الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الثلاثاء، أكتوبر 20، 2026

أحمد علي الزين في «وردة ريتسوس» حيث الذاكرة وطناً للأصدقاء والراحلين: عبده حقي


ثمة كتب لا تدخل إلى مكتبتنا باعتبارها مجرد مؤلفات جديدة، بل تأتي وهي محملة بأصوات بعيدة، بروائح مدن لم تعد كما كانت، وبملامح أصدقاء عبروا الحياة ثم غابوا، تاركين في الذاكرة ما يشبه الضوء الخافت الذي لا ينطفئ. ومن هذا النوع يبدو كتاب الإعلامي والروائي اللبناني أحمد علي الزين «وردة ريتسوس… سير وأسرار»، الذي ينفتح على تجربة يتعذر اختزالها في جنس واحد، فلا هو سيرة ذاتية خالصة، ولا كتاب ذكريات بالمعنى التقليدي، ولا شهادة تاريخية بالمعنى الوثائقي الصرف، بل نص يقيم في المنطقة الفاصلة بين هذه الأشكال جميعاً، ويستمد منها مادة أدبية وثقافية وإنسانية واسعة.

العنوان وحده يحمل قدراً من الشعر والالتباس. «وردة ريتسوس» توحي منذ البداية بأننا أمام ذاكرة لا تستدعي الأشخاص بالطريقة الجافة التي تفعلها كتب التراجم، وإنما تستعيدهم عبر الإشارة والرمز والأثر. والوردة، في الثقافة الإنسانية، ليست مجرد نبات أو زينة عابرة، بل استعارة للحضور والغياب، للحياة التي تزهر ثم تمضي، وللجمال الذي لا يكتمل إلا لأنه قابل للفناء. أما ريتسوس، الشاعر اليوناني الكبير يانيس ريتسوس، فيحضر بما يمثله من شعر وحرية ومقاومة ومنفى وتجربة إنسانية جعلت منه واحداً من أصوات القرن العشرين التي ربطت القصيدة بالتاريخ والإنسان.

يضع أحمد علي الزين نفسه، منذ الصفحات الأولى كما توحي طبيعة الكتاب، في موقع الراوي الذي لا يريد احتكار البطولة. إنه لا يكتب كي يقول للقارئ: هذه حياتي، وهذه إنجازاتي، وهذه الأماكن التي مررت بها، بل كأنه يقول إن الحياة الشخصية لا معنى لها خارج شبكة العلاقات والصداقات واللقاءات والأسفار والكتب والأصوات التي صنعتها. ولهذا تبدو عبارته «هذه ليست سيرتي، هذه محطة في رحلة طويلة» مفتاحاً أساسياً لفهم العمل. إنها جملة تنزع عن السيرة مركزيتها، وتفتحها على الآخرين، بحيث يصبح الشخص الذي يكتب عن نفسه مضيفاً لذاكرات كثيرة أكثر مما يكون بطلاً أوحد للحكاية.

هنا تحديداً تبرز قيمة «وردة ريتسوس». فالكتاب لا يقدم حياة فردية منعزلة، وإنما يرسم خريطة لجيل عربي عاش تقلبات قاسية، من الحرب إلى المنفى، ومن الانقلابات الفكرية إلى انهيار أوهام سياسية وثقافية كبرى، ومن زمن الصحافة الورقية والإذاعة واللقاءات الطويلة في المقاهي والبيوت إلى زمن السرعة الرقمية الذي أصبح فيه اللقاء عابراً والصداقة محكومة أحياناً برسالة قصيرة أو صورة على شاشة.

من عكار وفضاء الطفولة الأولى، تبدأ إحدى طبقات الذاكرة. هناك الأرض والقرية والماء والحطب وروائح البيوت القديمة، وهناك أيضاً ذلك الإحساس الأول بالعالم قبل أن تداهمه تعقيدات السياسة والحرب والمهنة والسفر. ليست الطفولة في كتب الذاكرة مجرد فصل افتتاحي، بل غالباً ما تكون المكان السري الذي يعود إليه الكاتب كلما اشتدت غربة العالم من حوله. فالطفولة تمنح الذاكرة معياراً للمقارنة: كيف كان المكان قبل أن يتغير؟ كيف كان الناس قبل أن يتفرقوا؟ وكيف كانت اللغة قبل أن تصبح مثقلة بكل هذا التاريخ؟

ثم تأتي بيروت، المدينة التي يصعب أن تكون مجرد مكان في سيرة كاتب لبناني عاش تحولات العقود الأخيرة. بيروت، في مثل هذه الكتب، شخصية قائمة بذاتها. مدينة قادرة على منح الكاتب الحرية والقلق معاً، وعلى جمع المثقفين والفنانين والصحفيين قبل أن تفرقهم الحروب والمنافي. إنها المدينة التي تختزن مقاهي وجرائد واستوديوهات وإذاعات وبيوتاً صغيرة ولقاءات قد تتجاوز قيمتها أحياناً قيمة المؤسسات الثقافية الرسمية.

الحرب، بطبيعة الحال، تلقي بظلها على الذاكرة. لكنها لا تحضر باعتبارها سلسلة من المعارك فقط، وإنما كقوة هائلة تعيد ترتيب العلاقات والصداقات والمصائر. الحرب لا تدمر المباني وحدها، بل تدمر الاستمرارية الطبيعية للزمن. فجأة يصبح الصديق في بلد بعيد، ويصبح الشارع الذي اعتاد الإنسان المرور منه منطقة خطر، ويتحول البيت إلى مكان مؤقت، وتتحول الرحلة التي كان يفترض أن تستغرق أياماً إلى منفى يمتد سنوات.

من هنا تتكاثر المدن في تجربة أحمد علي الزين. باريس، لندن، روما، تونس ومدن أخرى تعبر الكتاب لا باعتبارها محطات سياحية، بل كامتدادات لتجربة ثقافية عربية عاشت طويلاً وهي تنتقل بين المركز والهامش، وبين الوطن والمنفى، وبين لغة الأم ولغات العالم. المدن الأجنبية في هذه الذاكرة ليست مجرد جغرافيا، بل فضاءات اكتشاف ومقارنة. ففي المنفى يكتشف الإنسان وطنه بطريقة مختلفة، وقد يرى بلاده بوضوح أكبر لأنه ينظر إليها من الخارج، مثلما قد يرى نقاط ضعفها التي كان القرب يمنعه من ملاحظتها.

لكن أجمل ما في هذا النوع من الكتب أن المدن لا تبقى خرائط، بل تمتلئ بالوجوه. أحمد علي الزين يستدعي أسماء أدبية وفكرية وثقافية مرت في حياته أو تقاطعت معها، ومن بينها الشاعر اليوناني يانيس ريتسوس، والشاعر والناقد عباس بيضون، والمفكر محمد أركون، وغيرهم ممن شكّلوا جوانب مختلفة من المشهد الثقافي العربي والمتوسطي.

وحضور هذه الأسماء لا يبدو استعراضاً لعلاقات الكاتب، وإنما محاولة لاستعادة لحظات إنسانية تختبئ عادة خلف الصورة العامة للمثقف. فالقارئ يعرف الكاتب أو الشاعر أو المفكر من كتبه، لكنه لا يعرف بالضرورة كيف كان يضحك، أو يصمت، أو يتصرف في جلسة عادية، أو ماذا يقول حين يكون بعيداً عن الميكروفون والمنبر والصفحة المطبوعة. هنا تكمن قوة «الأسرار» التي يلمح إليها عنوان الكتاب. ليس المقصود أسراراً فضائحية أو نميمة ثقافية، وإنما ذلك الجانب الخفي من حياة الأشخاص الذي لا تستطيع كتبهم وحدها أن تنقله.

إن كتابة الصداقة شكل أدبي بالغ الصعوبة. فالكاتب معرض دائماً لخطر المبالغة في التمجيد، مثلما يمكن أن يقع في فخ التصفية المتأخرة للحسابات. أما الكتابة الناضجة عن الأصدقاء فتعتمد على الوفاء من دون تقديس، وعلى الحب من دون إلغاء النقد، وعلى استعادة الماضي من دون الادعاء بأن الذاكرة وثيقة محايدة. فالذاكرة بطبيعتها انتقائية، تختار بعض التفاصيل وتسقط أخرى، تكبر لحظة صغيرة وتتجاوز عاماً كاملاً، وتحتفظ بنبرة صوت قديمة بينما تنسى تاريخ لقاء كامل.

وهذه الخاصية ليست عيباً في أدب الذاكرة، بل سر جماله. فالسيرة لا تنافس الأرشيف، والأدب لا يتظاهر بأنه وثيقة إدارية. ما يقدمه الكاتب هو حقيقة الشعور بقدر ما يقدم حقيقة الحدث. وقد تكون رائحة بيت قديم أكثر تعبيراً عن زمن كامل من جدول تاريخي، وقد يكشف حوار عابر مع شاعر عن روحه أكثر مما تكشفه عشرات الدراسات النقدية.

أحمد علي الزين ينتمي أيضاً إلى جيل عرف الإعلام قبل الثورة الرقمية الكبرى، وهو ما يمنح ذاكرته أهمية مضاعفة. فقد عاش زمناً كانت فيه المقابلة الإذاعية أو التلفزيونية حدثاً ثقافياً له شروطه وطقوسه، وكان الصحفي أو المحاور يحتاج إلى قراءة واسعة وتحضير طويل قبل الجلوس أمام شاعر أو مفكر أو سياسي. في ذلك الزمن كان الحوار مساحة حقيقية للاكتشاف، لا مجرد صناعة مقطع سريع صالح للتداول لثوانٍ على وسائل التواصل الاجتماعي.

ولذلك يمكن قراءة «وردة ريتسوس» بوصفه جزءاً من أرشيف ثقافي لجيل كامل، وليس فقط باعتباره كتاباً شخصياً. فحين يروي الكاتب لقاءاته وحواراته وأسفاره، فإنه يوثق بصورة غير مباشرة طريقة اشتغال الحياة الثقافية العربية في عقود مضت، وكيف كانت الأفكار تنتقل بين بيروت وباريس ولندن وتونس والقاهرة وعواصم أخرى، وكيف تشكلت صداقات عابرة للحدود بين كتاب وشعراء وفنانين كانوا يتقاسمون هموماً متشابهة رغم اختلاف تجاربهم.

ويظل المنفى واحداً من أكثر العناصر حضوراً في ذاكرة المثقف العربي الحديث. المنفى هنا لا يعني دائماً الإقامة الإجبارية خارج الوطن، بل يمكن أن يتحول إلى حالة نفسية. قد يعيش الإنسان في مدينته ويشعر بأنه منفي عنها، خصوصاً حين تتغير الأمكنة التي عرفها، أو يختفي أصدقاؤه، أو تنهار القيم التي كان يعتقد أنها ثابتة. وفي المقابل قد يجد الإنسان وطناً مؤقتاً في مدينة أجنبية فقط لأن صديقاً استقبله فيها، أو لأن مقهى صغيراً منحه إحساساً بالألفة.

لهذا تبدو الصداقة في الكتاب بديلاً عن الجغرافيا. الوطن ليس دائماً الأرض وحدها، بل قد يكون الأشخاص الذين يمنحون المكان معنى. وحين يرحلون، تفقد المدن شيئاً من ملامحها. كم من مدينة جميلة أصبحت ثقيلة على الذاكرة لأن شخصاً عزيزاً غاب عنها؟ وكم من شارع عادي تحول إلى مكان استثنائي لأن لقاءً مهماً وقع فيه؟ بهذا المعنى تتحول «وردة ريتسوس» إلى كتابة عن الجغرافيا العاطفية أكثر مما هي كتابة عن الجغرافيا المادية.

ويتقاطع هذا كله مع سؤال الشيخوخة والزمن. فكل كتاب ذاكرة يكتب من نقطة زمنية ينظر منها صاحبه إلى الخلف. وكلما اتسعت المسافة بين لحظة الكتابة ولحظة الحدث، اكتسبت التفاصيل دلالة مختلفة. أشياء بدت عادية في شباب الكاتب قد تصبح ثمينة بعد عقود، وأحاديث لم يكن أحد يتوقع أن تحمل أهمية تاريخية تتحول فجأة إلى شهادات على زمن انتهى.

الزمن يجعل الكاتب أكثر إدراكاً لهشاشة الوجود. الأصدقاء الذين كانوا يملأون الغرف بالكلام يصبحون أسماء في الذاكرة. الأصوات القوية تتحول إلى تسجيلات قديمة. المدن تتغير، المقاهي تغلق، الصحف تختفي، والبيوت تهدم أو تنتقل إلى مالكين جدد. أمام هذا التآكل المستمر لا يبقى للكاتب سوى اللغة، ولهذا تصبح الكتابة محاولة لمقاومة الموت بطريقة لا تدعي الانتصار عليه، لكنها ترفض أن تمنحه الكلمة الأخيرة.

من أجمل وظائف الأدب أنه يمنح الغائبين حياة ثانية. فالشخص الذي رحل يعود كلما فتح قارئ صفحة تذكر اسمه، ويستعيد شيئاً من حضوره داخل خيال شخص لم يعرفه يوماً. بهذا المعنى لا تكون الكتابة عن الراحلين رثاءً فقط، بل إعادة إدماج لهم في الحاضر. إنها تقول إن الموت يستطيع إنهاء الجسد، لكنه لا يستطيع دائماً إنهاء الأثر.

«وردة ريتسوس» ينتمي إلى هذه الكتابة التي تحتفي بالأثر. فالإنسان، في النهاية، لا يترك وراءه ما امتلكه بقدر ما يترك الطريقة التي لمس بها حياة الآخرين. قد ينسى الناس المناصب والجوائز والتفاصيل الرسمية، لكنهم يتذكرون كلمة قيلت في لحظة صعبة، أو كتاباً غيّر نظرتهم إلى العالم، أو جلسة منحتهم أملاً، أو صداقة نجت من تقلبات السياسة والجغرافيا.

ويمكن للقارئ العربي أن يجد في هذا الكتاب شيئاً من سيرته الخاصة، حتى لو لم يعرف أصحاب الأسماء الواردة فيه شخصياً. فكل واحد منا يمتلك «وردة ريتسوس» الخاصة به: شخصاً غائباً، مدينة بعيدة، صورة قديمة، رسالة احتفظ بها، أو مكاناً يخاف العودة إليه لأن ذاكرته أقوى من واقعه. لهذا تتجاوز السيرة فرديتها وتصبح شكلاً من أشكال المشاركة الإنسانية.

الكتاب، من هذه الزاوية، ليس مجرد رجوع إلى الماضي، بل مساءلة للحاضر أيضاً. ماذا بقي من تلك الثقافة التي كانت الصداقة جزءاً من بنيتها؟ ماذا بقي من زمن اللقاءات الطويلة والحوار الهادئ والرسائل والكتب المتبادلة؟ هل تستطيع الحياة الرقمية المعاصرة أن تنتج الذاكرة نفسها، أم أنها تخلق نوعاً آخر من العلاقات سريعاً، متقطعاً، وقابلاً للنسيان؟

ربما تكمن إحدى رسائل «وردة ريتسوس» غير المعلنة في الدفاع عن البطء. بطء القراءة، وبطء الصداقة، وبطء الرحلة، وبطء تكوين الأفكار. فالذاكرة العميقة لا تتشكل من التصفح السريع، وإنما من تراكم الزمن. والصداقة التي تصبح مادة أدبية بعد عقود لم تُبنَ من إعجاب عابر أو تعليق سريع، بل من حياة مشتركة، واختلافات، وأسفار، وانتظارات، وخيبات ومصالحات.

إن العودة إلى هذا النوع من الكتب ضرورية اليوم، لأن الثقافة المعاصرة تميل إلى تمجيد الحاضر اللحظي. الأخبار تتدفق بلا توقف، والوجوه تظهر وتختفي بسرعة، والكتب نفسها قد تتحول إلى مناسبة دعائية قصيرة قبل أن يغطيها إصدار جديد. أما كتب الذاكرة فتقاوم هذا المنطق. إنها تطلب من القارئ أن يتوقف، وأن يصغي، وأن يكتشف أن الزمن لا يقاس فقط بما يحدث الآن، بل بما يبقى من الذي حدث.

وفي المحصلة، يقدم أحمد علي الزين في «وردة ريتسوس… سير وأسرار» أكثر من سيرة شخصية. يقدم تمريناً على الوفاء، وعلى استعادة زمن ثقافي كامل عبر تفاصيل إنسانية صغيرة. يكتب عن نفسه، لكنه يترك للآخرين مساحة واسعة داخل حكايته؛ يكتب عن المدن، لكنه يبحث فيها عن الوجوه؛ يكتب عن الماضي، لكنه لا يتعامل معه كمتحف مغلق؛ ويكتب عن الراحلين لا ليقيم لهم نصباً حجرياً، بل ليعيد إليهم شيئاً من حرارة الحياة.

ذلك ربما هو المعنى العميق للوردة في العنوان. فالوردة لا تدوم، لكن رائحتها تبقى في الذاكرة، والصداقة قد تنتهي بالموت، لكن أثرها يواصل التفتح في الكتابة. أما السيرة الحقيقية للإنسان، فقد لا تكون في الأحداث الكبرى التي عاشها، بل في عدد الأشخاص الذين ما زالوا يسكنون ذاكرته، وفي عدد المرات التي استطاعت فيها الكلمات أن تعيدهم، ولو للحظات، إلى الحياة.



0 التعليقات: