شهدت الأيام الماضية حركة ثقافية وفنية كثيفة امتدت من مدن عربية مثل القاهرة والشارقة وأبوظبي ودبي وجدة والرياض إلى عواصم ومدن أوروبية في مقدمتها لندن، وصولًا إلى نيويورك ولوس أنجلوس في الولايات المتحدة. ويبدو من متابعة هذه الحصيلة أن الموسم الثقافي الخريفي لسنة 2026 دخل مرحلة شديدة الحيوية، حيث تتقاطع المهرجانات السينمائية مع المعارض التشكيلية والفوتوغرافية، وتعود المسارح بقوة بعد الموسم الصيفي، بينما تشهد الموسيقى تنوعًا بين الحفلات الجماهيرية والبرامج الكلاسيكية والتجريبية. وأكثر ما يلفت الانتباه هو أن الحدود بين الفنون أصبحت أقل صلابة؛ فالمسرح يختلط بالوسائط الرقمية، والسينما تقترب من الموسيقى، والمعارض تتحول إلى تجارب سمعية وبصرية غامرة، فيما تدخل قضايا البيئة والهوية والذاكرة والسياسة والذكاء الاصطناعي قلب الإنتاج الفني المعاصر.
العالم العربي: القاهرة تستعيد وسط المدينة بالفن المعاصر
في مصر، تتجه الأنظار خلال هذه الأيام إلى انطلاق الدورة الرابعة عشرة من مهرجان وسط البلد للفنون المعاصرة «دي-كاف»، الذي يمتد من 11 أكتوبر إلى مطلع نونبر 2026. وقد أصبح هذا المهرجان خلال السنوات الماضية واحدًا من أبرز مواعيد الفنون الأدائية المعاصرة في القاهرة، لأنه لا يكتفي بتقديم العروض داخل المسارح التقليدية، بل يستخدم مباني وفضاءات فنية ومواقع حضرية مختلفة ويجعل المدينة نفسها جزءًا من التجربة الثقافية.
وتضم الدورة الحالية عروضًا في المسرح والرقص والفنون البصرية والموسيقى، إضافة إلى ورش مهنية ولقاءات خاصة. ومن بين المحطات اللافتة معرض يتناول فن القصص المصورة، وعروض رقص معاصر أوروبية، وبرنامج يناقش السرد الفلسطيني، إلى جانب عروض سينمائية تبحث علاقة الفيلم بالفضاءات غير التقليدية. كما يتضمن البرنامج تركيبًا سينمائيًا للفنانة العالمية مارينا أبراموفيتش يستعيد شخصيات نسائية شهيرة من تاريخ الأوبرا من خلال حضور رمزي لماريا كالاس.
دلالة «دي-كاف» تتجاوز البرنامج الفني ذاته. وسط القاهرة الذي عرف تاريخيًا المقاهي والمسارح والسينمات ودور النشر يعود عبر هذا النوع من المهرجانات إلى لعب دوره بوصفه مختبرًا حضريًا للفن. ففي مقابل المراكز الثقافية المغلقة، تتحول المدينة إلى منصة، ويصبح الجمهور شريكًا في اكتشاف أماكن اعتاد المرور بجانبها من دون أن يراها بوصفها فضاءات إبداعية.
وتكشف هذه التجربة كذلك عن اتجاه عربي متزايد نحو الفنون المتعددة التخصصات. المسرح لم يعد بالضرورة ممثلين فوق خشبة، والفن التشكيلي لم يعد لوحة معلقة على جدار، والسينما لم تعد شاشة مظلمة فقط. المشهد الفني الجديد يقوم على مزج الصورة والصوت والجسد والتقنيات الرقمية، وهو تحول يفرض على المؤسسات العربية إعادة النظر في طرق تمويل الفن وعرضه وتكوين جمهوره.
الإمارات: الشارقة تحول المسرح إلى تجربة مفتوحة للجمهور
في الشارقة تنطلق دورة جديدة من برنامج «Perform Sharjah»، وهو برنامج للفنون الأدائية تنظمه مؤسسة الشارقة للفنون ويمتد من 11 أكتوبر إلى 29 نونبر. ويضم البرنامج ستة عشر عرضًا مجانيًا تتوزع بين المسرح والرقص وفنون الدمى والأداء متعدد الوسائط، مع مشاركات دولية وأعمال تعرض للمرة الأولى في المنطقة.
ومن بين التجارب الأكثر إثارة عروض تجعل الجمهور عنصرًا في بناء العمل المسرحي، وأخرى تستخدم دمى ضخمة بالحجم الطبيعي لحيوانات مثل الفيل والزرافة تتحرك في الفضاءات العامة، إلى جانب عروض تستعمل الهيب هوب لمناقشة صورة الجسد ونظرة المجتمع إلى الوزن والاختلاف الجسدي. كما يستضيف البرنامج أعمالًا ترتبط بالذاكرة والحزن والتاريخ الشخصي والعائلي.
هذا النوع من البرمجة يكشف تحولًا مهمًا في مفهوم المسرح العربي المعاصر. المسرح هنا يخرج من منطق النص الكلاسيكي والمقاعد المرتبة في مواجهة الخشبة إلى فضاء يتحرك فيه الفنان والجمهور معًا. ويصبح السؤال الأساسي ليس فقط «ماذا يقول العرض؟» بل أيضًا «كيف نعيشه؟».
والأهم أن مجانية العروض توسع دائرة الجمهور المحتمل. ففي كثير من المدن أصبح الوصول إلى الفنون الأدائية مرتبطًا بكلفة مرتفعة للتذاكر، لذلك فإن فتح العروض أمام الجمهور بلا مقابل يمكن أن يحول المهرجان إلى وسيلة حقيقية لتكوين جمهور جديد، وليس مجرد موعد للنخبة الثقافية.
أبوظبي: السينما البيئية تدخل قلب النقاش الثقافي
وفي أبوظبي عادت الدورة الخامسة لمهرجان السدر للأفلام البيئية، الذي يقام في جامعة نيويورك أبوظبي من 9 إلى 11 أكتوبر. ويركز البرنامج على علاقة الإنسان بالطبيعة وعلى فكرة إصلاح الضرر البيئي واستعادة ما تعرض للتدمير، عبر أفلام وثائقية وتجارب سينمائية تناقش التنوع الطبيعي والمناخ والعلاقة بين البشر والكائنات الأخرى.
ومن بين الأعمال البارزة وثائقي للمخرج الألماني فيرنر هيرتسوغ عن الأفيال التي يصعب تعقبها في الطبيعة، إلى جانب أفلام أخرى تستعيد الشبكات الخفية التي تربط الكائنات الحية والنظم البيئية بعضها ببعض.
الأهمية الثقافية لهذا النوع من المهرجانات تكمن في تحويل البيئة من ملف علمي وتقني إلى مادة سردية وفنية. الأرقام المتعلقة بالمناخ قد تبدو أحيانًا مجردة، لكن الفيلم يستطيع أن يمنحها وجهًا وصوتًا وحكاية. وهنا تظهر قدرة الفن على جعل القضية البيئية أكثر قربًا من الوعي اليومي.
والسينما البيئية تحديدًا مرشحة للاتساع في السنوات المقبلة، لأن أزمة المناخ لم تعد هامشًا في حياتنا المعاصرة، بل أصبحت واحدة من أكبر القصص التي سيعيشها القرن الحادي والعشرون. ولذلك قد نشهد مستقبلًا تزايدًا في الأفلام والروايات والأعمال المسرحية التي تجعل البيئة بطلًا مركزيًا في الحكاية.
الإمارات: موسم قوي للمعارض التشكيلية
وتشهد أبوظبي ودبي والشارقة في الوقت نفسه نشاطًا ملحوظًا في مجال المعارض. من أبرز هذه المعارض تجربة الفنان الإماراتي جمعة الحاج التي تستكشف العزلة والتأمل واللغة، حيث تستخدم أعماله الزجاج المنقوش والضوء والظل لتحويل الكتابة إلى أشكال بصرية متحركة.
كما يحتفي معرض آخر بمئوية الفنان اللبناني بول غيراغوسيان، أحد أبرز أسماء الحداثة التشكيلية العربية، في محاولة لإعادة قراءة تجربته من منظور تاريخي جديد، بينما تقدم الفنانة رنا بيغوم أعمالًا تستكشف اللون والهندسة والمادة والتغير الذي يحدث في العمل تحت تأثير الضوء.
هذه الحركة تؤكد أن الخليج لم يعد مجرد سوق لاقتناء الفن، بل أصبح تدريجيًا فضاءً لإنتاج المعارض والأبحاث وبرامج الإقامة الفنية والأرشفة. وهي نقطة مهمة لأن بناء المشهد التشكيلي لا يحدث بالمزادات والأسعار وحدها، بل يحتاج إلى نقاد ومنسقين ومتاحف وأرشيف وبرامج تعليمية.
كما يلاحظ تصاعد الاهتمام بإعادة قراءة الفنانين العرب من القرن العشرين. الاحتفاء ببول غيراغوسيان، مثلًا، يعكس حاجة الثقافة العربية إلى بناء تاريخها الفني بنفسها، بدل ترك كتابة هذا التاريخ للمؤسسات الغربية وحدها.
السعودية: الصورة الفوتوغرافية والموسيقى تواصلان توسيع حضورهما
في جدة افتتح خلال الأيام الماضية معرض «Photographing Distance»، ضمن حركة متزايدة للفوتوغرافيا والفنون المعاصرة في المملكة. ويأتي هذا النوع من المعارض في سياق توسع المؤسسات الفنية السعودية واهتمامها بالصورة بوصفها وسيلة لقراءة المكان والتحولات الاجتماعية والذاكرة.
الفوتوغرافيا السعودية تعيش منذ سنوات انتقالًا مهمًا من الصورة التوثيقية التقليدية إلى مشاريع أكثر مفاهيمية، تستخدم الصورة لمناقشة العلاقة بين الفرد والمدينة والهوية والتحولات السريعة التي يعيشها المجتمع. وهذا ما يجعل المعارض الفوتوغرافية جزءًا من عملية أوسع لتوثيق مرحلة تاريخية تتغير فيها المدن وأنماط الحياة بوتيرة متسارعة.
وفي المجال الموسيقي، أثار الإعلان عن عودة الفنان اللبناني فضل شاكر إلى الحفلات المباشرة بعد غياب دام أربعة عشر عامًا اهتمامًا عربيًا واسعًا، مع الإعلان عن حفل مقرر في الرياض خلال شهر أكتوبر بعنوان يستثمر فكرة «عودة الغائب».
بعيدًا عن الجدل الذي يحيط بالمسار الشخصي والقضائي للفنان، تكشف هذه العودة حجم التحول الذي شهدته السوق الموسيقية في المنطقة. الرياض ودبي وأبوظبي أصبحت خلال سنوات قليلة محطات رئيسية في جولات الفنانين العرب والدوليين، وأصبح الخليج مركزًا أساسيًا لصناعة الحفل العربي من حيث الإنتاج والتقنيات والجمهور.
دبي: المسرح العربي والكوميديا في موسم مزدحم
وتشهد دبي خلال هذه الفترة عودة قوية للعروض المسرحية والكوميدية. فقد استضافت دبي أوبرا مسرحية كويتية جديدة بعنوان «مهندس الذوق العام»، وهي كوميديا تدور حول زوجين يواجهان الارتباك والضغوط المرتبطة بانتظار طفلهما الأول.
كما انطلق مهرجان دبي للكوميديا في دورته السابعة، بمشاركة فنانين يقدمون عروضهم بلغات متعددة، من العربية والإنجليزية إلى الهندية، ما يعكس طبيعة المدينة متعددة الجنسيات والثقافات.
هذا التنوع اللغوي في الكوميديا ظاهرة تستحق الانتباه. فالضحك من أكثر أشكال التعبير ارتباطًا باللغة والسياق الاجتماعي، وعندما تستطيع مدينة استضافة أنواع متعددة من الكوميديا بلغات مختلفة فإن ذلك يعكس تحولها إلى سوق ثقافية عابرة للحدود.
وفي الوقت ذاته، تبقى الحاجة قائمة إلى الاستثمار أكثر في الكتابة المسرحية العربية وفي تكوين الممثلين والمخرجين، لأن صناعة المسرح لا يمكن أن تقوم على الاستضافة وحدها، بل تحتاج إلى نصوص ومؤسسات إنتاج وفرق مستقرة.
أوروبا: لندن في قلب الموسم السينمائي العالمي
في أوروبا يبرز مهرجان لندن السينمائي في دورته السبعين باعتباره أهم أحداث الأيام الحالية. يمتد المهرجان من 7 إلى 18 أكتوبر ويقدم أكثر من 250 عملًا من نحو تسعين دولة، بين أفلام طويلة وقصيرة ومسلسلات وتجارب غامرة وأعمال وسائط جديدة.
ويضم البرنامج مجموعة واسعة من النجوم والأفلام، إلى جانب أعمال تتناول موضوعات التكنولوجيا والسياسة والتاريخ والعلاقات الإنسانية. ومن بين الأفلام المثيرة للاهتمام عمل درامي يتناول شخصية سام ألتمان وصعود الذكاء الاصطناعي، بما يعكس سرعة انتقال القضايا التقنية المعاصرة إلى الشاشة السينمائية.
وتكمن قوة مهرجان لندن في أنه يجمع بين السينما الفنية والجمهور الواسع. إنه ليس مهرجانًا للنقاد والمحترفين فقط، بل يقدم عروضًا عامة واسعة ويستثمر شبكة من القاعات في لندن ومدن بريطانية أخرى.
هذه الصيغة تطرح نموذجًا مهمًا للمهرجان السينمائي الحديث: مهرجان لا يعيش داخل فندق أو قصر مؤتمرات، بل يتوزع عبر المدينة ويبحث عن الجمهور أينما كان.
لندن تستعد لأسبوع فريز: سوق الفن يتحول إلى مهرجان للمدينة
وفي الفنون التشكيلية تتجه لندن إلى أسبوع «فريز» الذي ينطلق من 14 إلى 18 أكتوبر في ريجنت بارك، ويجمع مئات الصالات الفنية والجامعين والفنانين والمؤسسات من أنحاء العالم.
ولا تقتصر أهمية فريز على السوق التجاري، لأن انعقاده يدفع المتاحف وصالات العرض في لندن إلى برمجة معارض كبرى في التوقيت نفسه. وبذلك تتحول المدينة كلها إلى ما يشبه معرض فني موزع على عشرات المؤسسات.
من بين المحطات اللافتة معرض جديد للفنانة الأمريكية سيندي شيرمان التي تواصل تفكيك مفهوم الهوية والصورة الذاتية من خلال صور فوتوغرافية ساخرة وسريالية، إلى جانب أعمال وتجارب معاصرة أخرى في عدد من صالات لندن.
وفي «تيت مودرن» يبرز مشروع فني صوتي يحول قاعة التوربين الشهيرة إلى تجربة سمعية ضخمة باستخدام الأشياء اليومية والاهتزازات والصدى. وهذه الأعمال تؤكد الاتجاه المتزايد نحو تجاوز اللوحة والمنحوتة إلى فنون تقوم على المكان والصوت والجسد والحركة.
المسرح البريطاني: الكلاسيكيات تعود بقراءات جديدة
الموسم المسرحي البريطاني بدوره يعيش نشاطًا بارزًا. من بين العروض المنتظرة نسخة جديدة من «بستان الكرز» لتشيخوف بمشاركة كريستين سكوت توماس، بالإضافة إلى معالجة مسرحية لرواية «ميدلمارش» لجورج إليوت.
كما يقدم الباليه الوطني الإنجليزي جولة جديدة لـ«روميو وجولييت»، فيما تحتفل فرقة Ballet Black بمرور خمسة وعشرين عامًا على تأسيسها من خلال برنامج مزدوج.
هذه العودة المستمرة إلى تشيخوف وشكسبير وجورج إليوت تكشف إحدى نقاط قوة المسرح الأوروبي: النص الكلاسيكي لا يعامل باعتباره قطعة متحفية، بل مادة يعاد تأويلها باستمرار. كل جيل يجد في النص القديم صراعاته الخاصة وأسئلته الجديدة.
وفي الوقت نفسه يتزايد حضور المسرح الغامر والعروض التي تخلط السحر والوسائط الجديدة والأداء، بما يشير إلى أن الخشبة الأوروبية تتحرك بين المحافظة على تراثها وبين البحث عن أشكال جديدة لجذب الجمهور.
الموسيقى في بريطانيا: من الجاز إلى الموسيقى الكلاسيكية والروك
على المستوى الموسيقي يشهد أكتوبر نشاطًا كبيرًا في بريطانيا، من جولات فرق الروك إلى الاحتفال بالجاز والموسيقى الكلاسيكية. ويحتفل نادي 606 في لندن بمرور نصف قرن على حضوره في مشهد الجاز، فيما تنطلق دورة جديدة من مهرجان أكسفورد الدولي للأغنية.
وتستعد بريطانيا كذلك لحفلات موسيقية كبرى، في موسم تتعايش فيه الموسيقى التجارية الضخمة مع القاعات الصغيرة والتجارب الكلاسيكية.
وهذا التعايش بين المؤسسات الكبرى والفضاءات المستقلة هو أحد أسرار حيوية المشهد الموسيقي الأوروبي. فالفنان يستطيع أن يبدأ من ناد صغير ثم ينتقل إلى المسرح أو الملعب، فيما يحافظ الجاز والموسيقى التجريبية على فضاءات مستقلة تشكل مختبرًا دائمًا للتجديد.
الولايات المتحدة: مهرجان نيويورك يعيد الموسيقى إلى قلب السينما
في الولايات المتحدة برز خلال الأيام الأخيرة مهرجان نيويورك السينمائي، ومن بين الأعمال التي أثارت الاهتمام فيلم «Behemoth!» للمخرج والكاتب توني غيلروي، بطولة بيدرو باسكال.
الفيلم يضع الموسيقى في قلب السرد من خلال شخصية عازف تشيللو يتحول إلى مؤلف موسيقى سينمائية، وقد استعان المشروع بتسعة مؤلفين موسيقيين في تجربة تكشف العلاقة المعقدة بين الفيلم والموسيقى التي تمنحه عاطفته وإيقاعه.
هذه العودة إلى موسيقى الفيلم بوصفها موضوعًا في حد ذاتها مهمة، لأن الصناعة السينمائية تميل غالبًا إلى إبراز المخرج والممثل والنص بينما يبقى المؤلف الموسيقي في الخلفية. الفيلم يعيد التذكير بأن بعض أكثر لحظات السينما رسوخًا في الذاكرة صنعتها الموسيقى بقدر ما صنعتها الصورة.
كما يطرح العمل سؤالًا أوسع حول مستقبل السينما الأمريكية في ظل عمليات الاندماج والاستحواذ الكبرى التي تشهدها هوليوود. فالمخرجون أصبحوا أكثر قلقًا من تقلص المساحة المتاحة للمشاريع الفردية والمغامرات الفنية لصالح الإنتاجات الضخمة المضمونة تجاريًا.
نيويورك: برودواي يدخل موسمًا جديدًا مزدحمًا
المسرح الأمريكي يشهد بدوره بداية موسم برودواي 2026-2027، مع مجموعة من العروض الجديدة والإعادات لنصوص كلاسيكية ومعاصرة.
ومن بين المحطات اللافتة عودة مسرحية موليير «المريض الوهمي» في معالجة جديدة كتبها ويؤدي بطولتها بيل إروين. العمل يعيد صياغة الكوميديا الفرنسية الكلاسيكية لجمهور أمريكي معاصر.
ويشكل هذا مثالًا إضافيًا على قدرة المسرح على إعادة تدوير التراث بطريقة إبداعية. النص الذي كتب قبل قرون يمكن أن يصبح مرآة جديدة لمخاوف الإنسان المعاصر، وخصوصًا في موضوع مثل المرض والهوس بالصحة والطب.
كما تشهد برودواي دخول أسماء جديدة قادمة من السينما والتلفزيون إلى المسرح، بما يؤكد استمرار التداخل بين الصناعات الفنية الأمريكية.
نيويورك: معرض روي ليختنشتاين يعيد البوب آرت إلى الواجهة
وفي الفنون التشكيلية تستعد نيويورك لافتتاح معرض كبير للفنان روي ليختنشتاين في متحف ويتني للفن الأمريكي، تحت عنوان «Like New».
يأتي المعرض في لحظة تبدو فيها أعمال ليختنشتاين، المستوحاة من القصص المصورة والإعلانات وثقافة الاستهلاك، شديدة الصلة بعالمنا الحالي. فإذا كان الفنان قد استعار لغة الكوميكس والإعلان في القرن العشرين، فإن جيل اليوم يعيش داخل عالم أكثر ازدحامًا بالصور والشعارات والمحتوى التجاري.
إعادة النظر في البوب آرت اليوم يمكن أن تفتح أسئلة جديدة حول العلاقة بين الفن والثقافة الجماهيرية، وخصوصًا في عصر منصات التواصل والذكاء الاصطناعي والإعلانات الموجهة.
كما تحتضن نيويورك عددًا كبيرًا من المعارض المعاصرة، من بينها معرض للفنان آرثر جافا، إلى جانب معارض تستكشف الذاكرة والمكان والهوية والتاريخ الاجتماعي الأمريكي.
لوس أنجلوس: موسم تشكيلي واسع خارج المسارات التقليدية
في لوس أنجلوس يشهد الخريف طفرة واضحة في المعارض الفنية. ومن بين المعارض التي افتتحت أو تستعد للافتتاح أعمال تتناول النسوية البانك والتحولات السياسية والاجتماعية منذ تسعينيات القرن الماضي، ومعارض لفنانين يستخدمون الأرشيف والإعلان والتصميم والثقافة الشعبية مواد لأعمالهم.
كما افتتح معرض للفنانة كاثلين هندرسون، بينما تستضيف مؤسسات أخرى مشاريع تعيد قراءة التاريخ البصري للمدينة والمجتمع الأمريكي.
واللافت في لوس أنجلوس أن جانبًا كبيرًا من المشهد الفني يحدث خارج المتاحف العملاقة. هناك صالات صغيرة ومؤسسات مستقلة وأماكن هجينة تمنح الفنانين مساحة للمغامرة أكثر من المؤسسات التجارية الكبرى.
هذا النموذج مهم لأن ازدهار الفن لا يقاس بعدد المتاحف الشهيرة فقط، بل بوجود شبكة كاملة تسمح للفنان الشاب بعرض عمله وتطوير تجربته والعثور على جمهور.
مسارح لوس أنجلوس: عودة قوية للنص السياسي والاجتماعي
المشهد المسرحي في جنوب كاليفورنيا يشهد بدوره نشاطًا كثيفًا خلال الخريف، مع عروض تتناول الدين والتطرف والهوية والهجرة والعلاقات الاجتماعية.
ومن الأعمال الجديدة مسرحية «Saint Megan» التي تستلهم قصة مرتبطة بتاريخ جماعة دينية أمريكية مثيرة للجدل، وتطرح عبرها أسئلة حول التعصب الديني والتغيير الشخصي والتحرر من الأفكار المغلقة.
وتعرض مسارح أخرى أعمالًا كلاسيكية ومعاصرة ومسرحيات موسيقية، فيما تنتشر تجارب المسرح الغامر المرتبطة بموسم الهالوين والتي تجعل الجمهور يتحرك داخل المكان بدل البقاء في مقعده.
المسرح الأمريكي، رغم المنافسة الشرسة من منصات البث، يثبت أن التجربة الحية ما تزال تمتلك جاذبية خاصة. وربما تكمن قوة المسرح تحديدًا في الشيء الذي لا تستطيع المنصة الرقمية توفيره: حضور الممثل والجمهور داخل المكان والزمن نفسيهما.
الموسيقى الأمريكية: إرث كلايف ديفيس يتواصل بعد رحيله
وفي صناعة الموسيقى الأمريكية برز خلال الأيام الماضية إعلان استمرار الحفل السنوي الشهير الذي أسسه المنتج الموسيقي كلايف ديفيس عشية جوائز غرامي، رغم وفاته في يونيو الماضي عن أربعة وتسعين عامًا.
منذ سبعينيات القرن العشرين تحول هذا الحفل إلى أحد أهم ملتقيات صناعة الموسيقى الأمريكية، وجمع عبر تاريخه أجيالًا من الفنانين والمنتجين وشخصيات الثقافة والسياسة.
استمرار الحدث بعد وفاة مؤسسه يقدم مثالًا واضحًا على تحول المبادرات الفردية إلى مؤسسات ثقافية. ففي الكثير من الحالات ينتهي المشروع بانسحاب صاحبه، لكن المؤسسات القوية هي التي تستطيع الحفاظ على الروح الأصلية مع الانتقال إلى جيل جديد.
وتكتسب المسألة رمزية إضافية لأن كلايف ديفيس كان وراء مسارات فنية كبرى في تاريخ الموسيقى الأمريكية، من ويتني هيوستن إلى أليشيا كيز وكارلوس سانتانا وغيرهم، ولذلك فإن استمرار الحفل يصبح في جانب منه احتفاء بتاريخ صناعة الموسيقى ذاتها.
ماذا تقول لنا هذه الخريطة الثقافية؟
إذا جمعت الأخبار القادمة من القاهرة والشارقة وأبوظبي ودبي والرياض ولندن ونيويورك ولوس أنجلوس، أجد أن العالم الفني يعيش اليوم مرحلة إعادة تعريف واضحة لمفهوم العمل الثقافي. السينما تختلط بالموسيقى، المسرح يخرج من القاعة، الفن التشكيلي يستعمل الصوت والضوء والتكنولوجيا، والمتاحف تتحول إلى فضاءات للنقاش السياسي والاجتماعي.
كما أن الذاكرة تبرز موضوعًا مركزيًا في كثير من الأعمال. هناك عودة إلى فنانين من القرن العشرين، وإعادة قراءة للكلاسيكيات المسرحية، واستعادة لتاريخ الموسيقى والفوتوغرافيا، وكأن الثقافة المعاصرة تبحث في الماضي لكي تفهم سرعة التحولات التي تحيط بها.
وفي المقابل يتقدم المستقبل بقوة إلى قلب الفن: التكنولوجيا، الذكاء الاصطناعي، البيئة، الوسائط الغامرة، الصورة الرقمية والمنصات. ولا أعتقد أن الصراع الحقيقي سيكون بين الفن التقليدي والفن الرقمي، بل بين العمل الذي يمتلك سؤالًا حقيقيًا والعمل الذي يكتفي بالتقنية.
أما العالم العربي فيبدو لي أنه يعيش واحدة من أكثر مراحله نشاطًا من حيث البنية التحتية والمهرجانات والمعارض والحفلات. القاهرة تستعيد وسطها الفني، والشارقة توسع مفهوم الأداء، وأبوظبي تبني مواسم للسينما والفن، ودبي ترسخ موقعها منصة للعروض، والسعودية تتحول إلى قوة كبيرة في سوق الموسيقى والفنون.
غير أن الاختبار المقبل لن يكون عدد المهرجانات التي نستطيع تنظيمها، بل عدد الفنانين الذين نستطيع إنتاجهم، وعدد النصوص والأفلام والمسرحيات والأعمال الموسيقية التي تستطيع الخروج من المنطقة إلى العالم.
هناك فرق كبير بين أن تصبح المدينة محطة في جولة فنان عالمي وبين أن تصبح مكانًا يولد فيه فنان عالمي.
وتلك، في تقديري، هي المعركة الثقافية الحقيقية للسنوات المقبلة.
بقلم: الكاتب المغربي عبده حقي







0 التعليقات:
إرسال تعليق