تابعت خلال الأيام الماضية حركة ثقافية وفنية لافتة في أكثر من مدينة مغربية، وأكاد أرى خريطة ثقافية تتحرك من تطوان إلى طنجة وأصيلة، ومن مراكش إلى الرباط، حاملة معها السينما والكتاب والفن التشكيلي والتصوير الفوتوغرافي والشعر والموسيقى والأسئلة الجديدة التي يطرحها الذكاء الاصطناعي. ليست المسألة مجرد توالي مهرجانات ومواعيد عابرة، بل مؤشرات تستحق أن نقرأها باعتبارها مرآة لما يحدث داخل الثقافة المغربية نفسها: أين تتقدم؟ أين تتردد؟ وما الذي يبقى بعد أن تنطفئ أضواء المنصات ويغادر الضيوف؟
اختتم مهرجان تطوان لسينما البحر الأبيض المتوسط دورته الحادية والثلاثين بعد أسبوع من العروض واللقاءات، وتوج الفيلم التونسي «اغتراب» بالجائزة الكبرى، فيما حصل وثائقي يتصل بالمأساة الفلسطينية في غزة على تنويه خاص. وقد حملت الدورة حضورًا إيطاليًا قويًا واتجه جزء من برنامجها إلى تعزيز الحوار السينمائي بين ضفتي المتوسط، وخصوصًا في مجالات الإنتاج المشترك وتطوير المشاريع والتوزيع.
ما يستوقفني في تجربة تطوان هو أن المهرجان استطاع عبر أكثر من ثلاثة عقود أن يحافظ على هويته المتوسطية. وهذه مسألة مهمة في زمن تتشابه فيه المهرجانات وتتنافس على الأسماء نفسها والأفلام نفسها. المتوسط ليس مجرد شعار جغرافي، فهو مجال تتقاطع فيه الذاكرة والهجرة والحروب والهويات والأديان واللغات، وتستطيع السينما أن تجعل من هذه التناقضات مادة للحوار بدل تحويلها إلى حدود جديدة.
ومع ذلك فإن السؤال الذي ينبغي ألا يختفي خلف حفلات الاختتام هو سؤال القاعة والجمهور. ماذا تفعل المهرجانات بالسينما خارج أيامها الرسمية؟ وهل يخرج الجمهور منها بعلاقة أعمق بالفيلم؟ نجاح السينما المغربية يحتاج إلى مهرجانات قوية، لكنه يحتاج أيضًا إلى قاعات وتوزيع وتعليم الصورة ودعم الإنتاج واستراتيجية تجعل مشاهدة الفيلم عادة ثقافية وليست مناسبة موسمية.
وفي مراكش انتهت الدورة السادسة من لقاءات التصوير الفوتوغرافي بعد أربعة أيام جعلت الصورة محورًا للنقاش والعرض والتكوين. تزامنت الدورة مع الاحتفاء بمرور قرنين على البدايات التاريخية للتصوير الفوتوغرافي، وجمعت أعمالًا وتجارب مغربية وإفريقية ودولية، إلى جانب لقاءات مهنية وقراءات للمشاريع الفوتوغرافية.
أرى في هذا الموعد معنى يتجاوز جمال الصورة، لأننا نعيش اليوم داخل أكبر انفجار بصري عرفته البشرية. نلتقط الصور ونرسلها ونخزنها ونحذفها بسرعة تكاد تجعل الصورة بلا ذاكرة. مهرجان التصوير يعيد إلينا وظيفة مختلفة للصورة: أن نتوقف أمامها ونقرأها ونستجوب ما تخفيه بقدر ما نتأمل ما تظهره.
والسؤال المغربي هنا كبير: أين يوجد أرشيفنا البصري؟ من يوثق تحولات مدننا وأحيائنا وملابسنا وأسواقنا ومقاهينا ووجوهنا؟ إن الصورة ليست فنًا فقط، بل وثيقة تاريخية. وبعد عقود سيحتاج الباحث المغربي إلى صور هذه المرحلة بالطريقة نفسها التي نبحث بها نحن اليوم عن صور المغرب في بداية القرن العشرين.
أما أصيلة فما تزال تؤكد خلال دورتها الخريفية الجديدة أن الثقافة يمكن أن تجعل من مدينة صغيرة نقطة جذب فكرية وفنية دولية. تداخل في الموسم النقاش السياسي والفكري مع الفن التشكيلي والأدب والشعر، وبرز خلال الأيام الماضية تكريم الناقدة والباحثة طوني ماريني، التي ارتبط اسمها طويلًا بتاريخ الفن المغربي ومدرسة الدار البيضاء والفنانين المغاربة.
أهمية هذا التكريم أنه يذكرني بأن تاريخ الفن لا يكتبه الفنانون بمفردهم. حول الفنان يوجد الناقد والأستاذ والباحث والمؤرخ والقيّم على المعرض والمترجم والمؤسسة الثقافية. كل هؤلاء يشاركون في صناعة معنى العمل وفي إدخاله إلى الذاكرة. لذلك فإن الاعتراف بمن كتبوا الفن المغربي ودرسوه وروجوه لا يقل أهمية عن الاحتفاء بمن رسموا لوحاته.
لكن أصيلة تواجه أيضًا تحدي كل المؤسسات العريقة: كيف تحافظ على الذاكرة من دون أن تتحول إلى مؤسسة تعيش على تاريخها؟ قيمة الموسم ستظل مرتبطة بقدرته على استقبال الأصوات الجديدة وإدخال أسئلة البيئة والرقمنة والذكاء الاصطناعي وتحولات الكتابة والفنون البصرية إلى برنامجه، بحيث تصبح الذاكرة قوة تدفع نحو المستقبل لا مجرد مادة للاحتفاء.
وفي طنجة افتتحت الدورة الرابعة عشرة للمعرض الجهوي للكتاب والنشر، حاملة معها برنامجًا يجمع الأدب والفكر والسينما والمسرح والتشكيل والشعر والموسيقى. وقد بدت المدينة نفسها وكأنها أحد كتب المعرض، فطنجة ليست مجرد مكان يحتضن الثقافة، وإنما مدينة كتبتها روايات وشهادات وسير وأفلام ولوحات كثيرة.
أحب في فكرة هذا المعرض محاولة ربط الكتاب بالمكان. القراءة هنا تستطيع أن تخرج من القاعة إلى المدينة، وأن تعيد اكتشاف بيوت الكتاب والفنانين والأمكنة التي تحولت إلى جزء من الذاكرة الثقافية. بهذا المعنى يصبح معرض الكتاب فرصة لكي يقرأ الإنسان طنجة كما يقرأ رواية، وأن يرى خلف الشوارع طبقات من الحكايات واللغات والرحلات.
غير أن معرض الكتاب، أي معرض كتاب، سيظل أمام سؤال القراء. نستطيع تنظيم عشرات الندوات، لكن الإنجاز الأهم هو أن يدخل طفل إلى المعرض ويخرج وفي يده كتاب. الثقافة تحتاج إلى مؤلفين، لكنها تحتاج بالقدر نفسه إلى قراء، والمشكلة الحقيقية تبدأ عندما يصبح إنتاج الكتاب أسرع من إنتاج قارئه.
ومن الرباط جاء مؤشر آخر مختلف، مع إطلاق الموسم الثقافي الجديد للمعهد الفرنسي بالمغرب تحت عنوان يرتبط بالابتكار، ويجمع بين الفنون والبحث العلمي والذكاء الاصطناعي والممارسات الثقافية الجديدة. أعتبر هذا التحول طبيعيًا، لأن التكنولوجيا لم تعد قطاعًا منفصلًا عن الثقافة.
الذكاء الاصطناعي دخل اليوم قلب الكتابة والترجمة والصورة والموسيقى والسينما والبحث والتعليم، ولهذا سيكون من الخطأ أن تترك المؤسسات الثقافية النقاش حوله للمهندسين وحدهم. الكاتب والفنان والفيلسوف والناقد مطالبون هم أيضًا بمساءلة الآلة، لأن القضية تتعلق بالإبداع والملكية والمعرفة واللغة والذاكرة وحقوق الإنسان بقدر ما تتعلق بالحوسبة.
لكنني أطمح في الوقت نفسه إلى أن يكون المغرب منتجًا للأسئلة لا مجرد مستضيف لها. نحتاج إلى باحثين ومبدعين مغاربة يدرسون أثر الخوارزميات على لغتنا وثقافتنا وذاكرتنا وعلى صناعة الكتاب والفن، لأن التكنولوجيا التي لا نفكر فيها بلغتنا وبأسئلتنا ستعيد تشكيلنا وفق أسئلة الآخرين.
ومن المحطات المهمة أيضًا فتح باب الترشيح للدورة السابعة والخمسين لجائزة المغرب للكتاب. الجائزة تغطي طيفًا واسعًا من المجالات، من الشعر والسرد إلى العلوم الإنسانية والاجتماعية والترجمة والأمازيغية وأدب الأطفال واليافعين، وهو تنوع يعكس صورة أكثر رحابة لمفهوم الكتاب المغربي.
الجائزة مهمة لأنها تمنح الكتاب اعترافًا رمزيًا في مجتمع تتراجع فيه أحيانًا المساحة المخصصة للثقافة أمام ضجيج المحتويات السريعة. لكنني أعتقد أن القيمة الحقيقية لأي جائزة تبدأ بعد إعلان الفائزين. ماذا يحدث للكتاب المتوج؟ هل يعاد طبعه؟ هل يترجم؟ هل يصل إلى المكتبات والمدارس والجامعات؟ هل ينظم لصاحبه برنامج لقاءات مع القراء؟ الجائزة التي لا تمنح الكتاب حياة جديدة تظل احتفالًا ناقصًا.
وشهدت الرباط أيضًا حضورًا موسيقيًا إسبانيًا من خلال برنامج المؤتمر العالمي للفلامنكو، بما يضيف بعدًا آخر إلى الأسبوع الثقافي المغربي. للفلامنكو علاقة عميقة بتاريخ الأندلس والذاكرة المتوسطية، ولذلك يحمل وصوله إلى المسرح المغربي معنى يتجاوز العرض الفني إلى الحوار الحضاري بين ضفتين عاشتا قرونًا من التبادل.
وأرى أن هذه الدبلوماسية الثقافية ينبغي أن تعمل في الاتجاهين. مثلما نستقبل الفلامنكو والأوركسترات والفنانين العالميين، ينبغي أن يتحول الملحون والعيطة وكناوة وأحواش والموسيقى الأندلسية والإبداع التشكيلي والسينمائي المغربي إلى قوة حضور مغربية في العالم. الثقافة واحدة من أكثر أشكال القوة الناعمة استدامة؛ فاللوحة والأغنية والرواية قد تصل إلى الإنسان في مكان لا تصل إليه فيه الخطب السياسية.
عندما أجمع هذه الوقائع أجد أمامي مشهدًا مغربيًا غنيًا بالحركة. تطوان تعرض السينما، ومراكش تحتفي بالصورة، وأصيلة تجمع الفكر بالفن، وطنجة تفتح أبوابها للكتاب، والرباط تناقش الابتكار وتستقبل الموسيقى وتعلن عن جائزة وطنية للكتاب. هذا التنوع مكسب حقيقي.
لكن السؤال الذي أعود إليه في النهاية هو: ماذا يبقى؟
أريد ثقافة تقاس بما تتركه لا بعدد اللافتات التي ترفعها. أريد للمهرجان أن يصنع جمهورًا، وللمعرض أن يصنع قارئًا، وللندوة أن تنتج معرفة، وللجائزة أن تمنح الكتاب حياة أخرى، وللمؤسسة الثقافية أن تفتح الأبواب أمام الشباب، وللرقمنة أن تحفظ الذاكرة بدل أن تجعلها أكثر هشاشة.
المغرب لا تنقصه المواعيد الثقافية. ما يحتاج إليه أكثر هو وصل هذه الجزر بعضها ببعض حتى تتحول إلى منظومة: كتاب ونشر وتوزيع ومكتبات وتعليم وفن وإعلام ثقافي وأرشيف وترجمة ودبلوماسية ثقافية وتكنولوجيا. عندئذ يمكننا أن نتحدث عن مشروع ثقافي حقيقي، لا عن رزنامة مزدحمة فقط.
والأيام الماضية، بما حملته من سينما وصورة وشعر وكتاب وفكر وموسيقى، قدمت لي سببًا إضافيًا للاعتقاد بأن المواد الأولية لهذا المشروع موجودة بالفعل. ما ينقص هو أن تتحول الكثافة إلى استمرارية، والاستمرارية إلى أثر، والأثر إلى سياسة ثقافية تعترف بأن الاستثمار في الثقافة ليس ترفًا، بل استثمار في ذاكرة المغرب وفي صورته وفي قدرته على صناعة المستقبل.
بقلم: الكاتب المغربي عبده حقي







0 التعليقات:
إرسال تعليق