الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأحد، أكتوبر 11، 2026

أجندة معهد العالم العربي بباريس بقلم الكاتب المغربي عبده حقي


تبدو أجندة معهد العالم العربي بباريس خلال أكتوبر 2026 أشبه بخريطة ثقافية عربية مصغرة تتقاطع داخلها أسئلة الذاكرة والتراث والهوية والفن واللغة والسينما والأدب، أكثر مما تبدو مجرد برنامج تقليدي لمواعيد متفرقة. فمن المغرب العربي إلى فلسطين ولبنان وليبيا، ومن الرواية إلى الصورة الفوتوغرافية، ومن طقوس الزواج إلى الصحة النفسية وتعليم اللغة العربية، تتحول المؤسسة الباريسية إلى فضاء تتجاور داخله صور متعددة للعالم العربي، بعضها احتفالي ومضيء، وبعضها الآخر مثقل بأسئلة التاريخ والاستعمار والحرب والذاكرة.

«تحيا العروس!».. الزواج المغاربي يدخل المتحف

يتصدر المشهد معرض «تحيا العروس!» الذي افتتح في 29 سبتمبر 2026 ويستمر إلى 28 فبراير 2027، ويضع تقاليد الزواج في الجزائر والمغرب وتونس في مركز تجربة متحفية لا تكتفي باستعراض الأزياء والحلي، بل تحاول قراءة الزواج نفسه باعتباره مؤسسة اجتماعية وثقافية وطقسية تتغير مع تغير المجتمعات.

يعرض المعهد نحو أربعين قطعة من الأزياء والحلي التي تعود إلى القرنين التاسع عشر والعشرين، بينها نماذج مغربية وجزائرية وتونسية لم يسبق عرض بعضها في فرنسا، إلى جانب أعمال لفنانين معاصرين ينتمون إلى المغرب العربي وامتداداته في المهجر. هنا تتحول العروس من شخصية داخل احتفال عائلي إلى مدخل لفهم المجتمع: من يصنع لباسها؟ من يرافقها؟ ما وظيفة الحلي؟ وما الذي تبقى من الطقوس القديمة داخل مجتمعات دخلتها الحداثة والهجرة والتغيرات العائلية العميقة؟

الحضور المغربي في المعرض لافت، سواء عبر الأزياء التقليدية أو أسماء الفنانين، كما تحضر تفاصيل ترتبط بالرباط وفاس والأطلس وغيرها من الفضاءات التي صنعت تعددية اللباس المغربي. ولا يعامل المعرض هذا التراث باعتباره بقايا جامدة من الماضي، وإنما يضعه أمام الفن المعاصر ليسأل عما تغير في مفهوم الزواج والجسد والمرأة والأسرة والاختيار الفردي.

ويمنح البرنامج الموازي للمعرض هذه الفكرة امتدادًا أكبر من خلال السينما واللقاءات والورشات والعروض الفنية، بما يجعل «تحيا العروس!» مشروعًا ثقافيًا متكاملًا لا معرضًا للأزياء فحسب.

الزواج بين السينما والأسئلة الاجتماعية

حول الموضوع نفسه، خصص المعهد سلسلة من العروض السينمائية واللقاءات التي تستعيد الزواج بوصفه مساحة تتصادم داخلها الرغبة الفردية والضغط الاجتماعي والتقاليد والعائلة والحب.

وقدمت البرمجة في الأيام الماضية أعمالًا مثل «Wajib. الدعوة إلى الزواج» و«Amour en Galilée»، إلى جانب أفلام أخرى تنظر إلى طقوس الزواج ومفارقاتها الاجتماعية. وفي 11 أكتوبر تتواصل الدورة بعرض «A Proposal» و**«زواج فيريدا»**، بينما تفتح لقاءات موازية نقاشًا حول حفلة الزواج نفسها بوصفها «أداءً» اجتماعيًا، أي طقسًا لا يعلن ارتباط شخصين فقط، وإنما يعيد إنتاج صورة الجماعة عن نفسها.

هذه المقاربة تجعل من الاحتفال العائلي مادة لدراسة المجتمع. فالأعراس المغاربية والعربية ليست مجرد موسيقى وطعام وملابس، بل هي فضاء تتجسد داخله علاقات القرابة، وتمثلات الجندر، والفوارق الطبقية، وموقع المرأة، وسلطة الأسرة، وحدود الحرية الفردية.

وتمتد التجربة إلى حاسة الشم والتذوق من خلال زيارة حسية للمعرض، في إشارة إلى أن الثقافة لا تُختزل في ما تراه العين، بل تتشكل أيضًا من الروائح والنكهات والأصوات والذاكرة الجسدية التي ترافق الاحتفال.

فلسطين في صور جوس دراي: الذاكرة تقاوم الاختفاء

من أكثر عناصر الأجندة قوة معرض «فلسطين بعدسة جوس دراي»، المتواصل إلى الأول من نوفمبر 2026 في مكتبة المعهد التي تحمل اسم ليلى شهيد. يقدم المعرض مجموعة من الصور التي التقطتها المصورة الفرنسية جوس دراي خلال رحلاتها وتقاريرها في فلسطين بين أواخر الثمانينيات وبداية الألفية.

تكمن أهمية هذه الصور في أنها لا تنظر إلى فلسطين باعتبارها خبرًا سياسيًا عابرًا، بل باعتبارها حياة يومية: أطفال وبيوت وأسواق ومخيمات وشوارع وجدران وساحل ووجوه بشرية. يمتد الأرشيف من مخيم خان يونس إلى جباليا والشاطئ وقلنديا والدهيشة وجنين، مرورًا بصور من الانتفاضة الأولى وما أعقب اتفاق أوسلو، وصولًا إلى تفاصيل الحياة اليومية في غزة والقدس.

وبالنظر إلى ما عرفته فلسطين وغزة خلال السنوات الأخيرة، تكتسب هذه الصور في 2026 قيمة إضافية. فالصورة القديمة تتحول إلى شهادة على أمكنة تغيرت أو دمرت وعلى وجوه وحيوات أصبحت جزءًا من تاريخ شديد الهشاشة. لذلك فإن المعرض يؤدي وظيفة تتجاوز الجماليات الفوتوغرافية إلى حفظ الذاكرة ومقاومة المحو.

كما يحمل تنظيمه في مكتبة ليلى شهيد دلالة رمزية واضحة. فاسم الدبلوماسية الفلسطينية التي ارتبط حضورها طويلًا بالدفاع عن القضية الفلسطينية في فرنسا وأوروبا يلتقي هنا مع أرشيف بصري يوثق حياة الفلسطينيين بعيدًا عن اللغة الدبلوماسية والسياسية.

ليبيا.. إعادة اكتشاف وطن من خلال آثاره

في الجانب الآخر من الأجندة يقترب معرض «ليبيا، تراث مكشوف» من نهايته في 20 أكتوبر، بعد أن قدم للجمهور منذ مايو الماضي رحلة عبر التاريخ الأثري الليبي بواسطة الصور والفيديوهات وأعمال البعثات الأثرية.

تظهر ليبيا في هذا المعرض بعيدًا عن الصورة التي كرستها نشرات الأخبار منذ سقوط نظام معمر القذافي. إنها ليبيا ما قبل الصراعات الحديثة: أرض الحضارات المتراكمة، من عصور ما قبل التاريخ إلى المرحلة الفينيقية والإغريقية والرومانية وصولًا إلى الفترات اللاحقة.

ومن بين المواقع التي تستعيدها الأجندة لبدة الكبرى وأبولونيا وبو نجيم ومواقع الصحراء ومناطق من برقة ومرمريكا. والرسالة هنا مهمة: البلدان التي تتعرض للحروب والانقسامات لا تفقد البشر والمؤسسات فقط، وإنما يصبح تراثها نفسه مهددًا.

بهذا المعنى، يخرج المعرض من حدود علم الآثار ليلامس سؤالًا أكثر اتساعًا: كيف تحمي المجتمعات ذاكرتها المادية في أزمنة الاضطراب؟ وكيف يمكن للتعاون العلمي الدولي أن يساهم في صيانة مواقع تشكل جزءًا من تاريخ البشرية؟

الفن في مواجهة الألم النفسي وإرث فرانتز فانون

ويحتضن متحف المعهد أيضًا معرض «محاولة الفن من أجل العلاج» حول التجربة الفنية داخل مستشفى البليدة-جوانفيل للأمراض النفسية في الجزائر خلال الستينيات، وهو معرض يستمر إلى 3 يناير 2027 ويستعيد جانبًا أقل تداولًا من تاريخ الطب النفسي والفن في مرحلة ما بعد الاستعمار.

تنطلق المادة المعروضة من أرشيف ورسومات وأعمال خزفية أنجزها مرضى المستشفى خلال ورشات العلاج الاجتماعي، وتحضر في خلفيتها تجربة الطبيب والمفكر المناهض للاستعمار فرانتز فانون، الذي اشتغل في المستشفى بين 1953 و1956 وسعى إلى تجاوز النموذج الاستعماري في العلاج النفسي.

كان فانون يرى المريض داخل بيئته الثقافية والاجتماعية، ولهذا أدخل أنشطة جماعية وفنية ورياضية وموسيقية إلى المؤسسة العلاجية. واستمر بعض خلفائه في تطوير هذه المقاربات، لتتحول الرسومات التي أنجزها المرضى إلى وثائق فنية وإنسانية تكشف جانبًا آخر من المؤسسة النفسية.

وفي 15 أكتوبر، يوسع المعهد هذا النقاش عبر لقاء بعنوان «محاولة الفن، علاج العلاج» يناقش العلاقة بين الممارسة الفنية والصحة النفسية، ليس فقط من زاوية قدرة الفن على مساعدة المريض، وإنما أيضًا من زاوية نقد المؤسسة العلاجية ذاتها وعلاقات السلطة التي يمكن أن تنتجها.

وتبدو هذه النقاشات شديدة الراهنية في سياق عالمي تتزايد فيه الأسئلة المرتبطة بالصحة النفسية والوحدة والهشاشة الاجتماعية والحروب والصدمات، حيث يعود الفن مرة أخرى ليطرح نفسه لا بوصفه ترفًا، وإنما إحدى الوسائل التي يعيد الإنسان من خلالها بناء علاقته بذاته وبالعالم.

سبيل غصوب و«إمامي».. الرواية تستعيد لغزًا لبنانيًا

في 13 أكتوبر تستضيف مكتبة معهد العالم العربي الكاتب الفرنسي اللبناني سبيل غصوب للحديث عن روايته الجديدة «Mon imam» ــ «إمامي»، بعد أربع سنوات على حضوره المرتبط بروايته «بيروت على السين».

تنطلق الرواية من واحد من الألغاز السياسية والدينية الكبرى في التاريخ اللبناني المعاصر: اختفاء الإمام موسى الصدر في ليبيا سنة 1978 بعد لقائه معمر القذافي. لكن الأدب لا يتعامل مع الواقعة بالطريقة نفسها التي يتعامل بها المؤرخ أو الصحفي؛ إذ يحول غصوب الحادثة إلى مساحة للتخييل وللتأمل في الغياب والذاكرة والأسطورة السياسية.

ومن هنا تأتي أهمية اللقاء: الرواية العربية المكتوبة بالفرنسية تواصل إعادة بناء تاريخ المنطقة من زوايا شخصية وإنسانية، بينما يصبح الكاتب المقيم في أوروبا وسيطًا بين ذاكرة العائلة وذاكرة الوطن وفضاء ثقافي فرنسي يريد فهم الشرق الأوسط بعيدًا عن الاختزالات السياسية.

السينما اللبنانية تعود إلى باريس

وفي اليوم نفسه، 13 أكتوبر، يحتضن المعهد افتتاح الدورة السادسة من مهرجان الفيلم اللبناني في فرنسا، وهو موعد سنوي يسعى إلى تقديم تنوع السينما اللبنانية من الأفلام القصيرة والطويلة إلى الوثائقيات والأعمال المستعادة.

يفتتح البرنامج بفيلمين هما «Les Sœurs de la rotation» للأخوين غابي وميشال زرازير، و«In the Darkness I See You» لناديم تابت، وهو عمل من إنتاج مشترك لبناني قطري سعودي فرنسي يدور حول أحداث غامضة تقع في ورشة بناء وتكشف التوتر بين عمال سوريين وسكان قرية لبنانية.

تكشف هذه الاختيارات عن اتجاه مهم في السينما اللبنانية المعاصرة التي لم تعد تسجل الحرب الأهلية وذاكرتها فقط، وإنما تتجه أيضًا إلى تفكيك آثار الأزمة الاقتصادية والهجرة واللجوء والتوترات الاجتماعية والهويات المتصارعة.

ويكتسب وجود هذا المهرجان في باريس قيمة خاصة بسبب العلاقة التاريخية والثقافية بين فرنسا ولبنان، وكذلك بسبب اتساع الجالية اللبنانية في أوروبا. فالسينما هنا تصبح جسرًا بين مجتمعين ووسيلة لإعادة تقديم بلد تختصره الأخبار الدولية غالبًا في أزماته السياسية.

تعليم العربية.. من الدفاع عن اللغة إلى تجديد طرق تدريسها

من 19 إلى 22 أكتوبر يستضيف المعهد الدورة الرابعة من المدرسة الخريفية للمعهد لتعليم العربية «EDIMA»، وهي أربعة أيام من المحاضرات والورشات الموجهة إلى مدرسي اللغة العربية والباحثين والطلبة والمتخصصين في تعليم العربية لغير الناطقين بها.

وتكتسب دورة 2026 أهميتها من تركيزها بصورة خاصة على تكوين المكوّنين وعلى إعادة تعريف خبرة مدرس العربية في عالم سريع التحول. فاللغة العربية في أوروبا لم تعد مرتبطة فقط بأبناء الهجرة، بل أصبحت مادة جامعية ولغة ثقافة ودبلوماسية واقتصاد، كما أن التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية تفرض مراجعة عميقة لطرق تعليم اللغات.

النقاش حول العربية في أوروبا يحتاج بالفعل إلى الانتقال من خطاب الدفاع العاطفي عن اللغة إلى سؤال الجودة البيداغوجية: كيف نعلّمها؟ كيف ندرب المدرسين؟ ما المهارات المرجعية المطلوبة؟ وكيف يمكن تجاوز التفاوت بين العربية الفصحى واللهجات من دون تحويله إلى عائق تعليمي؟

لهذا تبدو EDIMA من أكثر عناصر الأجندة بعدًا استراتيجيًا، لأنها تستثمر في البنية التعليمية التي يمكن أن تحدد موقع اللغة العربية داخل أوروبا لعقود مقبلة.

أجندة لا تفصل الثقافة عن المجتمع

وبجانب المعارض والمهرجانات الكبرى، يحافظ معهد العالم العربي على عدد من مواعيده الدورية: «فلسفة» المخصص للتفكير في التراث والأسئلة الفلسفية العربية، و**«خميس المعهد»** للحوارات حول القضايا الكبرى للعالم العربي، و**«هنا والآن»** الذي يتابع التحولات السياسية والثقافية الراهنة، و**«سبت الشعر»** الذي يعيد الشعر العربي إلى الواجهة، فضلًا عن «ساعة الحكاية» الموجهة إلى الأطفال والعائلات.

هذه المواعيد الدائمة تكشف شيئًا جوهريًا في فلسفة المؤسسة: الثقافة العربية لا تقدم باعتبارها متحفًا للماضي، وإنما بوصفها عملية إنتاج يومية للمعنى، تبدأ من الطفل والحكاية، وتعبر الشعر والفلسفة والسينما والفنون، وتصل إلى أكثر الأسئلة حساسية مثل فلسطين والصحة النفسية والاستعمار والهوية واللغة.

باريس بوابة أخرى للعالم العربي

ما يمكن استخلاصه من أجندة أكتوبر 2026 أن معهد العالم العربي يحاول بناء صورة مركبة للعالم العربي بدل تقديمه بوصفه كتلة واحدة. هناك المغرب العربي بأعراسه وملابسه وموسيقاه، وليبيا بآثارها العميقة، والجزائر بتجربة فانون والعلاج الاجتماعي، وفلسطين بأرشيفها البصري، ولبنان بروايته وسينماه، والعربية بوصفها لغة تحتاج إلى التجديد البيداغوجي.

وتتجاور داخل هذه الأجندة كذلك ثلاثة أزمنة: الماضي الذي تحفظه الملابس والآثار والصور؛ الحاضر الذي تناقشه السينما والأدب والفكر؛ والمستقبل الذي تمثله برامج تعليم العربية وإشراك الأجيال الجديدة.

لهذا لا أقرأ هذه البرمجة باعتبارها أجندة مناسبات فحسب، بل باعتبارها محاولة مستمرة لصناعة حضور عربي داخل إحدى أهم العواصم الثقافية الأوروبية. والحضور الحقيقي لا يتحقق بالاحتفاء التراثي وحده، وإنما بفتح ملفات المجتمع العربي نفسه، حتى أكثرها إرباكًا: السلطة، الجسد، الذاكرة، الاستعمار، المرض النفسي، الهجرة، اللغة، الحرب والهوية.

إن باريس التي تستضيف هذه الأعمال ليست مجرد مكان خارجي يعرض فيه العرب ثقافتهم، بل فضاء أصبحت الثقافة العربية جزءًا من نسيجه الداخلي، بحكم التاريخ والهجرة والتبادل الفكري والجاليات الممتدة. لذلك فإن قيمة مؤسسة مثل معهد العالم العربي تقاس بقدرتها على تجاوز صورة «الواجهة الثقافية» نحو فضاء للنقاش والإنتاج والنقد والتفاعل.

والأجندة الحالية، بما تجمعه من معرض للعروس المغاربية وصور لفلسطين وأرشيف علاجي جزائري وسينما لبنانية وآثار ليبية ورواية معاصرة وبرامج لتعليم العربية، تقدم بالفعل لوحة شديدة التنوع للعالم العربي: عالم يحمل ذاكرة ثقيلة، لكنه لا يكف عن إنتاج الفن والأسئلة والجمال.


0 التعليقات: