الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الجمعة، أكتوبر 16، 2026

الرادار الثقافي الأسبوعي للكتب الجديدة: م عبده حقي


لا أتعامل مع قوائم الكتب الجديدة باعتبارها مجرد دليل تسوق ثقافي، ولا أرى في عبارة «صدر حديثًا» إعلانًا تجاريًا بريئًا ينتهي مفعوله بمجرد وضع الكتاب على رف المكتبة. بالنسبة إليّ، كل مجموعة من الإصدارات المتزامنة تشبه صورة جماعية لأسئلة المجتمع في لحظة بعينها. وما يصل إلى المكتبات العربية خلال أكتوبر 2026 يجعلني أعتقد أننا أمام لحظة ثقافية تتغير فيها موضوعات الكتاب العربي بوضوح؛ فالحرب والمنفى والذاكرة لا تزال حاضرة بقوة، لكن بجانبها برز سؤال جديد يتقدم بسرعة إلى مركز المشهد: ماذا يحدث للإنسان وعقله وعمله ومعرفته بعد أن دخلت الخوارزميات والذكاء الاصطناعي في كل تفاصيل الحياة؟

جولتي في جديد دور النشر والمواقع الثقافية العربية خلال الأيام الأخيرة قادتني إلى عناوين مختلفة في ظاهرها، لكنها تكاد تتحاور في العمق. رواية أميركية عن العبودية تصل إلى العربية من أربيل، ورواية فلسطينية عن المنفى تصدر من بيروت، وكتاب مغربي عن العقل الخوارزمي تطبعه دار عربية عريقة، وسيرة سياسية لملك مصري، وكتاب عن سوريا من فيصل الأول إلى حاضرها، ودراسة عن العلاقات اللبنانية السورية، وترجمة لإديث وارتون، وكتاب فلسفي عن معنى العمل. هذا التعدد ليس تفصيلًا هامشيًا، بل علامة على مكتبة عربية بدأت تتسع من جديد لتحتضن الرواية والفكر والتاريخ والأسئلة التكنولوجية في الوقت نفسه.

أبدأ من «الرحلة الوسطى» للروائي الأميركي تشارلز جونسون، الصادرة بالعربية في ترجمة أسامة إسبر عن دار قرطاس في أربيل. الرواية ليست جديدة في أصلها الإنجليزي، لكنها تدخل عام 2026 إلى دورة قراءة عربية جديدة، وهذا وحده مهم. إنها تستعيد الرحلات البحرية المرتبطة بتجارة العبيد عبر الأطلسي، وتجعل من السفينة مختبرًا فلسفيًا وأخلاقيًا لفكرة الحرية. لا نقرأ هنا فقط عن مأساة مضت، بل عن سؤال لم يغادر الإنسانية: ماذا يحدث عندما يصبح الإنسان سلعة، وعندما تتحول القوة الاقتصادية إلى شرعية للاستعباد؟ الرواية الفائزة بجائزة الكتاب الوطنية الأميركية تعود إلينا في توقيت أصبحت فيه أسئلة العنصرية والهجرة والحدود والذاكرة الاستعمارية أكثر حضورًا من أي وقت مضى.

من البحر التاريخي للعبودية أنتقل إلى جغرافيا المنفى الفلسطيني مع رواية «خارج السرب» للكاتب والصحافي الفلسطيني ـ الأميركي نظام المهداوي، الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت. ما يثيرني في تقديم هذه الرواية أنها لا تتعامل مع الوطن بوصفه نقطة ثابتة على الخريطة، بل باعتباره سؤالًا ينتقل مع الإنسان من مكان إلى آخر. الخليج وفلسطين ولبنان والكويت وأميركا ليست مجرد محطات؛ إنها طبقات من تجربة شخص يكتشف أن الإنسان يستطيع أن يحمل أكثر من مكان في ذاكرته، وأن يفقد في الوقت نفسه القدرة على القول بثقة: هنا بيتي النهائي. الرواية تربط كذلك بين الصحافة والأبوة والعلاقات الشخصية والذاكرة الفلسطينية، فتتحول السيرة الفردية إلى جزء من سردية عربية أوسع عن الشتات.

وأعتقد أن هذا الحضور القوي لموضوع المنفى ليس صدفة. الأدب العربي الحديث كتب الهجرة كثيرًا، لكنه يكتبها اليوم بوعي مختلف. لم يعد المهاجر مجرد شخص غادر بلدًا ووصل إلى آخر، بل أصبح إنسانًا موزعًا بين هويات وذاكرات ولغات ومؤسسات. وحتى عندما يستقر جسده في مكان آمن، قد تظل ذاكرته في حرب لم تنته بعد.

وفي هذا السياق تستوقفني أيضًا نوفيلا «سُدُف» للسوري فادي عزام الصادرة عن نوفل ـ هاشيت أنطوان، وإن سبقت الموجة الأخيرة ببضعة أسابيع. العمل يتحرك بين الحياة والموت والذاكرة والخراب، ويبدو كأنه يكتب بلادًا عاجزة عن مغادرة مأساتها بصورة نهائية. هذه الكتابة السورية الجديدة لا تكتفي غالبًا بتوثيق ما وقع؛ إنها تبحث عن لغة تستطيع حمل ما يتجاوز قدرة اللغة العادية على الوصف.

ويظهر التجريب كذلك في «أصفح لكم عن جسدي وخيالي» لأنس الأسعد، الصادرة عن دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع. المجموعة تتحرك، بحسب تقديمها، بين السيرة المتخيلة والعوالم المستقبلية الساخرة وتنوع الأشكال السردية واللغوية. وما يعنيني هنا هو هذا الميل إلى تكسير الحدود القديمة بين الأجناس. القصة المعاصرة لم تعد مضطرة إلى أن تسير من بداية واضحة إلى نهاية مغلقة؛ بإمكانها أن تستعير من السيرة والسينما والخيال العلمي والوثيقة والمنصات الرقمية في آن واحد.

وفي الأدب البوليسي، تقدم ميرنا المهدي الجزء السادس من سلسلة «تحقيقات نوح الألفي» تحت عنوان «قضية السنوات السبع» عن دار الكرمة. قد يبدو الكتاب بعيدًا عن القضايا الفلسفية والتاريخية الثقيلة، لكن حضوره مهم بالنسبة إليّ لأنه يكشف تحولًا في الذائقة. أدب الجريمة العربي، الذي عاش طويلًا في الهامش مقارنة بالرواية الاجتماعية والسياسية، يبني اليوم جمهوره وسلاسله وشخصياته المتكررة، وهي علامات على سوق أدبية أكثر تنوعًا.

بيروت بدورها تعود إلى المشهد بقوة مع معرض بيروت العربي الدولي للكتاب. وضمن فعالياته حضرت دار الساقي بمجموعة من الأعمال، من بينها «غرفة المرايا» لرامي طويل. الرواية تستدعي بيروت القديمة عبر شخصية أستاذ جامعي منعزل تبدأ حياته في الاختلاط بحكايات وذكريات وشخصيات تذيب الحدود بين الواقع والخيال. إنها بيروت السينما والأسواق والحروب والعمارات التي اختفت أو تغيرت، أي المدينة التي تصبح فيها الذاكرة شكلًا آخر من أشكال المقاومة ضد المحو.

وفي جناح الدار نفسه حضر رشيد الضعيف بروايته الجديدة «هسّ!»، بينما أطلقت فاطمة شرف الدين قصتها «لماذا اختفت شجرة التفاح؟». ولا أضع كتاب الطفل هنا باعتباره هامشًا على «الأدب الجدي». على العكس، فإن إحدى علامات حيوية صناعة النشر هي قدرتها على التعامل مع الطفل بوصفه قارئًا كامل الأهلية، لا مستهلكًا لنصوص تعليمية مبسطة فحسب.

لكن العنوان الذي لفت انتباهي أكثر في الرصد الأخير هو كتاب المفكر المغربي سعيد ناشيد «نقد العقل الخوارزمي: معرفة بلا فهم، وجهل مدجج بالمعلومات» الصادر عن دار التنوير. يكفي العنوان، في رأيي، لفتح واحد من أعقد نقاشات عصرنا. فنحن نعيش مفارقة غير مسبوقة: نملك الوصول إلى كميات هائلة من المعلومات، لكن وفرة المعلومات لا تضمن عمق المعرفة، كما أن سرعة العثور على الإجابة لا تعني القدرة على فهم السؤال.

هذه المسألة ستصبح مركزية في الثقافة العربية خلال السنوات المقبلة. ماذا يبقى من القراءة العميقة عندما يقدم الذكاء الاصطناعي ملخصًا لكل كتاب؟ ماذا يحدث للذاكرة عندما يصبح كل شيء قابلًا للاسترجاع بضغطة واحدة؟ ماذا يقع للكاتب والقارئ والباحث عندما تتوسط الخوارزمية علاقته بالنص والعالم؟ وما الفرق بين إنسان يعرف، وإنسان تملك أجهزته القدرة على الوصول إلى المعرفة نيابة عنه؟ صدور كتاب يضع «العقل الخوارزمي» في عنوانه مؤشر مهم على أن الفكر العربي بدأ يغادر مرحلة الانبهار التقني ليدخل مرحلة النقد الفلسفي للرقمنة.

وعلى الرف نفسه تقريبًا نجد «التراث والمنهج: بين أركون والجابري» لنايلة أبي نادر، وهو أيضًا من إصدارات دار التنوير الحديثة. هنا تبدو المفارقة جميلة ودالة: كتاب عن الخوارزميات بجوار كتاب يعيد فتح ملف التراث من خلال محمد أركون ومحمد عابد الجابري. بينهما عقود طويلة من الأسئلة الفكرية، لكن المشكلة واحدة في جوهرها: بأي أدوات نفكر؟ الجابري وأركون سألا عن آليات العقل والتراث والمنهج، والجيل الحالي يسأل عن العقل نفسه بعدما صارت الآلة شريكًا في إنتاج المعرفة.

هذا التقاطع بين التراث والخوارزمية هو، بالنسبة إليّ، أحد أهم ملامح المرحلة المقبلة في الفكر العربي. فالمشكلة لم تعد أن نختار بين الماضي والمستقبل، بل أن نملك الأدوات النقدية التي تسمح لنا بفهم الاثنين.

ومن الكتب التي تستحق التوقف عندها أيضًا «فؤاد الأول ملك مصر.. المثقف المستبد» للدكتور محمد أبو الغار، الصادر حديثًا عن دار الشروق. الكتاب يعيد النظر في شخصية الملك فؤاد الأول، وعلاقته بالحركة الوطنية وسعد زغلول والحياة الدستورية والحريات، وفي الوقت نفسه بدوره في بناء عدد من المؤسسات الحديثة.

يعجبني في مثل هذه الكتب أنها تزعج الصورة المريحة للتاريخ. فالشخصية السياسية قد تكون راعية للثقافة ومؤسساتها، وفي الوقت نفسه خصمًا للدستور أو الحريات. والتاريخ الجيد لا ينبغي أن يحول شخصياته إلى ملائكة أو شياطين، بل أن يكشف مناطق التناقض. حتى عنوان «المثقف المستبد» يبني منذ البداية هذه المفارقة بين التحديث من جهة والسلطة من جهة أخرى.

السؤال السياسي حاضر كذلك في كتاب ساطع نور الدين «لبنان وسوريا: تخوم الجغرافيا وصدوع السياسة» الصادر عن نوفل/هاشيت أنطوان. الكتاب يتطلع، بحسب تقديمه، إلى ما يتجاوز السرد التاريخي للعلاقة بين البلدين، باحثًا عن إمكان بناء علاقة جديدة تمنع إعادة إنتاج الصدامات الأمنية والسياسية القديمة.

أما إبراهيم الجبين فيدفع التاريخ السوري إلى مدى أوسع في كتاب «من فيصل الأول إلى أحمد الشرع: لحظات سورية الفارقة» الصادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر. العنوان نفسه يجمع لحظتين تفصل بينهما تحولات هائلة في الدولة والمجتمع والإقليم، وكأن المؤلف يحاول أن يسأل: ما الذي بقي من سوريا بين تأسيس الدولة الحديثة وكل ما أصابها من انقلابات وحروب وتمزقات وتحولات؟

ثم تأتي الترجمة لتؤكد أن المكتبة العربية ليست مغلقة على نفسها. فقد أصدر المركز القومي للترجمة بالقاهرة «إيثان فروم وقصص أخرى» للكاتبة الأميركية إديث وارتون، بترجمة وائل حمدي محمد. وهي عودة تستحق الترحيب إلى أدب يشتغل على النفس الإنسانية، والعزلة، والحب المحاصر بالواقع الاجتماعي والاقتصادي.

ولا يقل إثارة بالنسبة إليّ صدور «فلسفة العمل» لس. ديليزيل برنز، بترجمة محسن ويفي ومراجعة أحمد زايد. لماذا نعمل؟ هل من أجل الأجر فقط؟ هل العمل حق أم واجب أم أحد أشكال تحقيق الذات؟ هذه الأسئلة القديمة تبدو اليوم شديدة الحداثة بسبب الذكاء الاصطناعي والأتمتة. نحن نقترب من عالم تستطيع فيه الآلة القيام بجزء متزايد من الأعمال الذهنية، وليس اليدوية فقط، ولذلك ستصبح فلسفة العمل جزءًا من فلسفة الإنسان نفسه.

وأضيف إلى هذه الخريطة كتابًا متخصصًا يكشف اتجاهًا آخر في التأليف العربي الراهن، هو «قانون حماية البيانات الشخصية وحوكمة الذكاء الاصطناعي.. من النص إلى الامتثال» للمستشار إيهاب أبو زيد، الصادر عن دار الفكر والقانون. وجود مثل هذا الكتاب مهم لأن التحول الرقمي لم يعد قضية تقنية فقط، بل أصبح قضية قانون وحقوق وخصوصية ومسؤولية. فالبيانات هي المادة الخام للعالم الخوارزمي، ومن يمتلكها أو يعالجها يمتلك قدرًا متزايدًا من السلطة.

عندما أجمع هذه العناوين على طاولة افتراضية واحدة، أكتشف أنني لست أمام كتب متفرقة بقدر ما أنا أمام خريطة للقلق العربي المعاصر. هناك خوف من ضياع الوطن، وخوف من ضياع الذاكرة، وقلق من التاريخ، وقلق من السلطة، ثم قلق جديد من أن نفقد شيئًا من استقلالنا العقلي ونحن نسلم مزيدًا من وظائف التفكير إلى الخوارزميات.

لكنني أرى في ذلك جانبًا إيجابيًا أيضًا. فالكتاب يصبح أكثر أهمية عندما لا يهرب من عصره. والرواية التي تدخل في مواجهة مع المنفى والاقتلاع، والدراسة التي تعيد مساءلة التاريخ، والكتاب الذي ينتقد العقل الخوارزمي، والترجمة التي تنقل تجربة إنسانية من ثقافة إلى أخرى، كلها أشكال مختلفة من مقاومة التبسيط.

ولهذا أعتقد أن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان العرب ما زالوا يقرأون، كما نردد بطريقة شبه طقوسية كل عام، بل ماذا نقدم للقارئ العربي كي يقرأ؟ وما مقدار التنوع الفكري والجمالي الذي تتيحه دور النشر؟ وهل نستطيع بناء حركة نقدية وإعلام ثقافي قادرين على نقل الكتب من رفوف المعارض إلى قلب النقاش العمومي؟

الإصدارات التي ظهرت خلال هذه الأيام تقول إن المادة موجودة. لدينا روايات تحفر في الذاكرة والمنفى، وكتب تعيد تفسير السلطة والتاريخ، وترجمات تستعيد كلاسيكيات عالمية، ودراسات تقتحم الذكاء الاصطناعي والخوارزميات والقانون. لكن التحدي الحقيقي يبدأ بعد الطباعة: الوصول إلى القارئ، والتوزيع العربي، والمراجعة النقدية الجادة، والمكتبات العامة، والكتاب الرقمي، وربط القراءة بالمدرسة والجامعة والإعلام والمنصات الجديدة.

فالكتاب الذي لا يصل إلى قارئه يبقى حدثًا ناقصًا، مهما كانت قيمته.

وأنا أقرأ خريطة أكتوبر 2026، لا أرى مكتبة عربية تحتضر كما يحب بعض الخطابات المتشائمة أن تقول، بل أرى مكتبة تحاول إعادة تعريف نفسها. إنها تخرج ببطء من التقسيم التقليدي بين «أدب» و«فكر» لتدخل فضاء تتقاطع فيه الرواية مع التاريخ، والفلسفة مع التكنولوجيا، والسياسة مع الذاكرة، والترجمة مع سؤال الهوية.

وقد يكون أجمل ما في هذه الموجة من الكتب أنها تضعنا أمام حقيقة بسيطة: العالم يتغير بسرعة مذهلة، لكن حاجتنا إلى الكتاب لم تختف. الذي تغير هو نوع الأسئلة التي نطلب منه أن يساعدنا على مواجهتها.

من سفن العبيد في «الرحلة الوسطى» إلى المهاجر الفلسطيني في «خارج السرب»، ومن الملك المثقف المستبد إلى العقل الخوارزمي، ومن مأساة سوريا إلى فلسفة العمل، تتحرك المكتبة العربية الجديدة بين الماضي الذي لم يغلق ملفاته والمستقبل الذي وصل قبل أن نستعد له تمامًا.

وبين الاثنين، يظل الكتاب أحد الأماكن القليلة التي تمنح الإنسان فرصة ثمينة لا توفرها له الخوارزميات بسهولة: أن يتوقف، وأن يشك، وأن يقرأ ببطء، وأن يفكر بنفسه.



0 التعليقات: