الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الجمعة، أكتوبر 16، 2026

وجدة تحتضن مهرجان الفيلم المغاربي


تحتضن مدينة وجدة، من 16 إلى 21 أكتوبر 2026، فعاليات الدورة الخامسة عشرة من المهرجان الدولي المغاربي للفيلم، الذي تنظمه جمعية «سيني مغرب»، تحت شعار «حين يعتم العالم، تضيء السينما»، بمشاركة فنانين ومخرجين وسينمائيين من عدد من البلدان المغاربية والعربية والإفريقية والأوروبية.

ويواصل المهرجان، الذي تأسس سنة 2012، ترسيخ حضوره ضمن الخريطة السينمائية المغربية، من خلال برمجة تجمع بين عروض الأفلام الطويلة والقصيرة، والندوات الفكرية، والورشات التكوينية، واللقاءات المهنية، إلى جانب أنشطة موازية تراهن على تقريب السينما من الجمهور، وخاصة فئة الشباب، وتعزيز موقع مدينة وجدة كفضاء ثقافي منفتح على محيطه المغاربي والإفريقي.

وتكتسي هذه الدورة أهمية خاصة بالنظر إلى بعدها المغاربي، حيث يقدم المهرجان نفسه فضاءً للحوار بين التجارب السينمائية في بلدان المنطقة، في سياق إقليمي مطبوع بالتباعد السياسي وإغلاق الحدود وتعثر مشاريع الاندماج المغاربي. ومن خلال الصورة والحكاية، يسعى المهرجان إلى الإبقاء على جسور التواصل الثقافي قائمة بين شعوب المغرب الكبير، وترسيخ فكرة أن الثقافة قادرة على الحفاظ على المشترك الإنساني والحضاري حتى في أكثر الفترات توترًا.

وتتضمن برمجة الدورة الحالية مسابقات رسمية للأفلام الطويلة والقصيرة، إلى جانب عروض سينمائية متنوعة، وورشات في كتابة السيناريو ومهن السينما، ولقاءات مع مهنيين، فضلاً عن أنشطة مرتبطة بالتحولات الرقمية التي تشهدها الصناعة السينمائية. كما يولي المهرجان اهتمامًا متزايدًا للتقنيات الجديدة، من بينها الذكاء الاصطناعي، من خلال إدراج أنشطة تسلط الضوء على تأثير هذه الأدوات في الكتابة والإنتاج والصورة السينمائية.

ويحتضن برنامج الدورة أيضًا ندوة فكرية بعنوان «السينما فضاء لذاكرة مقاومة الشعوب وأملها»، في إشارة إلى الدور الذي تضطلع به الصورة السينمائية في حفظ الذاكرة الجماعية وتوثيق التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية. وتبرز هذه الندوة البعد الفكري للمهرجان، الذي لا يقتصر على عروض الأفلام، بل يحاول ربط السينما بقضايا الذاكرة والهوية والمقاومة والهجرة والتحولات التي تعرفها المجتمعات المغاربية.

ويرأس لجنة تحكيم مسابقة الأفلام الطويلة المخرج والسيناريست المغربي نور الدين لخماري، فيما يرأس المخرج عادل الفاضيلي لجنة تحكيم الأفلام القصيرة، بمشاركة شخصيات سينمائية وفنية من عدة بلدان. ويعكس هذا التنوع رغبة المهرجان في توسيع دائرة التبادل المهني والفني والانفتاح على تجارب سينمائية مختلفة.

وتستضيف الدورة الحالية السينما الإماراتية كضيف شرف، في إطار انفتاح المهرجان على السينما العربية، وتعزيز جسور التواصل بين الصناعات الثقافية في المنطقة. كما تشهد الدورة تكريم عدد من الأسماء الفنية والسينمائية، من بينها الممثلة المغربية نفيسة بنشهيدة، والموزع المغربي محمد خونا، والممثلة المصرية صابرين، والممثل التونسي معز تومي، والفنانة البوركينابية جورجيت باري.

ويحمل تنظيم مهرجان مغاربي في مدينة وجدة دلالة رمزية لافتة، بالنظر إلى موقع المدينة في أقصى الشرق المغربي وقربها من الحدود الجزائرية. فقد شكلت وجدة تاريخيًا فضاءً للتبادل والتفاعل بين مكونات المجال المغاربي، وتظل مؤهلة ثقافيًا لاحتضان المبادرات التي تراهن على التقريب بين الشعوب عبر الفن والثقافة.

وفي ظل تعثر مشروع الاندماج المغاربي سياسيًا واقتصاديًا، يبرز الرهان الثقافي كأحد المجالات القادرة على الحفاظ على الحد الأدنى من التواصل بين المجتمعات. فالسينما، بما تحمله من حكايات وذاكرة وصور مشتركة، تتيح للمشاهدين التعرف على تجارب بلدان الجوار بعيدًا عن الصور النمطية والخطابات المتوترة.

كما يشكل المهرجان فرصة لتسليط الضوء على السينما المغاربية بمختلف تجاربها، وإتاحة فضاء لعرض إنتاجات قد لا تصل بسهولة إلى شبكات التوزيع التجارية. ويسمح هذا النوع من المهرجانات بخلق فرص لقاء بين المخرجين والمنتجين والممثلين والنقاد، وفتح إمكانيات أمام الإنتاجات المشتركة والتعاون الفني العابر للحدود.

وتراهن إدارة المهرجان كذلك على البعد التكويني، من خلال ورشات وبرامج تستهدف المواهب الشابة، بما يساعد على اكتشاف أصوات سينمائية جديدة في جهة الشرق وخارجها. ويشكل هذا الجانب أحد أهم رهانات المهرجانات الثقافية، إذ لا تقتصر قيمتها على استضافة النجوم والعروض، وإنما تقاس أيضًا بمدى قدرتها على خلق أثر دائم داخل المدن التي تحتضنها.

وتطرح دورة 2026 أيضًا أسئلة مرتبطة بمستقبل السينما في عصر التحولات الرقمية والذكاء الاصطناعي، وهي قضايا باتت تفرض نفسها بقوة على صناع الأفلام في العالم. فالتقنيات الجديدة بدأت تغير طرق كتابة السيناريو والمونتاج والإنتاج والتوزيع، وهو ما يجعل انفتاح المهرجان على هذه التحولات مؤشرًا على رغبته في مواكبة النقاش السينمائي العالمي.

ويؤكد استمرار المهرجان في دورته الخامسة عشرة أن وجدة استطاعت أن تحافظ على موعد سينمائي قار، يربط بين الفرجة والتكوين والنقاش الثقافي. كما يعزز هذا الاستمرار مكانة جهة الشرق في المشهد الثقافي الوطني، ويمنح المدينة فرصة لاستقطاب جمهور وفعاليات سينمائية من داخل المغرب وخارجه.

وبين البعد المغاربي والانفتاح العربي والإفريقي والدولي، يسعى مهرجان الفيلم المغاربي بوجدة إلى تقديم نموذج لسينما تتجاوز الحدود السياسية، وتعيد الاعتبار إلى الروابط الثقافية والإنسانية التي تجمع شعوب المنطقة. ويظل شعار الدورة، «حين يعتم العالم، تضيء السينما»، معبرًا عن هذا التوجه، في زمن أصبحت فيه الثقافة إحدى الأدوات الأساسية لمقاومة الانغلاق والحفاظ على مساحات الحوار.

وتتحول وجدة، خلال أيام المهرجان، إلى فضاء للقاء بين الذاكرة والسينما، وبين الإبداع والأسئلة الكبرى التي تشغل المجتمعات المغاربية. ومن خلال هذا الموعد الثقافي، تستعيد المدينة دورها كجسر بين المغرب ومحيطه، وتؤكد أن الفن قادر على الإبقاء على قنوات التواصل مفتوحة حتى عندما تضيق المساحات السياسية.


0 التعليقات: