دخلتُ إلى المرآة الرقمية كما يدخل المرء إلى غرفة يعرفها جيدًا ويخشاها في الوقت نفسه. أمامي لم تكن صورة وجهي الحالية، بل أرشيف كامل من الوجوه التي مررتُ بها ومرّت بي، كأن التقنية قررت أن تستعير وظيفة الذاكرة وأن تمنحها جسدًا من الضوء. امتدت يدي نحو السطح الافتراضي، فاهتز المشهد، وانفتح خلف انعكاسي ممر طويل تتدلى على جانبيه شظايا من طفولتي، أصوات من البيت القديم، رائحة دفاتر المدرسة، ضحكات أصدقاء اختفوا من خرائط حياتي، ووجوه كنت أظن أن النسيان قد أغلق عليها أبوابه إلى الأبد. أدركت منذ اللحظة الأولى أن هذه التجربة لا تقدم لي الماضي كما وقع، بل كما أعادت الآلة ترتيبه، ولذلك شعرت أنني أقف أمام ذاكرة ثانية تنافس ذاكرتي الأصلية في حق امتلاك حياتي.
يحمل مشروع «Virtual Reflections» فكرة تبدو بسيطة في ظاهرها: يرتدي المستخدم خوذة الواقع الافتراضي ويقف أمام مرآة رقمية تسمح له باستكشاف مراحل من ماضيه. غير أن البساطة تنتهي عند هذه الجملة، لأن ما ينتظرنا وراء المرآة ليس مجرد ألبوم صور ثلاثي الأبعاد، بل سؤال فلسفي شديد الحساسية عن معنى أن تتحول الذاكرة إلى فضاء قابل للدخول والمشي واللمس وإعادة المشاهدة. نحن معتادون على استدعاء الماضي من داخل رؤوسنا؛ نتذكره ناقصًا، مضطربًا، مشوشًا، ونترك للنسيان حقه الطبيعي في الترميم والحذف. أما هنا فإن التكنولوجيا تسحب الذكرى من غموضها، تمنحها صوتًا وصورة ومكانًا، ثم تقول لنا: ادخلوا إليها من جديد.
أتصور أنني أرى طفلاً يشبهني يجلس في زاوية غرفة بعيدة. أقترب منه، فألاحظ تفاصيل لم تعد ذاكرتي تحتفظ بها: لون الستارة، شكل الضوء الداخل من النافذة، موضع كرسي خشبي صغير، ربما حتى صوت مذياع قديم في الخلفية. ماذا يحدث لي في تلك اللحظة؟ هل أسترجع طفولتي، أم أتعلم نسخة جديدة منها؟ هنا تبدأ المفارقة. الذاكرة البشرية ليست كاميرا، بل كتابة مستمرة. كل استعادة للماضي هي، في جانب منها، إعادة تأليفه. وما تفعله المرآة الافتراضية هو أنها تدخل طرفًا جديدًا في عملية التأليف: الخوارزمية.
الخوارزمية لا تتذكر مثلي. لا تشعر بالخجل من بعض التفاصيل، ولا تحذف ليلة لأن ألمها ثقيل، ولا تترك وجهًا ضبابيًا رحمة بالقلب. إنها تجمع الصور والفيديوهات والتسجيلات والمنشورات والرسائل والمواقع والتواريخ، ثم تبني منها مسرحًا منظمًا. لهذا تبدو المرآة الرقمية أكثر دقة مني، لكنها قد تكون أقل صدقًا. الدقة ليست هي الحقيقة دائمًا. قد أعرف أن الصورة التقطت في السادسة مساءً يوم الثلاثاء، وأنني كنت أرتدي قميصًا أزرق، لكن هذه المعلومات لا تخبرني ماذا كان يحدث في داخلي، ولا لماذا بقيت تلك الدقيقة في قلبي بينما اختفت مئات الساعات الأخرى.
أكثر ما يثيرني في هذا النوع من التجارب هو أن الماضي يصبح قابلًا للمشاهدة من الخارج. في الحياة العادية أعيش ذكرياتي من الداخل: أنا الطفل وأنا الشاب وأنا الخائف وأنا المنتصر وأنا المهزوم. أما الواقع الافتراضي فيمنحني فجأة موقع المتفرج. أرى نفسي كشخص آخر. أراقب خطواتي القديمة، نبرة صوتي، ارتباكي، اندفاعي، وربما سذاجتي. وتلك المسافة بيني وبين ذاتي السابقة قد تكون قاسية ومحررة في آن واحد، لأنها تجبرني على الاعتراف بأن الشخص الذي أحمله في ذاكرتي ليس بالضرورة الشخص الذي كنتُه فعلًا.
قد تمنح المرآة الافتراضية فرصة لمصالحة الذات. شخص يحمل ندمًا قد يعود إلى لحظة حاسمة ويتأملها من زاوية جديدة. امرأة فقدت أحد والديها قد تزور غرفة قديمة أعيد بناؤها رقميًا فتسمع صوتًا وتحضر تفاصيل كان الزمن يهدد بمحوها. مهاجر يستطيع أن يمشي من جديد في زقاق طفولته وهو على بعد آلاف الكيلومترات. عجوز قد يرى بيته الأول أو مدرسته أو المدينة التي تغيرت معالمها. عند هذه النقطة تتحول التقنية من لعبة إلى وسيط وجداني، ومن أداة ترفيه إلى جهاز يفتح أبوابًا دقيقة في الوعي.
لكنني أخشى أيضًا من الإقامة الطويلة داخل ما مضى. الإنسان يحتاج إلى الذاكرة، لكنه يحتاج كذلك إلى المسافة. بعض الأبواب يغلقها الزمن لحمايتنا. بعض الصور تصبح أرحم عندما تتآكل حوافها. وبعض الأصوات ينبغي أن تبقى بعيدة كي نستطيع مواصلة الطريق. ماذا سيحدث إذا صار بإمكاننا زيارة موتانا افتراضيًا، الجلوس معهم، سماع أصوات مركبة من تسجيلاتهم، ومشاهدة أجساد رقمية تتصرف وفق نماذج ذكاء اصطناعي؟ هل سيكون ذلك امتدادًا للحب أم تعطيلًا للحِداد؟ هل سنحفظ حضورهم أم سنرفض الاعتراف بغيابهم؟
المرآة الرقمية تضعنا كذلك أمام سؤال الملكية. من يملك ماضيي بعد أن يتحول إلى بيانات؟ الصور التي صنعت طفولتي موزعة بين هواتف قديمة وحسابات على منصات وشركات تخزين سحابي وأرشيفات رقمية. إذا جمع نظام ذكي كل هذه الشظايا ليعيد بناء حياتي، فهل تصبح ذاكرتي منتجًا؟ وهل يمكن لشركة أن تحتفظ بنسخة من بيتي وصوت أبي وضحكة ابنتي ووجوه أصدقائي؟ إن أخطر ما في اقتصاد البيانات أنه لا يكتفي بمعرفة ما نشتريه ونشاهده، بل قد يصل إلى طبقة أعمق: معرفة ما نبكي عليه وما نشتاق إليه وما نخاف من فقدانه.
تخيلت للحظة إعلانًا تجاريًا يظهر داخل ذكرى طفولية. فكرة تبدو ساخرة، لكنها ليست مستحيلة. إذا أصبحت الذكريات فضاءات رقمية، فقد تتحول هي الأخرى إلى أسواق. يمكن للخوارزمية أن تعرف أنني أشعر بالحنين إلى مدينة معينة، فتقترح علي رحلة إليها. تعرف أنني أتأثر بذكرى شخص، فتقترح خدمة لإعادة إنشاء صوته. تعرف أنني أحن إلى لعبة قديمة، فتعرض شراء نسخة جديدة منها. عندها لن يبقى الماضي منطقة خاصة، بل يصبح مجالًا جديدًا للاقتصاد والانتباه والاستهلاك.
وهنا أرى أن «Virtual Reflections» لا يتحدث في جوهره عن الواقع الافتراضي بقدر ما يتحدث عن مستقبل الذاكرة الإنسانية. نحن ننتقل تدريجيًا من ذاكرة تعتمد على الرواية الشخصية إلى ذاكرة مدعومة بالآلة. أجيالنا السابقة عاشت ثم تذكرت، أما الأجيال المقبلة فقد تعيش وهي تعرف أن كل شيء يمكن استرجاعه. صورها، أصواتها، خطواتها، رسائلها، خرائط تنقلاتها، وحتى تعابير وجوهها قد تبقى محفوظة. وما يبدو اليوم وفرة في التوثيق قد يصبح غدًا عبئًا وجوديًا، لأن الإنسان الذي لا يستطيع أن ينسى قد يجد صعوبة في أن يبدأ من جديد.
النسيان ليس عيبًا في الذاكرة كما نتصور، بل جزء من حكمتها. نحن ننسى كي نستمر، نختصر آلاف التفاصيل في صورة واحدة، نغير ترتيب الوقائع، ونترك للمشاعر سلطة تحرير تاريخنا الشخصي. التقنية، على العكس، تميل إلى الاحتفاظ. وهنا ينشأ الصراع بين طبيعة بشرية تقوم على النسيان الانتقائي وطبيعة رقمية تقوم على التراكم المستمر. المرآة الافتراضية قد تقول لي: هذه هي حياتك. لكنني سأظل أملك حق الرد: هذه بيانات عن حياتي، وليست حياتي كلها.
قد تكون أجمل لحظة في التجربة هي اللحظة التي أقرر فيها الخروج منها. أن أنزع الخوذة، أعود إلى الغرفة الحقيقية، أنظر في مرآة عادية، فأرى وجهي الحالي بلا مؤثرات ولا أرشيف ولا خوارزمية. ربما أفهم عندها أن قيمة الماضي لا تكمن في إمكانية استعادته بالكامل، بل في الأثر الذي تركه في الشخص الذي أصبحتُه. الذكريات ليست متحفًا يجب أن نحفظ كل قطعة فيه، وإنما نهر يعبرنا ويواصل سيره.
أتخيل المرآة الافتراضية في النهاية تضع أمامي عشرات النسخ مني: الطفل، المراهق، الرجل الذي أخطأ، الرجل الذي أحب، الرجل الذي خسر، الرجل الذي بدأ مرة أخرى. تنظر النسخ كلها إليّ كأنها تسأل: أي واحد منا هو أنت؟ أمد يدي، فلا ألمس أي وجه. أكتشف أنني لست واحدًا منهم ولا منفصلًا عنهم، وأن هويتي ليست صورة ثابتة تحفظها قاعدة بيانات، بل حركة مستمرة بين ما كنت وما أنا عليه وما يمكن أن أصبحه.
عندها أفهم أن الخطر الحقيقي ليس أن تصنع التكنولوجيا مرآة تسترجع الماضي، بل أن نصدق أن ما تعرضه علينا هو الماضي نفسه. فالآلة تستطيع أن تحفظ الصورة، وتستنسخ الصوت، وتعيد بناء المكان، وتحاكي الحركة، لكنها لا تستطيع أن تسكن تلك الرجفة السرية التي جعلت لحظة عابرة تصبح جزءًا من مصيرنا. وفي المسافة بين الذاكرة والبيانات، بين الصورة والإحساس، بين ما وقع وما بقي منه في القلب، سيظل الإنسان محتفظًا بسر صغير لا تستطيع أي مرآة رقمية أن تستنسخه بالكامل.
بقلم: الكاتب المغربي عبده حقي







0 التعليقات:
إرسال تعليق