الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأحد، أكتوبر 11، 2026

الرادار الأسبوعي لصحافة إفريقيا بقلم الكاتب المغربي عبده حقي


في جولتي اليوم داخل المشهد الصحفي الإفريقي، انطلقت من موقع NewspapersGlobal بوصفه بوابة تجمع روابط صحف العالم وتتيح الانتقال بين الصحافة الوطنية في عشرات البلدان الإفريقية، من المغرب والسنغال ونيجيريا إلى جنوب إفريقيا وغانا وكينيا وغيرها. والموقع نفسه لا ينتج الأخبار بقدر ما يعمل دليلاً للصحف، إذ يعلن أنه يجمع الجرائد العالمية ويرتبها حسب البلدان، وتضم صفحته الإفريقية قائمة واسعة تمتد من شمال القارة إلى جنوبها. أما صفحته الخاصة بنيجيريا، على سبيل المثال، فتقود إلى عناوين صحفية مثل Daily Trust وLeadership وThe Nation وThe Punch وVanguard وغيرها. 

غير أن قراءة الصحافة الإفريقية اليوم تكشف لي شيئًا أعمق من مجرد تراكم للأخبار المنفصلة؛ إنها قارة تعيد التفاوض يومًا بعد يوم حول هويتها، وذاكرتها، ولغاتها، وموقعها في الاقتصاد الثقافي العالمي، وعلاقتها بالماضي الاستعماري، وفي الوقت نفسه تبحث عن أدوات جديدة تجعل الثقافة صناعة وقوة ناعمة ومجالًا للسيادة. ومن هنا يبدو المغرب حاضرًا في قلب هذه التحولات، لا بوصفه بلدًا يقع في أقصى شمال القارة فحسب، بل باعتباره طرفًا يبحث بصورة متزايدة عن تعميق حضوره الإفريقي ثقافيًا واقتصاديًا ودبلوماسيًا.

جنوب إفريقيا: الثقافة تعيد فتح ملفات الذاكرة والهوية

أبدأ من جنوب إفريقيا، حيث تبدو الصفحات الثقافية شديدة الصلة بالذاكرة السياسية والاجتماعية للبلاد. أحدث مواد قسم الفنون والثقافة في صحيفة Mail & Guardian لا تتعامل مع الموسيقى والتصوير والأدب باعتبارها مجالات ترفيهية هامشية، بل بوصفها طرقًا أخرى لقراءة المجتمع الجنوب إفريقي. ففي التاسع من أكتوبر ظهرت مواد عن الموسيقى المحلية، والاستقلال الإبداعي للفنانين، وعن معرض المصور سابيلو ملانغيني الذي يلتقط الفرح والحياة اليومية والرغبة لدى السود في مدينة ديربان، إلى جانب مقال يعيد قراءة رواية Mhudi لسول بلاتجي الصادرة سنة 1930 باعتبارها عملاً سبق عصره في تفكيك الرؤية الاستعمارية وبعض التصورات الاجتماعية حول النوع والجندر.

وأرى في هذه المواد دلالة واضحة على أن الثقافة في جنوب إفريقيا ما تزال مرتبطة بسؤال كبير: ماذا تفعل المجتمعات بذاكرتها بعد انتهاء النظام الذي صنع الجراح؟ فالفصل العنصري انتهى قانونيًا منذ عقود، لكن آثاره لم تنته من المخيال ولا من المدينة ولا من توزيع الثروة والفرص، ولذلك يعود الفن باستمرار إلى الأرشيف، والصورة، والموسيقى، والرواية، ليعيد مساءلة الحاضر من خلال الماضي.

الأكثر إثارة أن الصحيفة نفسها ربطت في الأيام الأخيرة صور التهجير القسري في جنوب إفريقيا بصور الحياة الفلسطينية، في محاولة فنية لمقارنة تاريخين من الاقتلاع والتهجير. وهذا النوع من المشاريع يوضح أن الوعي الثقافي الإفريقي لم يعد يقرأ التجربة المحلية في عزلة، بل صار يربطها بقضايا عالمية تتعلق بالاستعمار والهوية والعدالة والحق في المكان. 

وفي مقابل هذا النشاط الثقافي، تعيش جنوب إفريقيا توترات اجتماعية حول الهجرة والأجانب. فقد شهدت جوهانسبورغ وديربان احتجاجات وأعمال عنف مرتبطة بالمهاجرين واللاجئين، واضطرت السلطات إلى التراجع عن توجيه إداري متعلق بطلبات اللجوء بعد اضطرابات رافقتها أعمال نهب وإحراق. وهذه الأزمة، وإن بدت قانونية وأمنية، لها بعد ثقافي واضح أيضًا لأنها تطرح سؤال الانتماء الإفريقي ذاته: إلى أي حد تستطيع فكرة التضامن الإفريقي الصمود أمام البطالة والهشاشة والتنافس الاجتماعي الداخلي؟ 

وهنا أجد مفارقة تستحق التوقف عندها: جنوب إفريقيا التي صنعت أحد أقوى خطابات التحرر الإفريقي تجد نفسها اليوم أمام امتحان آخر يتعلق بقبول الإفريقي القادم من بلد إفريقي آخر. الثقافة تصبح في هذه الحالة أكثر من فن؛ تصبح مختبرًا للمواطنة والذاكرة وفكرة القارة نفسها.

نيجيريا: الأدب يتحول إلى قوة مؤسساتية وصناعة

أما نيجيريا، فإن رادار الصحافة الثقافية يلتقط منها حركة مختلفة تمامًا، تقوم على ضخامة السوق الثقافية وقوة الجوائز والمهرجانات والسينما والموسيقى والنشر.

أحد أبرز أخبار الأيام الأخيرة إعلان فوز الشاعر والمحامي والناشط أوگاغا إيفوودو Ogaga Ifowodo بجائزة نيجيريا للأدب لسنة 2026، وقيمتها مئة ألف دولار، عن مجموعته الشعرية Why Does God Need a Gun? التي تتناول العنف الديني والسياسي من خلال صوت متخيل لإحدى الضحايا. كما شهد الحفل تتويج عملين وثائقيين ضمن الجائزة الجديدة للفنون الإبداعية. 

بالنسبة إلي، لا تكمن أهمية الخبر فقط في قيمة الجائزة المالية، وإن كانت ضخمة بالمقاييس الأدبية الإفريقية والعربية، بل في الرسالة التي يبعث بها نموذج الجائزة النيجيرية: الأدب لا يمكن أن يعيش بالتصفيق وحده. الكاتب يحتاج إلى مؤسسات، وجوائز حقيقية، وتمويل، وناشرين، وإعلام، وسوق قارئ.

إنها نقطة تستحق أن نتأملها في المغرب أيضًا. لدينا كتاب وشعراء وروائيون ومهرجانات وجوائز، لكن السؤال يظل قائمًا حول تحويل الثقافة إلى منظومة اقتصادية مستدامة تستطيع أن تمنح المبدع مكانة مادية توازي رمزيته الثقافية.

نيجيريا تشهد كذلك في هذه الأيام ولادة مهرجان أبوجا للأدب والأفكار، الذي يجمع الكتاب والمفكرين والعلماء والأصوات الثقافية لمناقشة موضوعات تمتد من السلام والتكنولوجيا والهوية والديمقراطية إلى الإبداع والأسئلة الكبرى التي تواجه العالم. الطموح المعلن هو تحويل أبوجا إلى محطة دولية للحوار الفكري، وربط الثقافة النيجيرية بمحيطها الإفريقي والدولي. 

هنا نرى تحولًا آخر مهمًا: المدينة الإفريقية تريد أن تصبح مركزًا للأفكار، لا مجرد سوق للاستهلاك الثقافي القادم من الخارج.

ولادة سيرك إفريقي معاصر في لاغوس

ومن أكثر الأخبار الثقافية دلالة في نيجيريا انطلاق مشروع Circus in Motion: Lagos Contemporary Circus Festival، الذي قدم باعتباره أول مهرجان للسيرك المعاصر في نيجيريا وغرب إفريقيا، ويهدف إلى الجمع بين الحركات البهلوانية والتقاليد الإفريقية والموسيقى والفولكلور والحكي وبين تقنيات السيرك المعاصر. شاركت فيه تجارب من نيجيريا وإثيوبيا والسنغال وساحل العاج وسويسرا، مع برامج لتكوين الشباب وربط الفنانين المحليين بالشبكات الدولية. 

ما يهمني هنا هو الفكرة الاقتصادية التي تقف وراء المشروع. فالقائمون عليه لا يتحدثون فقط عن الفرجة، بل عن تأسيس قطاع مهني يمكن أن يوفر الوظائف ويكوّن التقنيين والمخرجين والمؤدين ويتيح للعروض الإفريقية السفر عالميًا.

تلك هي النقلة التي تحتاجها ثقافتنا الإفريقية عمومًا: الانتقال من «النشاط الثقافي» إلى الصناعة الثقافية.

فليس مطلوبًا أن نتخلى عن التراث لكي نكون عالميين؛ المطلوب أن نعيد إنتاج التراث بلغة معاصرة تستطيع السفر.

نيجيريا واسترداد التراث: من يملك ذاكرة إفريقيا؟

وتظل نيجيريا في قلب واحدة من أهم معارك الثقافة الإفريقية: استرداد القطع الفنية التي نُهبت في الحقبة الاستعمارية، وعلى رأسها برونزيات بنين.

اللافت أن النقاش الدولي تجاوز في 2026 مرحلة السؤال: «هل ينبغي إعادة القطع؟» إلى سؤال أكثر تعقيدًا: «ماذا نفعل بها بعد عودتها؟». فقد أصبحت مسألة الاسترداد مرتبطة ببناء المتاحف وتطوير أنظمة الحفظ والبحث وإعادة ربط القطعة بسياقها التاريخي والاجتماعي. أعمال أكاديمية حديثة تناقش بالفعل الانتقال من مجرد إعادة الممتلكات إلى بناء نموذج متحفي إفريقي قادر على تحمل مسؤولية الذاكرة. 

وهذه معركة إفريقية وليست نيجيرية فقط. اليونسكو نفسها تشير إلى أن قضية إعادة الممتلكات الثقافية الإفريقية تحولت إلى مسألة هوية وكرامة ومعرفة وذاكرة، وليس مجرد نزاع قانوني حول ملكية الأشياء. 

الثقافة هنا تدخل صميم السياسة الدولية.

السنغال: الكتاب واللغة والسيادة

أما السنغال فتبدو لي اليوم واحدة من أكثر الساحات الثقافية الإفريقية حيوية، خصوصًا مع الاستعداد لانطلاق الدورة الثامنة عشرة من معرض دكار الدولي للكتاب والمواد التعليمية FILDAK من 15 إلى 19 أكتوبر 2026.

الشعار وحده يكفي لقراءة اتجاه المرحلة: «المكتبة، النقل المعرفي، السيادة».

إنها كلمات ثلاث تختصر تقريبًا الأزمة الثقافية التي تواجه إفريقيا.

فالسنغال تطرح بقوة سؤال الكتاب، لكنها تربطه بالسيادة وبالتكنولوجيا وباللغات الوطنية. وقد أعلنت الجهات المنظمة أن دورة هذه السنة ستولي اهتمامًا خاصًا للأدوات الرقمية والمواد التعليمية والتجهيزات الموجهة للتعلم، باعتبار الرقمنة امتدادًا للكتاب لا عدوًا له.

هذه النقطة بالذات مهمة للغاية. فمن الخطأ أن نبقى أسرى الثنائية القديمة: الورق ضد الشاشة. التحدي الإفريقي ليس اختيار واحد منهما، بل بناء سيادة معرفية تستخدم الاثنين معًا.

اللغات الإفريقية تطالب بحقها في الجائزة والكتاب

ومن قلب التحضير للمعرض خرج نداء لإنشاء جائزة أدبية مخصصة للغات الوطنية في السنغال، بهدف إعطاء النشر بهذه اللغات مزيدًا من الاعتراف والانتشار. واللافت أن دورة FILDAK نفسها ستضع اللغات الوطنية ضمن اهتماماتها المركزية. 

وهذه بالنسبة إلي قضية إفريقية مصيرية.

ما فائدة الاستقلال السياسي إذا ظل ملايين الأفارقة عاجزين عن إنتاج المعرفة والأدب بلغاتهم؟

القارة غنية بمئات اللغات، لكنها ما تزال تعتمد بدرجات مختلفة على الفرنسية والإنجليزية والبرتغالية والعربية في مؤسسات التعليم والنشر والإدارة. المعركة الثقافية المقبلة في إفريقيا لن تكون ضد هذه اللغات، بل من أجل ألا تُقصى اللغات المحلية من المعرفة الحديثة والكتاب الرقمي والجامعة والذكاء الاصطناعي.

وهنا يستطيع المغرب بدوره أن يقرأ التجربة من زاويته الخاصة، بحكم التعدد العربي والأمازيغي والحساني والفرنكفوني داخله.

رحيل الشيخ حامد كان: إفريقيا تفقد أحد كبار أسئلتها

تزامن هذا الحراك الثقافي السنغالي مع رحيل أحد كبار أدباء القارة، الكاتب والمفكر الشيخ حامد كان Cheikh Hamidou Kane عن 98 عامًا.

صاحب رواية المغامرة الغامضة L’Aventure ambiguë ترك واحدًا من أعمق النصوص الإفريقية التي تناولت الصراع بين التعليم الغربي والهوية الإفريقية، وبين الدخول إلى عالم الآخر والخوف من فقدان الذات. وظلت الرواية منذ صدورها سنة 1961 من النصوص المرجعية الكبرى في الأدب الإفريقي، وترجمت إلى عشرات اللغات. 

والمثير أن سؤال روايته ما يزال حيًا جدًا بعد أكثر من ستة عقود: هل نستطيع اكتساب معرفة العالم من دون أن نخسر أنفسنا؟

أرى أن هذا السؤال صار اليوم أكثر تعقيدًا مع الذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية والثقافة العالمية الموحدة. فالمسألة لم تعد مدرسة فرنسية في مواجهة قرية إفريقية كما كانت في زمن الاستعمار، بل خوارزمية عالمية تدخل يوميًا إلى الهاتف الإفريقي، وتؤثر في اللغة والذوق والقراءة والذاكرة.

السنغال تستعيد سنغور… الجذور والانفتاح

وفي السياق نفسه احتُفل في دكار بالذكرى الـ120 لميلاد ليوبولد سيدار سنغور والذكرى الخامسة والعشرين لرحيله تحت شعار «التجذر والانفتاح: الميراث والراهنية والآفاق». وجمعت المناسبة سياسيين ودبلوماسيين وكتابًا ومثقفين لمناقشة ما تبقى حيًا من فكره لدى الأجيال الجديدة. 

الجمع بين «التجذر» و«الانفتاح» يبدو لي من أكثر الأفكار راهنية اليوم. إفريقيا لا تستطيع بناء نهضتها بالانغلاق، ولا تستطيع بناءها كذلك بمحو ذاكرتها والدخول إلى العولمة بلا شخصية.

إفريقيا تريد تغيير صورتها… وحتى خريطة العالم

ومن أكثر التحولات الفكرية إثارة خلال هذه الأيام عودة النقاش حول كيفية تمثيل إفريقيا عالميًا، ليس فقط سياسيًا بل حتى جغرافيًا ورمزيًا.

يشير الباحث بول سيمون هاندي إلى أن القارة بدأت تحقق انتصارات رمزية تتعلق بإعادة صياغة سرديتها، من المطالب المتعلقة بتاريخ تجارة العبيد إلى الاعتراض على خرائط العالم التي تقلل بصريًا من الحجم الحقيقي لإفريقيا. لكنه يحذر من الاكتفاء بالانتصارات الرمزية، داعيًا إلى ترجمتها إلى إصلاح المؤسسات الدولية واستعادة التراث وتطوير التعليم والبحث. 

هذا النقاش ليس تفصيلاً كارتوغرافيًا.

الخريطة قصة سياسية.

والمتحف قصة سياسية.

والمنهج الدراسي قصة سياسية.

واللغة التي نصف بها إفريقيا قصة سياسية أيضًا.

ولهذا بدأت القارة تفهم تدريجيًا أن السيادة لا تعني الحدود فقط، بل تعني السيادة على صورتها وسرديتها وذاكرتها.

المغرب داخل الرادار الإفريقي

أصل الآن إلى السؤال المغربي: أين يقف المغرب وسط هذه التحولات؟

أرى أن للمغرب أوراقًا قوية، لكنه يحتاج إلى استخدامها ثقافيًا بمزيد من الجرأة.

لقد راكم خلال السنوات الأخيرة حضورًا سياسيًا واقتصاديًا متصاعدًا في القارة، ويتجلى ذلك في مشاريع الربط والطاقة والاستثمارات والتعاون جنوب–جنوب. ومن أبرز المشاريع الاستراتيجية مشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي نيجيريا–المغرب، الذي حصل خلال السنة الجارية على دعم دول المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا، بما يجعله أكثر من مشروع طاقة؛ إنه محور جغرافي يربط دول الساحل الأطلسي ببعضها البعض. 

لكنني أعتقد أن البنية التحتية الاقتصادية ينبغي أن ترافقها بنية تحتية ثقافية.

فإذا كان الأنبوب سيربط الاقتصادات، فمن الذي سيربط الكتاب والفنانين والجامعات ودور النشر والمتاحف والمنصات الرقمية؟

أصيلة تناقش إفريقيا من بوابة الماء والطاقة

وتقدم الدورة الحالية من موسم أصيلة الثقافي مثالًا مهمًا على هذا الاتجاه، إذ جعلت من «الرهانات الطاقية والمائية في إفريقيا والمشاريع الاستراتيجية نحو جيوسياسية جديدة» محورًا لإحدى ندواتها الكبرى خلال أكتوبر الجاري. وهذا يؤكد أن الثقافة المغربية بدأت تتقاطع بصورة أوضح مع أسئلة القارة الاستراتيجية، ولم تعد محصورة في الأدب والفن بمعناهما الضيق. 

وهذه خطوة أعتبرها ضرورية؛ لأن المثقف الإفريقي لا يمكنه أن يتحدث عن الشعر فيما القارة تواجه الجفاف والهجرة والطاقة والذكاء الاصطناعي والديون دون أن يرى الروابط بين كل هذه الملفات.

الثقافة ليست غرفة جانبية في الدولة. إنها الطريقة التي نفهم بها كل هذه الأزمات.

من الدبلوماسية الاقتصادية إلى الدبلوماسية الثقافية

المغرب يملك رصيدًا ثقافيًا إفريقيًا تاريخيًا يمكن أن يتحول إلى قوة ناعمة هائلة: كناوة، والامتدادات الروحية الصوفية، والطرق الدينية، والروابط التجارية الصحراوية القديمة، والتفاعل الأندلسي الإفريقي، والجامعات العتيقة، والموسيقى، والفنون، ثم المشهد السينمائي والمهرجانات الحديثة.

كما أن حضوره في التظاهرات الإفريقية أصبح جزءًا من سياسة الدبلوماسية الثقافية، ومن أمثلة ذلك المشاركة المغربية في سوق الفنون الإفريقية MASA 2026 بأبيدجان، حيث جرى تقديم الثقافة والصناعات الإبداعية بوصفهما جزءًا من الحضور المغربي في القارة. 

لكن المرحلة القادمة ينبغي أن تكون أكثر طموحًا.

لماذا لا توجد شبكة إفريقية كبرى للترجمة تنطلق من المغرب وتترجم الأدب السنغالي والنيجيري والجنوب إفريقي والإثيوبي إلى العربية والأمازيغية، وفي المقابل تنقل الأدب المغربي إلى الإنجليزية والفرنسية والولوف والسواحيلية وغيرها؟

ولماذا لا يتحول معرض الكتاب في الرباط إلى منصة سنوية حقيقية لصناعة النشر الإفريقي؟

ولماذا لا توجد إقامة أدبية إفريقية دائمة بين فاس ودكار ولاغوس وكيب تاون؟

إفريقيا الثقافية القادمة ستكون رقمية

هناك تحول آخر يكاد يجمع كل هذه المشاهد: الرقمنة.

السنغال تريد دمج التكنولوجيا بالكتاب، ونيجيريا تحوّل الثقافة إلى صناعة ومهرجانات عابرة للحدود، وجنوب إفريقيا تستخدم الأرشيف والصورة والموسيقى لإعادة كتابة ذاكرتها، والنقاش الإفريقي حول استرداد التراث يتوسع ليشمل الأرشيف الرقمي وقواعد البيانات وإعادة بناء المعرفة.

هذا يعني أن معركة الثقافة الإفريقية خلال السنوات المقبلة ستنتقل بقوة إلى المجال الرقمي.

من يملك المنصة؟

من يملك الأرشيف؟

من يدرب الخوارزمية؟

بأي لغة تتحدث تطبيقات الذكاء الاصطناعي مع الطفل الإفريقي؟

ومن يحدد ما الذي يظهر عندما يبحث العالم عن «إفريقيا»؟

إنها أسئلة ثقافية وسيادية في آن واحد.

الرادار الأخير: القارة تنتقل من الدفاع عن الهوية إلى إنتاجها

بعد هذه الجولة في صحافة إفريقيا لا أرى قارة غارقة فقط في أزماتها كما توحي كثير من التغطيات الدولية. أرى قارة تعيد بناء سرديتها من جهات متعددة.

جنوب إفريقيا تعود إلى ذاكرتها كي تفهم حاضرها.

نيجيريا تجعل من الأدب والجائزة والمهرجان والصناعة الإبداعية جزءًا من اقتصادها الجديد.

السنغال تضع الكتاب والسيادة واللغات الوطنية والرقمنة في قلب نقاشها الثقافي.

وتتحول قضية استرداد التراث المنهوب من مطلب أخلاقي إلى مشروع لإعادة بناء الذاكرة والمؤسسات.

أما المغرب فيمتلك فرصة مهمة لأن يكون حلقة وصل بين شمال إفريقيا وغربها وعمقها الأطلسي والساحلي، شرط ألا يحصر علاقته بالقارة في المصارف والأسمدة والطاقة والاستثمار فقط.

أحتاج، كمغربي أراقب هذا التحول، إلى أن أرى المثقف المغربي يسافر جنوبًا كما يسافر المستثمر، والكتاب المغربي يعبر الحدود كما تعبر الشركات، والموسيقي الإفريقي يدخل فضاءاتنا كما تدخل المنتجات والأسواق، والناشر المغربي يتعامل مع لاغوس ودكار وأبيدجان وكيب تاون بوصفها عواصم ثقافية قريبة، لا عوالم بعيدة.

الرادار اليومي لصحافة إفريقيا يخبرني في النهاية أن معركة القارة الكبرى القادمة لن تكون فقط على الموارد والأرض والأسواق، بل أيضًا على من يروي قصة إفريقيا، وبأي لغة، ومن أي منصة، ولأي عالم.

ومن يملك حق رواية القصة، يملك جزءًا كبيرًا من المستقبل.


0 التعليقات: