يحمل الثالث عشر من أكتوبر دلالتين تبدوان للوهلة الأولى متباعدتين، لكنهّما تلتقيان في عمق واحد هو الإنسان وقدرته على حماية نفسه وبناء مستقبله. ففي المغرب نستحضر اليوم الوطني لمحو الأمية، فيما يحيي العالم في التاريخ نفسه اليوم الدولي للحد من مخاطر الكوارث. وبين محو الجهل بالحروف ومحو الجهل بالمخاطر أرى خيطًا واحدًا شديد الوضوح: لا يمكن أن نبني مجتمعًا مقاومًا للكوارث إذا بقي جزء من أفراده خارج دائرة المعرفة، ولا يمكن أن نتحدث عن مواطن قادر على حماية نفسه وأسرته ومحيطه إذا كان عاجزًا عن قراءة تحذير، أو فهم نشرة جوية، أو استعمال تطبيق إنذار، أو التمييز بين إشاعة ومعلومة موثوقة في لحظة أزمة.
بالنسبة إلي، لم تعد الأمية مجرد عجز عن فك الحروف وكتابة الاسم والتوقيع على ورقة إدارية. الأمية اليوم أوسع وأخطر وأكثر تعقيدًا. هناك أمية رقمية، وأمية صحية، وأمية بيئية، وأمية إعلامية، وأمية تتعلق بكيفية التصرف أمام الفيضانات والحرائق والزلازل وموجات الحر والجفاف. وقد يكون الإنسان قادرًا على القراءة والكتابة، لكنه يظل عاجزًا عن فهم رسالة تحذيرية على هاتفه أو عن التحقق من خبر متداول أثناء كارثة. لذلك أعتقد أن محو الأمية في القرن الحادي والعشرين يجب أن يتحول من برنامج تعليمي محدود إلى مشروع شامل لبناء مواطن يعرف، ويفهم، ويتحقق، ويقرر، ويتصرف.
وقد أثبتت الكوارث التي عرفها المغرب والعالم أن المعرفة قد تعني أحيانًا الفارق بين الحياة والموت. فالزلزال لا يمنح الناس وقتًا طويلًا للتفكير، والفيضانات لا تنتظر أن يتعلم المواطن في تلك اللحظة معنى منطقة الخطر، والحرائق لا تسمح بتجريب السلوك الصحيح والخاطئ. لذلك تصبح التربية الوقائية جزءًا من الأمن المجتمعي، تمامًا كما يصبح تعليم القراءة والكتابة جزءًا من العدالة الاجتماعية. وأنا أرى أن الدولة التي تستثمر في محو الأمية تستثمر أيضًا، بصورة غير مباشرة، في تقوية قدرة المجتمع على مواجهة الأزمات.
المفارقة التي تستوقفني هي أننا كثيرًا ما نفصل بين البرامج الاجتماعية والبرامج الوقائية. نتعامل مع محو الأمية باعتباره ملفًا تربويًا، ونتعامل مع الكوارث باعتبارها ملفًا أمنيًا أو تقنيًا، مع أن المواطن يوجد في قلب الملفين معًا. الشخص الذي يتعلم اليوم قراءة جملة بسيطة قد يصبح غدًا أكثر قدرة على قراءة خريطة إجلاء، وفهم تعليمات الوقاية، ومعرفة رقم الطوارئ، واستيعاب التحذيرات الصحية والمناخية. والمرأة التي تستفيد من برنامج لمحو الأمية قد تتحول داخل أسرتها إلى ناقلة للوعي، تشرح لأبنائها تعليمات السلامة وتدرك مخاطر استعمال الكهرباء أو الغاز أثناء الأزمات أو مخاطر الاقتراب من مجاري السيول.
لهذا أعتقد أن المغرب يحتاج إلى إعادة تصور مفهوم محو الأمية نفسه. لا يكفي أن نحتفل بانخفاض عدد الأشخاص الذين لا يقرأون ولا يكتبون، إذا لم نسأل في الوقت نفسه: ماذا يعرف المواطن عن الأخطار المحيطة به؟ هل يستطيع قراءة نشرة إنذار جوي؟ هل يميز بين المعلومة الرسمية والإشاعة؟ هل يعرف ما ينبغي فعله أثناء هزة أرضية؟ هل يدرك خطورة عبور طريق غمرته المياه؟ هل يعرف قواعد الإسعافات الأولية الأساسية؟ وهل يستطيع استعمال هاتفه للوصول إلى معلومات الطوارئ؟
إن الربط بين اليوم الوطني لمحو الأمية واليوم الدولي للحد من مخاطر الكوارث ليس بالنسبة إلي مجرد مصادفة في التقويم، بل فرصة لإعادة التفكير في معنى المعرفة نفسها. فالمعرفة ليست ترفًا ثقافيًا، بل أداة نجاة. والقراءة ليست مهارة مدرسية فقط، بل وسيلة لاتخاذ القرار في اللحظة الحرجة. والوعي ليس شعارًا، بل قدرة عملية على حماية الذات والآخرين.
لقد أصبحت الكوارث بدورها أكثر تعقيدًا بفعل التحولات المناخية والعمرانية والديموغرافية والتكنولوجية. نحن نعيش في مدن تتوسع بسرعة، ونتعرض لموجات حرارة أشد، ونعاني من ندرة المياه، وتواجه بعض المناطق مخاطر الفيضانات والحرائق والانهيارات. لذلك فإن مفهوم الاستعداد للكوارث يجب ألا يبقى حبيس إدارات الدولة والوقاية المدنية والمؤسسات المتخصصة. المطلوب في رأيي هو ثقافة مجتمعية تبدأ من المدرسة، وتمتد إلى الأسرة، والمسجد، والجمعية، ووسائل الإعلام، ومراكز محو الأمية، والمنصات الرقمية.
وأرى أن دروس محو الأمية نفسها يمكن أن تصبح فضاءً مثاليًا لتعليم الوقاية. لماذا لا تتضمن كتب محو الأمية نصوصًا قصيرة عن الزلازل والفيضانات والحرائق؟ لماذا لا يتعلم المستفيدون قراءة رموز التحذير وأرقام الطوارئ إلى جانب الحروف والأرقام؟ لماذا لا تُدرج تمارين بسيطة حول التعامل مع الغاز والكهرباء والماء أثناء الأزمات؟ بهذا الشكل سنكون أمام محو أمية يخدم الحياة اليومية، لا أمام تعلم منفصل عن الواقع.
كما أنني لا أستطيع أن أفصل هذا الموضوع عن الأمية الرقمية. ففي الكوارث الحديثة تنتقل المعلومات بسرعة هائلة عبر الهواتف ومواقع التواصل. وقد تكون هذه السرعة مفيدة بقدر ما قد تصبح خطرة. رسالة كاذبة واحدة يمكن أن تنشر الذعر، وصورة قديمة يمكن أن تقدم على أنها من موقع كارثة جديدة، وتسجيل صوتي مجهول قد يدفع الناس إلى اتخاذ قرارات خاطئة. لذلك أصبح تعليم المواطن التحقق من المصدر جزءًا من الوقاية من الكوارث. إن محو الأمية الإعلامية والرقمية لم يعد ترفًا للنخب، بل ضرورة لجميع الفئات.
وأنا أعتبر أن المجتمع المقاوم للكوارث ليس المجتمع الذي يملك سيارات إسعاف أكثر فقط، بل المجتمع الذي يعرف أفراده ماذا يفعلون قبل وصول سيارة الإسعاف. وهو ليس المجتمع الذي يمتلك أجهزة إنذار متطورة فحسب، بل المجتمع الذي يستطيع مواطنوه فهم هذه الإنذارات والثقة بها والتصرف بناء عليها. كما أن أفضل الخطط التقنية قد تفشل إذا لم تجد مواطنًا واعيًا قادرًا على فهمها.
إن الكوارث تكشف بسرعة الفوارق الاجتماعية. الفئات الأكثر هشاشة تكون غالبًا الأكثر تعرضًا للخطر: كبار السن، والأشخاص الذين يعيشون في مناطق معزولة، والأسر محدودة الدخل، والأشخاص الذين لم يحصلوا على تعليم كافٍ. لذلك فإن محو الأمية هو أيضًا أداة لتقليص هشاشة المجتمع. وكل مواطن نخرجه من دائرة الأمية يصبح أكثر استقلالًا في الوصول إلى المعلومات والخدمات واتخاذ القرارات.
أما في العالم القروي، فإن العلاقة بين محو الأمية والوقاية أكثر وضوحًا. فالفلاح يحتاج إلى فهم التحذيرات المناخية، والمربي يحتاج إلى معرفة التعليمات الصحية، وسكان المناطق الجبلية يحتاجون إلى الوعي بمخاطر الثلوج والانهيارات والعزلة، وسكان المناطق القريبة من الأودية يحتاجون إلى معرفة مخاطر السيول المفاجئة. المعرفة هنا ليست مجرد ثقافة، بل مورد من موارد الصمود.
وأنا أعتقد أيضًا أن الإعلام المغربي يتحمل جزءًا مهمًا من هذه المسؤولية. فلا ينبغي أن ينتظر الإعلام حدوث الكارثة ليتحدث عن الوقاية. المطلوب هو إنتاج محتوى دائم وبسيط ومفهوم حول المخاطر، بعيدًا عن اللغة التقنية المعقدة. كما أن نشرات الأخبار والبرامج الإذاعية يمكن أن تسهم في محو الأمية الوقائية بنفس القدر الذي تسهم به المؤسسات التعليمية.
هناك أيضًا مسؤولية على المستوى العمراني. المواطن الواعي يحتاج إلى مدينة تساعده على الوعي: لوحات واضحة، إشارات مفهومة، مخارج طوارئ مرئية، خرائط إجلاء، معلومات بلغات وصيغ تناسب مختلف الفئات. فمحو الأمية لا يعني فقط تعليم الفرد، بل يعني أيضًا أن تجعل المؤسسات المعلومات سهلة الوصول والفهم.
وفي هذا اليوم المزدوج، أجد نفسي مقتنعًا بأن الاستثمار في الإنسان يظل أفضل سياسة للوقاية. يمكن بناء السدود وتقوية المباني وشراء المعدات، وكل ذلك ضروري، لكن الإنسان الذي لا يعرف ماذا يفعل قد يبقى الحلقة الأضعف في المنظومة. أما الإنسان المتعلم والواعي، فيتحول من ضحية محتملة إلى فاعل في الوقاية والإنقاذ والتضامن.
إنني أدعو إلى مفهوم جديد يمكن أن أسميه "محو أمية المخاطر". وهو أن يعرف المواطن الأخطار الموجودة في محيطه، ويفهم الإشارات والتحذيرات، ويعرف القواعد الأساسية للتصرف، ويستطيع الوصول إلى المعلومة الصحيحة، ويتجنب نشر الأخبار الكاذبة أثناء الأزمات. هذا النوع من الوعي يجب أن يصبح جزءًا من الثقافة العامة للمغاربة.
ولا يعني ذلك تحميل المواطن مسؤولية الكارثة أو إعفاء المؤسسات من أدوارها، بل العكس تمامًا. الدولة مسؤولة عن التخطيط والبنية التحتية والإنذار المبكر والاستجابة السريعة، لكن المواطن الواعي شريك في نجاح هذه المنظومة. الوقاية الحقيقية تقوم على التكامل بين مؤسسة جاهزة ومجتمع مستعد.
إن الثالث عشر من أكتوبر يضع أمامنا رسالتين أراهما في الحقيقة رسالة واحدة: المعرفة حماية. فكل حرف يتعلمه شخص كان محرومًا من التعليم هو خطوة نحو استقلاله وكرامته، وكل معلومة صحيحة يتعلمها المواطن عن الكوارث هي خطوة نحو سلامته. لهذا لا أرى محو الأمية مجرد معركة ضد الجهل، بل أراه معركة من أجل الإنسان القادر على فهم العالم الذي يعيش فيه، والتعامل مع مخاطره، والمشاركة في بناء مجتمع أكثر وعيًا وصلابة.
قد تبدأ الوقاية من الكوارث من جهاز إنذار أو من بناية مقاومة للزلازل، لكنها تبدأ أيضًا من كلمة مفهومة وورقة مقروءة ورسالة تصل إلى المواطن فيفهمها ويعرف ما الذي ينبغي عليه فعله. ومن هنا أقول إن أخطر الكوارث قد لا تكون دائمًا الزلازل والفيضانات والحرائق، بل أن تقع الكارثة في مجتمع لم تُتح له المعرفة الكافية لمواجهتها.
في الثالث عشر من أكتوبر، وأنا أجمع بين اليوم الوطني لمحو الأمية واليوم الدولي للحد من مخاطر الكوارث، أرى أن المغرب أمام فرصة لبناء سياسة تلتقي فيها التربية والوقاية والحماية الاجتماعية. فالمواطن الذي نعلمه اليوم أن يقرأ، يجب أن نعلمه أيضًا أن يقرأ الخطر، وأن يفهم الإشارة، وأن يتحقق من الخبر، وأن يتصرف بوعي. وعندها فقط يصبح محو الأمية مشروعًا للحياة، ويصبح الحد من مخاطر الكوارث ثقافة يومية لا مجرد استجابة تأتي بعد أن تقع الفاجعة.







0 التعليقات:
إرسال تعليق