الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الثلاثاء، أكتوبر 20، 2026

الرادار الأسبوعي للتعليم الرقمي والذكاء الاصطناعي في شمال إفريقيا: إعداد عبده حقي


أتابع أخبار التعليم الرقمي والذكاء الاصطناعي في شمال إفريقيا بشعور مزدوج يجمع بين الحماسة والقلق. الحماسة لأن ما يحدث أمامنا يشبه فتح نافذة واسعة على مستقبل كانت المدرسة والجامعة تنظران إليه قبل سنوات باعتباره احتمالًا بعيدًا، والقلق لأن سرعة التحول تبدو أكبر أحيانًا من قدرة مؤسساتنا على التفكير الهادئ في نتائجه. فالذكاء الاصطناعي دخل بالفعل إلى قاعات الدرس والجامعات وهواتف الطلبة ومكاتب الأساتذة، ولم يعد ينتظر أن تضع له الوزارات استراتيجية نهائية أو أن تنتهي اللجان من إعداد تقاريرها. لقد وصل أولًا إلى يد الطالب، ثم بدأ النظام التعليمي يحاول اللحاق به.

ما يلفتني في جولة هذا الأسبوع عبر أخبار دول شمال إفريقيا هو أن المشهد لا يقدم صورة واحدة موحدة. كل بلد يبدو وكأنه يمسك بطرف مختلف من الخيط. المغرب ينظر أكثر إلى الجامعة والبحث والابتكار، الجزائر تبحث في القوة الحسابية والبنية التحتية، تونس تنشغل بأسئلة التدريس والتقييم، مصر تتجه إلى توسيع الوصول إلى أدوات الذكاء الاصطناعي وتدريب الطلبة، موريتانيا تدرجه ضمن مسار إصلاح التعليم، وليبيا تراهن على تكوين الشباب والمهارات الرقمية. ومع ذلك أشعر أن هذه المسارات الستة ليست متفرقة كما تبدو، بل هي أجزاء من سؤال واحد كبير: أي إنسان نريد أن تصنعه المدرسة في عصر الآلة الذكية؟

في المغرب يهمني خصوصًا أن النقاش بدأ يتجاوز مجرد الإعجاب بالأدوات الجديدة. هناك إشارات متزايدة إلى أن الجامعة مطالبة بأن تصبح منتجة للمعرفة الرقمية لا مجرد مستهلكة لها. هذا التحول في نظري شديد الأهمية، لأن الخطر الحقيقي ليس في أن يستعمل الطالب ChatGPT أو غيره، بل في أن نكتفي جميعًا بالاستعمال ونترك الإنتاج العلمي والتقني للآخرين. يمكن لأي طالب أن يفتح أداة ذكاء اصطناعي في ثوان، لكن بناء نموذج لغوي، أو تطوير خوارزمية، أو إنشاء مختبر قوي، أو تدريب باحثين قادرين على المنافسة، يحتاج إلى منظومة مختلفة تمامًا من الاستثمار والصبر والتكوين.

وأفكر كثيرًا في الجامعة المغربية وهي تقف أمام هذا التحول. لسنوات طويلة ظل جزء مهم من التعليم الجامعي يقوم على علاقة واضحة: أستاذ يقدم معرفة، وطالب يتلقاها، ثم امتحان يقيس مقدار ما احتفظ به الطالب في ذاكرته. هذه البنية نفسها تتعرض الآن للاهتزاز. فما قيمة سؤال يستطيع نموذج ذكاء اصطناعي أن يجيب عنه في ثانيتين؟ وما معنى واجب منزلي يمكن للآلة أن تكتب معظمه؟ وكيف نعرف أن النص الذي أمامنا يعكس فكر الطالب لا مهارة الآلة؟

بالنسبة إلي، لا أرى في ذلك نهاية للجامعة، بل بداية امتحانها الحقيقي. فالجامعة التي تقوم على الحفظ ستتضرر كثيرًا، أما الجامعة التي تعلم التفكير والنقد والاستقلال الفكري، فقد تجد في الذكاء الاصطناعي فرصة ثمينة لإعادة تعريف مهمتها.

في الجزائر يلفتني شيء آخر أكثر مادية وأقل ظهورًا في النقاش الشعبي: القدرة الحسابية. نحن نحب الحديث عن الذكاء الاصطناعي كما لو كان فكرة طافية في الهواء، لكن وراء كل نموذج قوي مراكز بيانات ومعالجات متقدمة وطاقة واستثمارات ضخمة. لهذا تبدو لي المبادرات الجزائرية المرتبطة بالحوسبة عالية الأداء مهمة جدًا، لأنها تذهب إلى البنية العميقة للمسألة. لا يكفي أن نُعلّم الطالب البرمجة، بل يجب أن نمنحه بيئة حقيقية للتجريب والابتكار.

أرى في هذا النقاش بعدًا سياديًا أيضًا. الدولة التي لا تملك بنية حسابية ولا بيانات ولا مختبرات قوية تظل مضطرة إلى استئجار المستقبل من الآخرين. قد تستعمل أفضل الأدوات، لكنها تبقى مرتبطة تقنيًا واقتصاديًا بمن يملك الخوادم والنماذج والمنصات. وهذا ما يجعل موضوع الذكاء الاصطناعي أكبر بكثير من التعليم وحده. نحن أمام قضية تتصل بالاستقلال العلمي وبقدرة الجامعة على أن تكون جزءًا من القرار الاستراتيجي للدولة.

في تونس يأخذ التفكير منحى مختلفًا يثير اهتمامي كثيرًا، لأنه يدخل مباشرة إلى الفصل الدراسي وإلى الامتحان وإلى العلاقة بين الأستاذ والطالب. ماذا نفعل إذا أصبحت الكتابة نفسها مشتركة بين الإنسان والآلة؟ هل نمنع استعمال الذكاء الاصطناعي؟ أم نسمح به؟ وإذا سمحنا به، فكيف نقيس مهارة الطالب؟

هذه الأسئلة في نظري ستعيد تشكيل التعليم كله. ربما كنا طيلة عقود نبالغ في تقييم الحفظ والقدرة على إعادة صياغة ما يعرفه الأستاذ مسبقًا. اليوم تستطيع الآلة أن تقوم بجزء كبير من هذا العمل، ولذلك يصبح المطلوب من الطالب مختلفًا: أن يسأل، أن يشك، أن يقارن، أن يتحقق، أن يكتشف خطأ الآلة، وأن يعرف لماذا يرفض إجابة تبدو مقنعة.

وهنا أصل إلى نقطة أعتبرها مركزية: الذكاء الاصطناعي قد يجبر المدرسة على العودة إلى جوهر التربية. فإذا كانت الآلة تستطيع أن تعطيني معلومة، فعلى المدرسة أن تعلمني ماذا أفعل بهذه المعلومة. وإذا كانت الخوارزمية تستطيع أن تكتب لي نصًا، فعلى الجامعة أن تعلمني كيف أعرف إن كان هذا النص جيدًا أو سطحيًا أو مزيفًا أو متحيزًا. إننا ننتقل تدريجيًا من تعليم الأجوبة إلى تعليم الحكم على الأجوبة.

في مصر يبدو المشهد أكثر حيوية من حيث انتشار الأدوات واتساع دائرة المستفيدين. هناك ميل واضح إلى إدخال الطلبة في التجربة مباشرة، سواء عبر الهاكاثونات أو المنصات أو إتاحة خدمات الذكاء الاصطناعي. وأنا أرى في ذلك فرصة كبيرة، بشرط ألا يتحول الأمر إلى مجرد سباق نحو استعمال أكبر عدد من الأدوات.

فأنا مقتنع أن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن ينتج الذكاء الاصطناعي جيلًا سريع الوصول إلى الأجوبة لكنه ضعيف الصبر على التفكير. نحن نعيش أصلًا في بيئة رقمية صنعت ثقافة السرعة: فيديو قصير، عنوان مختصر، إجابة فورية. ومع الذكاء الاصطناعي تصبح هذه السرعة أكثر قوة وإغراءً. يمكن للطالب أن يختصر عشرات الصفحات في ثوان، وأن يطلب تفسير نظرية، وأن يحصل على مقال جاهز، لكن ماذا يبقى من تجربته المعرفية إذا لم يتعلم المقاومة قليلًا؟ إذا لم يتعلم القراءة البطيئة، والشك، والمراجعة، والعودة إلى المصدر؟

لهذا أرى أن الحديث في مصر عن التفكير النقدي وكشف التضليل ليس موضوعًا جانبيًا، بل ربما يكون أكثر أهمية من تعليم استعمال الأدوات نفسها. المستقبل لن يعاني من ندرة المعلومات، بل من فيضانها. والمواطن المتعلم لن يكون بالضرورة من يعرف أكثر، بل من يعرف كيف يميز.

أما موريتانيا فتذكرني بحقيقة أساسية كثيرًا ما تنساها الخطابات المتحمسة للتكنولوجيا: لا يمكن بناء تعليم ذكي فوق بنية رقمية ضعيفة. قبل أن نتحدث عن النماذج اللغوية، علينا أن نتحدث عن الإنترنت. وقبل أن نتحدث عن الفصول الذكية، علينا أن نسأل هل كل المناطق متصلة أصلًا؟ وقبل أن نطالب المدرس باستعمال الذكاء الاصطناعي، علينا أن نعرف هل حصل على تكوين رقمي كاف.

ومع ذلك أرى أن موريتانيا تملك فرصة خاصة. التكنولوجيا يمكنها أن تقلل من أثر المسافات الجغرافية، وأن تنقل موارد تعليمية إلى مناطق بعيدة، وأن تساعد مدرسًا واحدًا على الوصول إلى عدد أكبر من المتعلمين. وفي بلد واسع جغرافيًا، يمكن للتعليم الرقمي أن يكون أكثر من ترف تقني؛ يمكن أن يصبح أداة للعدالة التعليمية.

لكن العدالة الرقمية لا تتحقق بشراء الأجهزة فقط. تحتاج إلى محتوى مناسب، ولغة مناسبة، ومدرس قادر على الوساطة، وبنية تحتية مستقرة، وسياسة واضحة حتى لا تتحول الفجوة الرقمية إلى شكل جديد من أشكال التفاوت الاجتماعي.

في ليبيا يتجه الاهتمام بدرجة واضحة إلى الشباب والتدريب. وأنا أفهم هذا الخيار، لأن سوق العمل نفسه يتغير بسرعة. كثير من المهن ستتأثر بالأتمتة والذكاء الاصطناعي، وستظهر مهن جديدة بينما تتراجع أخرى. لكنني أعتقد أن التدريب يصبح ذا قيمة فقط عندما يجد أمامه اقتصادًا قادرًا على استيعابه.

قد ندرب آلاف الشباب على البرمجة والذكاء الاصطناعي، لكن ماذا بعد؟ إذا لم توجد شركات ومشاريع وحاضنات وتمويل وسوق رقمية حقيقية، سيجد كثير منهم أنفسهم أمام خيارين: البطالة أو الهجرة. وهنا تصبح سياسة التعليم الرقمي مرتبطة مباشرة بسياسة الاقتصاد.

كلما تابعت هذه الأخبار ازداد اقتناعي بأن الذكاء الاصطناعي لا يمكن أن يعالج بمعزل عن بقية المنظومة. لا توجد استراتيجية تعليمية رقمية ناجحة من دون اقتصاد رقمي، ولا اقتصاد رقمي قوي من دون جامعة منتجة، ولا جامعة منتجة من دون بحث وتمويل، ولا بحث قوي من دون بنية تحتية.

وأجدني أعود دائمًا إلى الأستاذ. ففي كل هذا الضجيج حول الذكاء الاصطناعي والمنصات والنماذج والخوارزميات، أخشى أحيانًا أن ننسى الإنسان الموجود في قلب العملية التعليمية. المدرس الذي قضى عشرين أو ثلاثين سنة في التعليم يجد نفسه اليوم مطالبًا بفهم أدوات لم تكن موجودة عندما بدأ مهنته. يُطلب منه أن يعرف كيف يتعامل مع الطالب الذي يستخدم الذكاء الاصطناعي، وكيف يصمم امتحانًا جديدًا، وكيف يميز بين الإنتاج الشخصي والمساعدة الآلية، وكيف يحمي القيم الأكاديمية.

لا أعتقد أنه من العدل أن نلقي بهذا العبء كله على المدرس من دون أن نوفر له تدريبًا مستمرًا. إذا أردنا مدرسة حديثة فعلًا، فالأولوية يجب أن تكون تكوين الأستاذ لا شراء الأجهزة. الجهاز يتقادم خلال سنوات، أما الأستاذ المدرَّب فيستطيع أن يتكيف مع أجيال متتالية من التكنولوجيا.

هناك أيضًا سؤال يؤرقني يتعلق بالفجوة الاجتماعية. أحيانًا نتحدث عن الذكاء الاصطناعي كأنه أداة متاحة للجميع بالتساوي، لكنه ليس كذلك. هناك طالب يملك حاسوبًا سريعًا واشتراكًا مدفوعًا وإنترنت ثابتًا ويتقن الإنجليزية، وهناك طالب آخر يعتمد على هاتف بسيط واتصال محدود. الأول يدخل عالمًا معرفيًا واسعًا، والثاني يقف على بابه.

هذه الفجوة قد تصبح أخطر من الفجوة الرقمية القديمة. فالمشكلة لن تكون فقط في وجود الإنترنت أو غيابه، بل في جودة الوصول، وفي القدرة على استعمال الأدوات المتقدمة، وفي الثقافة الرقمية نفسها. لهذا أرى أن العدالة التعليمية في السنوات المقبلة ستعني أيضًا العدالة في الوصول إلى الذكاء الاصطناعي.

ثم تأتي اللغة. وهذه مسألة تمسني بعمق لأننا في شمال إفريقيا نعيش داخل فضاء لغوي شديد التعقيد والغنى في الوقت نفسه. العربية، الأمازيغية، الفرنسية، اللهجات المحلية، والإنجليزية التي أصبحت لغة أساسية في العلوم والتكنولوجيا. فماذا يحدث إذا كانت أقوى أنظمة الذكاء الاصطناعي تتعلم أساسًا من الإنجليزية؟ هل ستصبح ثقافتنا مجرد هامش صغير داخل ذاكرة الخوارزميات؟

أنا لا أرى هذه المسألة تقنية فقط، بل ثقافية وحضارية أيضًا. إذا أردنا أن تدخل شعوبنا عصر الذكاء الاصطناعي من موقع الفاعل، فعلينا أن نغذي النماذج بلغاتنا وكتبنا وأرشيفاتنا وأدبنا وتاريخنا ومناهجنا. وإلا سنستعمل أدوات تعرف عنا أقل بكثير مما نعتقد.

بل إنني أذهب أبعد من ذلك: المعركة المقبلة قد تكون معركة الذاكرة. من يضع المعرفة داخل النماذج؟ من يقرر ما الذي تتعلمه؟ ما الكتب التي تقرؤها الخوارزمية؟ وأي سردية عن تاريخنا ستنتقل إلى الأجيال المقبلة عبر هذه الأدوات؟

هناك أخيرًا مسألة البيانات. الطالب الذي يستخدم منصة تعليمية لا يترك إجابات فقط، بل يترك أثرًا كاملًا عن نفسه: مستواه، أخطاؤه، اهتماماته، سرعة التعلم، أوقات النشاط، وربما حتى نمط التفكير. هذه البيانات يمكن أن تساعد على تحسين التعليم، لكنها يمكن أيضًا أن تتحول إلى سلعة أو وسيلة للمراقبة.

ومن هنا أرى أن السيادة التعليمية في المستقبل ستقاس بقدرتنا على حماية بيانات المتعلمين بقدر ما تقاس بعدد الحواسيب في المدارس.

بعد هذه الجولة في شمال إفريقيا، لا أستطيع أن أنظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره مجرد تطور تقني. إنه مرآة تكشف نقاط القوة والضعف في أنظمتنا التعليمية. يكشف جودة الجامعة، ومستوى البحث العلمي، ومدى جاهزية الأستاذ، وعدالة توزيع الموارد، وقدرة الدولة على التفكير في المستقبل.

المغرب والجزائر وتونس ومصر وموريتانيا وليبيا تتحرك جميعًا، لكن السرعة وحدها لا تكفي. السؤال بالنسبة إلي ليس من سيعلن أول استراتيجية، ولا من سيقتني أكبر عدد من الأجهزة، ولا من سينظم أكثر المؤتمرات، بل من سيتمكن من تحويل هذه التكنولوجيا إلى معرفة حقيقية وإلى استقلال فكري وإلى فرص عادلة للطلاب.

ولا أريد مدرسة تجعل الطالب أكثر اعتمادًا على الآلة. أريد مدرسة تجعل الآلة نفسها موضوعًا للسؤال والنقد. أريد طالبًا يستطيع استعمال الذكاء الاصطناعي، لكنه يستطيع أيضًا إغلاقه والتفكير وحده. طالبًا يعرف كيف يطلب المساعدة من الخوارزمية، لكنه لا يسلمها عقله.

ذلك بالنسبة إلي هو جوهر التعليم في المرحلة المقبلة.

فالذكاء الاصطناعي قد يكون أذكى أداة دخلت الفصل الدراسي في التاريخ، لكن المدرسة تظل مسؤولة عن شيء لا تستطيع الخوارزمية ضمانه: أن تجعل الإنسان أكثر وعيًا، وأكثر حرية، وأكثر قدرة على اتخاذ قراره بنفسه.

ومن هنا يبدأ الرادار الحقيقي.

ليس رادار الأجهزة والمنصات، بل رادار الإنسان.

بقلم الكاتب المغربي عبده حقي



0 التعليقات: