الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الجمعة، أكتوبر 16، 2026

هل تحولت إدارة الأزمات في الجزائر إلى سياسة دائمة؟ عبده حقي


ثلاث وقائع متقاربة زمنيًا تكفي، في نظري، لفتح نافذة واسعة على طبيعة المأزق الذي تواجهه الجزائر اليوم: مشروع لفرض رسم على استغلال رمال الصحراء، معارض سياسي هو كريم طابو يطالب شخصية فرنسية بألا تتعامل مع الجزائريين كما لو كانوا شعبًا قاصرًا، ثم اتهامات رسمية مرتبطة بحرائق الغابات يُقحم فيها اسم المعارض المقيم في فرنسا أمير بوخرص المعروف باسم Amir DZ. كل واقعة من هذه الوقائع يمكن أن تُقرأ منفصلة، لكن جمعها في صورة واحدة يجعل السؤال أكثر إزعاجًا: هل نحن أمام دولة تعالج أزماتها الاقتصادية والسياسية والأمنية بمؤسسات قوية وشفافة، أم أمام سلطة تجد في خطاب الخطر والمؤامرة الخارجية وسيلة جاهزة لإدارة التناقضات الداخلية؟

أبدأ من الرمل، لأن المفارقة هنا تكاد تكون سياسية قبل أن تكون اقتصادية. مشروع قانون المالية الجزائري لسنة 2027 اقترح بالفعل رسمًا قيمته 500 دينار للمتر المكعب على استخدام واستغلال الرمال الصحراوية، وقالت الحكومة إن الهدف هو توفير مورد جديد للخزينة العامة، مع تقديرات بعائدات سنوية تصل إلى نحو 700 مليون دينار. من حيث المبدأ، لا غرابة في أن تفرض دولة رسومًا على استغلال مواردها الطبيعية، ولا أريد الوقوع في السخرية السهلة التي تختزل الأمر في جملة من قبيل «حتى الرمل صار خاضعًا للضريبة». غير أن السؤال السياسي الحقيقي يبدأ بعد ذلك مباشرة: كيف وصل اقتصاد دولة بحجم الجزائر، وباحتياطاتها من الغاز والنفط ومساحتها القارية تقريبًا، إلى البحث عن موارد جديدة في كل زاوية من زوايا الاقتصاد، من الرمل إلى الثروات الكبرى إلى قطاعات استهلاكية أخرى؟

الحكومة الجزائرية تقول إن مشروع مالية 2027 يستهدف تنويع الاقتصاد، ودعم الاستثمار والإنتاج، وحماية القدرة الشرائية، كما يتضمن استمرار الدعم الاجتماعي بمبالغ ضخمة. وهذه حقائق ينبغي تسجيلها. لكنني أرى أن التناقض لا يزال قائمًا: إذا كانت الدولة تتحدث منذ سنوات عن التخلص من التبعية للمحروقات، فلماذا يبقى النقاش الاقتصادي أسير البحث عن إيرادات جديدة أكثر من كونه نقاشًا حول بناء اقتصاد تنافسي حقيقي؟

لا أرى الأزمة في فرض رسم على الرمل، بل في أن الرمل نفسه صار رمزًا لمأزق أعمق. اقتصاد يعتمد تاريخيًا على الريع الطاقي، ودولة تتحمل أعباء اجتماعية ضخمة، وسوق تحتاج إلى المزيد من الإنتاجية والاستثمار والابتكار، ثم تأتي الحلول في شكل رسوم وإجراءات مالية متتالية. حتى مشروع قانون المالية نفسه يفتح المجال أمام إمكانية مراجعة أسعار الوقود، في الوقت الذي يعلن فيه رسميًا الحرص على عدم المساس بالقدرة الشرائية.

هذه ليست إدانة تلقائية للسياسة المالية، لكنها تطرح سؤالًا لا يمكن دفنه: أين النموذج الاقتصادي البديل الذي وُعد به الجزائريون مرارًا؟ أين الصناعة ذات القيمة المضافة؟ أين اقتصاد المعرفة؟ أين الاقتصاد الرقمي القادر على تصدير الخدمات والتكنولوجيا؟ وأين الإصلاح البنيوي الذي يجعل الخزينة أقل ارتباطًا بما تستخرجه الدولة من الأرض وأكثر ارتباطًا بما ينتجه المجتمع من معرفة وعمل وابتكار؟

أخشى أن تتحول عبارة «تنويع الموارد» إلى بديل لغوي عن «تنويع الاقتصاد». والفرق بين الاثنين هائل. تنويع الموارد يعني أن تبحث الدولة عن أموال إضافية في مزيد من القطاعات. أما تنويع الاقتصاد فيعني خلق قطاعات جديدة قادرة على النمو والتصدير والتوظيف بعيدًا عن النفط والغاز. والأول يمكن أن يتحقق بقرار إداري؛ أما الثاني فيحتاج إلى مؤسسات وثقة وقضاء مستقل وبيئة استثمار مستقرة ومساحات أوسع للمبادرة.

ومن الرمل أنتقل إلى السياسة. هنا تبدو عبارة كريم طابو، «لا تعاملونا كشعب قاصر»، أكثر دلالة من مجرد رد على سيغولين روايال. بالنسبة إليّ، الجملة تصلح عنوانًا واسعًا لعلاقة السلطة بالمواطن في المنطقة كلها: هل يُعامل المواطن باعتباره صاحب السيادة أم باعتباره موضوعًا ينبغي توجيهه وحمايته من نفسه ومن الإعلام ومن المعارضة ومن الخارج؟

المعضلة أن الخطاب الرسمي الجزائري يرفع باستمرار راية السيادة الوطنية، وهي قيمة مشروعة لا خلاف عليها، لكنه يواجه اختبارًا أكثر تعقيدًا عندما ينتقل الحديث من سيادة الدولة إلى سيادة المواطن. لأن السيادة لا يمكن أن تعني فقط أن لا تتدخل باريس في الشأن الجزائري؛ ينبغي أن تعني أيضًا أن يكون الجزائري قادرًا على التدخل في شأن بلده، وأن ينتقد رئيسه وحكومته ومؤسساته ويطالب بالمحاسبة دون أن يتحول الاعتراض تلقائيًا إلى موضع ريبة.

هنا تحديدًا يصبح خطاب «المؤامرة الخارجية» خطيرًا سياسيًا. ليست المشكلة أن المؤامرات لا توجد. التاريخ مليء بالتدخلات الخارجية، والجزائر نفسها تعرف جيدًا ثمن التدخل الأجنبي والاستعمار. كما أن البيئة الإقليمية المحيطة بها معقدة أمنيًا، من الساحل إلى ليبيا، ولا يمكن التعامل معها بسذاجة. لكن هناك فرقًا بين دولة تحلل كل تهديد على أساس الأدلة، وبين سلطة تجعل الخارج تفسيرًا جاهزًا لكل توتر داخلي.

كلما ارتفع صوت المعارضة يمكن الحديث عن جهات أجنبية، وكلما وقع اضطراب يمكن استدعاء التخريب، وكلما نشب حريق يمكن أن يتحول النقاش بسرعة من أسباب الكارثة إلى المتآمرين عليها. هذا النوع من الخطاب قد يمنح السلطة قدرة سريعة على تعبئة الرأي العام، لكنه يحمل كلفة طويلة المدى: إنه يضعف الثقة في الدولة نفسها.

لأن المواطن الذي يسمع رواية المؤامرة عشرات المرات يبدأ في طرح سؤال بسيط: أين الأدلة؟

وهذا يقودني إلى القضية الثالثة، المتعلقة بحرائق الغابات والاتهامات التي طالت Amir DZ. وزارة الدفاع الجزائرية أعلنت نشر تسجيلات قالت إنها تتضمن اعترافات لأشخاص متورطين في الحرائق، وإن هذه الاعترافات تشير إلى أمير بوخرص، مع اتهامات باستغلال هشاشة بعض الأشخاص مقابل القيام بأعمال تخريبية. هذه هي الرواية الرسمية المنشورة، ولا ينبغي تحريفها أو إنكار وجودها.

لكن الرواية الرسمية ليست حكمًا قضائيًا.

وهنا أضع خطًا فاصلًا واضحًا. إذا كانت هناك أدلة حقيقية تثبت أن شخصًا ما حرّض على إحراق الغابات أو مول أعمال تخريب، فإن القضية شديدة الخطورة ويجب أن تُعالج جنائيًا بكل صرامة. لا حصانة لمعارض ولا لصحفي ولا لناشط إذا ثبت تورطه في جريمة. لكن في المقابل، لا يجوز تحويل اتهام أمني إلى إدانة إعلامية نهائية قبل أن تمر الأدلة عبر القضاء المستقل.

الدولة القوية لا تقول لمواطنيها: صدقوني لأنني الدولة. الدولة القوية تقول: هذه أدلتي، وهذا القضاء، وهذه إجراءات المحاكمة، وهذا حق الدفاع.

الفرق بين الطريقتين هو الفرق بين دولة المؤسسات ودولة الرواية الواحدة.

حين يصبح التلفزيون أو البيان الأمني هو المكان الذي يتلقى فيه المواطن صورة القضية كاملة، قبل أن يسمع تفاصيل التحقيق القضائي ومحاججات الدفاع، ينشأ خطر حقيقي يتمثل في محاكمة الأشخاص في المجال الإعلامي قبل محاكمتهم قانونيًا. وهذا لا يحمي الدولة، بل يجعل عدالة الدولة نفسها موضع نقاش.

والأخطر أن ملف Amir DZ يأتي في سياق سياسي متوتر مع فرنسا. هنا تصبح الرواية أكثر تعقيدًا، لأن المعارض المقيم في الخارج لا يبقى شخصًا فقط؛ يتحول بسهولة إلى رمز للخصومة بين دولتين. وتصبح كل قضية مرتبطة به قابلة للتوظيف داخليًا وخارجيًا.

وفي مثل هذه الحالات، ينبغي على الصحافة أن تكون أكثر تشددًا في استعمال اللغة. لا نقول «هو الذي أمر بإحراق الغابات» ما دام الأمر اتهامًا لم يُحسم قضائيًا، بل نقول إن السلطات وجهت اتهامات أو بثت تسجيلات تزعم ارتباطه بأشخاص مشتبه بهم. هذه الدقة ليست ترفًا، بل هي الفاصل بين الصحافة والدعاية.

وهنا أصل إلى جوهر المشكلة التي أراها في خطاب السلطة الجزائرية خلال السنوات الأخيرة: الإفراط في تحويل السياسة إلى أمن.

المعارض قد يصبح تهديدًا. الناشط في الخارج قد يصبح جزءًا من شبكة. الخلاف مع دولة مجاورة قد يتحول إلى خطر استراتيجي. الصحافة المعارضة قد تُقرأ من زاوية الأمن الوطني. بل إن الاختلاف السياسي نفسه يصبح أحيانًا مجالًا للشك بدل أن يكون عنصرًا طبيعيًا في أي نظام تعددي.

في المقابل، ما الذي يطالب به المواطن الجزائري العادي في نهاية المطاف؟ وظيفة، سكن، صحة، تعليم، عدالة، حرية، قدرة شرائية، وإحساس بأنه يعيش في دولة تستمع إليه لا في مؤسسة تطلب منه الاستماع فقط.

وهنا يظهر ضعف خطاب المؤامرة باعتباره أداة حكم. المؤامرة لا توفر وظيفة. لا تبني مستشفى. لا تعالج البيروقراطية. لا تجذب الاستثمارات. لا تجعل الجامعة أكثر إنتاجًا للبحث العلمي. لا تحل أزمة السوق. ولا تمنح الشباب أفقًا يجعلهم يختارون البقاء بدل التفكير في الرحيل.

وقد أثبت حراك 2019 شيئًا ينبغي ألا تنساه السلطة الجزائرية: جزء كبير من المجتمع يريد أن يكون شريكًا في تعريف الدولة، لا مجرد جمهور يتلقى تعريفها الرسمي لنفسها. الملايين التي خرجت إلى الشوارع لم تكن كلها جزءًا من مؤامرة أجنبية، ولا يمكن اختزال مطالبها في تدخل خارجي. كانت هناك مطالب سياسية داخلية حقيقية تتعلق بالحكم والشفافية والتداول والفساد والشرعية.

يمكن لأي سلطة أن تنتظر خفوت الاحتجاج، لكن لا يمكنها إلغاء الأسباب التي أنتجته بقرار أمني.

وأعتقد أن هنا تكمن المسألة التي ينبغي أن تقلق الطبقة الحاكمة أكثر من أي فيديو أو معارض في الخارج: أزمة الثقة. حين يفقد المواطن ثقته في الخطاب الرسمي يصبح حتى الخبر الصحيح محل شك. وحين تتراجع الثقة في المؤسسات تحتاج الدولة إلى مضاعفة الدعاية كي تحقق الأثر نفسه الذي كانت تحققه سابقًا بكلمة واحدة. وهذه دائرة خطيرة: كلما ضعفت الثقة، ارتفع صوت الخطاب؛ وكلما ارتفع الصوت دون مزيد من الشفافية، ضعفت الثقة أكثر.

لا أعتقد أن الجزائر دولة ضعيفة، بل العكس. لديها جيش قوي وموارد ضخمة وموقع جغرافي استراتيجي وكتلة بشرية مهمة ومكانة دبلوماسية تاريخية. لكن الدولة يمكن أن تكون قوية ماديًا وضعيفة سياسيًا في علاقتها بمواطنيها إذا لم تنتج ثقة.

والقوة التي تحتاج دائمًا إلى عدو كي تشرح نفسها تتحول بالتدريج إلى قوة دفاعية.

مرة يكون العدو في الخارج، ومرة في وسائل التواصل، ومرة في المعارضة، ومرة في فرنسا، ومرة في «شبكات التخريب». وربما تكون بعض هذه التهديدات حقيقية جزئيًا أو كليًا. لكن السؤال الذي يجب ألا يغيب هو: ماذا لو كانت الأزمة داخلية أيضًا؟

ماذا لو كان البطء في الإصلاح الاقتصادي جزءًا من المشكلة؟

ماذا لو كان تضييق المجال السياسي جزءًا من المشكلة؟

ماذا لو كان ضعف الثقة في المؤسسات جزءًا من المشكلة؟

وماذا لو كانت المبالغة في خطاب المؤامرة نفسها جزءًا من المشكلة؟

الدولة التي تخشى هذه الأسئلة أكثر مما تخشى خصومها تكون قد بدأت تخسر أهم معركة: معركة الثقة.

وأنا لا أطالب الجزائر بأن تتخلى عن أمنها ولا عن سيادتها ولا عن حقها في مواجهة أي تدخل أجنبي مثبت. أطالب فقط، من زاوية الكاتب والمراقب، بأن تكون الأدلة أعلى صوتًا من الاتهامات، وأن يكون القضاء أعلى سلطة من التلفزيون، وأن يكون الاقتصاد أكثر قدرة على الإنتاج من قدرته على فرض الرسوم، وأن يكون المواطن شريكًا لا مشتبهًا فيه، وأن تكون المعارضة جزءًا طبيعيًا من المجال السياسي لا مقدمة لملف أمني.

أما خطاب المؤامرة المستمرة فهو سلاح يستهلك نفسه.

قد ينجح اليوم في تفسير حريق، وغدًا في تفسير احتجاج، وبعد غد في تفسير أزمة دبلوماسية، لكنه لا يستطيع إلى ما لا نهاية تفسير بلد كامل.

هناك لحظة تصل فيها الشعوب إلى السؤال الذي لا تستطيع كل آلة إعلامية أن تمنعه: وماذا عن مسؤولية السلطة نفسها؟

من هنا تبدو الوقائع الثلاث أمامي أكثر وضوحًا: فرض رسم على الرمال ليس مجرد قصة مالية؛ إنه يفتح سؤال الاقتصاد. رسالة كريم طابو ليست مجرد مشادة مع شخصية فرنسية؛ إنها تفتح سؤال المواطن والسيادة. واتهام Amir DZ ليس مجرد ملف أمني؛ إنه يفتح سؤال الأدلة والقضاء وعلاقة الدولة بالمعارضة.

ثلاثة ملفات، وفي قلبها سؤال واحد: هل تستطيع الدولة الجزائرية الانتقال من منطق إدارة المخاطر إلى منطق بناء المؤسسات؟

لأن المؤسسة لا تحتاج إلى مؤامرة لتبرير وجودها. المؤسسة تبرر نفسها بأدائها.

والقضاء لا يحتاج إلى خطاب وطني مرتفع كي يقنع الناس. يقنعهم بالأدلة.

والاقتصاد لا يحتاج إلى شعارات عن السيادة كي يصبح منتجًا. يحتاج إلى شركات ومهارات واستثمارات وقوانين مستقرة.

والمواطن لا يحتاج إلى من يعلمه الوطنية في كل أزمة. يحتاج إلى دولة تحترم ذكاءه.

هذا، في رأيي، هو الامتحان الحقيقي أمام الجزائر. ليس الرمل، ولا فيديوهات المعارضين، ولا سيغولين روايال، ولا باريس. الامتحان الحقيقي هو ما إذا كانت الدولة مستعدة لأن تثق في مجتمعها بالقدر نفسه الذي تطلب منه أن يثق فيها.


0 التعليقات: