تمامًا. سعيد يقطين ابن الجامعة، لكنه لم يكن أسيرها. وهذا ما يحتاجه المثقف الأكاديمي اليوم: أن يحافظ على الصرامة العلمية، وفي الوقت نفسه يخرج بأسئلته إلى المجال العام. الثقافة لا تستطيع أن تعيش داخل الأقسام الجامعية فقط، لكنها أيضًا لا تستطيع أن تستغني عن أدوات البحث.

إنني لا أرى في سعيد يقطين مجرد ناقد للرواية، بل أراه واحدًا من الذين ساهموا في تدريب أجيال كاملة على النظر إلى السرد بطريقة مختلفة. وهذا الأثر ربما أهم من أي جائزة. الكتب قد تنفد طبعاتها، والجوائز قد تتراكم، لكن ما يبقى فعلًا هو الطريقة التي غيّر بها الباحث أسئلة الآخرين. الباحث الكبير لا يقدم أجوبة فقط، بل يجعلنا نطرح أسئلة لم نكن نعرف أننا بحاجة إلى طرحها.

ولهذا فإن تكريمه في الشارقة يحمل بالنسبة إلي معنى يتجاوز الفرد. إنه تكريم للبحث، وللنقد، وللقراءة، وللفكرة التي تقول إن الحكاية ليست بريئة. كل حكاية تبني رؤية للعالم. كل سرد يختار ما يظهر وما يختفي. كل نص يعيد ترتيب الواقع بطريقة ما. ومن لا يمتلك أدوات قراءة السرد يصبح معرضًا لأن يصدق كل ما يُحكى له. وهذه ليست مسألة أدبية فقط، بل مسألة سياسية واجتماعية وأخلاقية أيضًا.

في عالم اليوم، نحن محاصرون بالحكايات أكثر من أي وقت مضى. الدول تحكي، الشركات تحكي، المنصات تحكي، المؤثرون يحكون، والذكاء الاصطناعي يحكي. وربما يكون السؤال الأهم ليس: من يكتب القصة؟ بل: من يملك القدرة على تفكيكها؟ هنا تظهر ضرورة النقد، وهنا يتضح لماذا ينبغي أن نحتفي بمن جعل من السرد موضوع حياة فكرية كاملة.

أبارك لسعيد يقطين هذا التكريم، لكنني أتمنى ألا نحوله إلى لحظة تصفيق عابرة. أتمنى أن يكون مدخلًا إلى قراءة كتبه من جديد، وإلى إعادة فتح النقاش حول مستقبل النقد العربي، وإلى التفكير في موقع الحكاية في زمن الخوارزميات. لأن أفضل طريقة لتكريم ناقد ليست أن نضع اسمه على منصة، بل أن نسمح لأفكاره بأن تستمر في العمل داخل وعينا.

ومعرض الشارقة الدولي للكتاب، حين يختار ناقدًا في السرديات شخصية للعام الثقافي، يقدم في رأيي رسالة مهمة: الثقافة ليست فقط ما نقرأه، بل أيضًا الطريقة التي نقرأ بها. وهذه ربما تكون إحدى أكثر الحقائق بساطة وأشدها عمقًا. إن مستقبل الأدب العربي لن يتحدد فقط بعدد الروايات التي سنكتبها، بل كذلك بقدرتنا على بناء قارئ أكثر وعيًا، وناقد أكثر جرأة، ومؤسسات أكثر استعدادًا لفهم التحولات التي تعصف بالعالم.

ولهذا أرى في تكريم سعيد يقطين لحظة تستحق الاحتفاء، لا لأنها تكرم مغربيًا فحسب، بل لأنها تكرم قيمة أصبحت نادرة: قيمة التفكير الطويل في زمن السرعة، وقيمة القراءة العميقة في زمن التمرير، وقيمة السؤال في زمن الأجوبة الجاهزة، وقيمة النقد في زمن الخوارزميات التي تريد أن تختار لنا ما نقرأ وما نرى وما نحب.

وحين أعود إلى شعار «من صُنع الحكايات»، أجد أن سعيد يقطين ينتمي بالفعل إلى هؤلاء، ليس لأنه كتب الحكايات بالمعنى الإبداعي المباشر، بل لأنه ساعدنا على فهم كيف تُصنع، وكيف تتحول، وكيف تتسلل إلى وعينا، وكيف يمكن للناقد أن يعيدها إلينا أكثر وضوحًا وأشد تعقيدًا في الوقت نفسه. وفي هذا بالضبط تكمن قيمة هذا التكريم، وفي هذا أيضًا يكمن معنى الثقافة حين تكون جديرة باسمها.



0 التعليقات: