الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الخميس، أكتوبر 15، 2026

الملحدون والزنادقة والدهريون… التاريخ المسكوت عنه للشك في الحضارة الإسلامية: عبده حقي


تبدو كلمة «الإلحاد» اليوم واضحة في ظاهرها؛ فهي تحيل عادة إلى إنكار وجود الله، لكن العودة بها إلى القرون الأولى للحضارة الإسلامية تضعنا أمام متاهة لغوية وفكرية لا يجوز اقتحامها بمفاهيم عصرنا وحدها. فالتراث استعمل كلمات مثل «الملحد» و«الزنديق» و«الدهري» و«المعطل» و«صاحب البدعة» استعمالات متباينة، ولم تكن الحدود بينها دائمًا حاسمة. وقد يكون الرجل مؤمنًا بالخالق لكنه منكرًا للنبوة، أو شاكًا في بعض العقائد، أو ناقدًا للمؤسسة الدينية، ثم تضعه المصادر اللاحقة في خانة الزنادقة. وقد يكون صاحب مذهب ديني ثنوي يؤمن بقوى غيبية كاملة، ومع ذلك يسمى زنديقًا، بينما لا تنطبق عليه صفة الإلحاد بمعناها الحديث إطلاقًا.

لذلك فإن الحديث عن «أشهر الملحدين في الحضارة الإسلامية» يحتاج قبل تعداد الأسماء إلى تصحيح السؤال نفسه: هل نبحث عن منكري الله، أم عن منكري النبوة، أم عن الدهريين القائلين بأزلية العالم، أم عن المتشككين، أم عن نقاد الأديان، أم عن أشخاص اتُهموا بالزندقة لأسباب فكرية أو سياسية؟ إن هذه الدوائر قد تتقاطع، لكنها لا تتطابق. وتشير دراسة حديثة ضمن The Cambridge History of Atheism إلى أن الإلحاد الصريح، أي إنكار وجود الله، كان نادرًا نسبيًا في العالم الإسلامي الوسيط، بينما عرفت البيئة الثقافية مفكرين يمكن وصفهم بدرجة أكبر بأنهم أصحاب تفكير حر أو نقاد للنبوة والوحي والتقليد.

قبل الأسماء: ماذا كانت تعني «الزندقة»؟

الزندقة هي أول فخ يقع فيه القارئ المعاصر. فالزنديق في العصر العباسي ليس مرادفًا آليًا لـ«الملحد». ارتبط اللفظ في مراحل مبكرة بتيارات ذات جذور فارسية، وخصوصًا المانوية والثنويات التي كانت تؤمن بقوى كونية متصارعة، ثم تمددت دلالته حتى أصبح وصفًا فضفاضًا يمكن أن يلصق بمخالف ديني أو صاحب أفكار غير مألوفة أو متهم بالعداء للعقيدة، وأحيانًا بمعارض سياسي.

ومن هنا يمكن فهم خطورة التعامل الساذج مع كتب الطبقات والملل والنحل. فعندما يخبرنا مؤلف من القرون الوسطى بأن شخصًا ما «كان زنديقًا»، فإن الباحث لا يستطيع تحويل العبارة فورًا إلى «كان ملحدًا». عليه أن يسأل: من الذي اتهمه؟ وفي أي سياق؟ وما العقيدة المنسوبة إليه تحديدًا؟ وهل وصلتنا مؤلفات الرجل نفسه أم أن صورته كلها بنيت من كتب الذين هاجموه؟

وهنا تبدأ قصة عدد من أكثر شخصيات التراث إثارة للجدل.

ابن الراوندي: الملحد الأشهر… أم المتكلم الذي تحول إلى أسطورة سوداء؟

يكاد اسم أبي الحسين أحمد بن يحيى ابن الراوندي يتصدر كل حديث عن الإلحاد في التراث الإسلامي. عاش في القرن الثالث الهجري، واقترب أول أمره من المعتزلة، ثم دخل معهم في خصومات فكرية عنيفة. وتنسب إليه المصادر عشرات الكتب، من بينها عناوين أصبحت شبه أسطورية في تاريخ الفكر الحر مثل «الزمرد» و«الدامغ».

الصورة الشائعة عنه تصور رجلًا انتقل تدريجيًا من الاعتزال إلى إنكار النبوة والطعن في المعجزات وإعجاز القرآن، حتى أصبح نموذجًا للزنديق الذي يستعمل العقل ضد الوحي. وتذكر كتب الردود اعتراضات نسبت إليه على المعجزات وعلى حجية النبوة وعلى إمكان البرهنة اليقينية على بعض العقائد.

ولكن المفاجأة أن البحث التاريخي الحديث يجعل الصورة أقل بساطة. فموسوعة Encyclopaedia Iranica تشير إلى أن ابن الراوندي ألّف أعمالًا جدلية كان يعرض فيها حججًا ضد بعض العقائد، لكن بعض المصادر الشرقية القديمة فهمت هذه الأعمال باعتبارها تمارين جدلية أو افتراضات يراد اختبار قوتها، وأنه ألّف أحيانًا ردودًا على كتاباته نفسها. بل إن صورته بوصفه «الهرطوقي الأكبر» قد تكون تكونت تدريجيًا مع انتقال أخباره بين خصومه.

لا يعني ذلك تبرئته بالكامل من كل نقد جذري للدين، وإنما يعني أن العبارة الدقيقة ليست: «نعرف يقينًا أن ابن الراوندي كان ملحدًا»، بل: نعرف يقينًا أنه كان متكلمًا جدليًا شديد الجرأة، وأن كتبًا وأفكارًا ناقدة للنبوة والعقائد نسبت إليه، بينما تبقى طبيعة اعتقاده النهائي موضع نقاش تاريخي.

إن الفارق هنا بالغ الأهمية. فمعظم الكتب التي جعلته رمزًا للإلحاد لم تصل إلينا كاملة، وصورته أعيد بناؤها بدرجة كبيرة من شظايا اقتبسها أصحاب الردود.

أبو عيسى الوراق: الرجل الذي سبق ابن الراوندي إلى المنطقة المحرمة

وراء ابن الراوندي يقف اسم أقل شهرة لدى الجمهور وأكثر أهمية لدى الباحثين: أبو عيسى محمد بن هارون الوراق.

كان متكلمًا ومؤلفًا مهتمًا بالأديان والفرق، وتنسب إليه تحولات فكرية متشابكة. وتشير Encyclopaedia Iranica إلى أنه انتقل إلى موقف وُصف بالمانوية، وإن كان من المحتمل ألا يكون مانويًا بالمعنى التنظيمي الصريح، بل مفكرًا مستقلًا. كما ألّف أعمالًا انتقد فيها عقيدة النبوة ومفهوم القرآن، ووصفه ابن النديم بأنه كان يخفي زندقته.

وهذه حالة ممتازة لتمييز الثابت من المنسوب. الثابت أن أبا عيسى كان صاحب اهتمام نقدي بالأديان والنبوة، وأن أفكاره تركت أثرًا واضحًا في المناقشات الكلامية اللاحقة، وأن ابن الراوندي عرف آراءه ودخل معها في تفاعل فكري. أما القول بأنه «ملحد ينكر الله» فلا يملك الدرجة نفسها من الإثبات.

كان التحدي الأكبر الذي مثله الوراق، مثل غيره من مفكري تلك الدائرة، متعلقًا على الأرجح بسؤال النبوة أكثر من سؤال وجود الله: لماذا يختار الله بشرًا محددين ليكونوا وسطاء بينه وبين الإنسانية؟ وما المعيار العقلي الذي يثبت صدق النبي؟ وهل المعجزة تكفي دليلًا؟ إنها أسئلة خطيرة في مجتمع يضع النبوة في صلب النظام المعرفي والأخلاقي والسياسي.

محمد بن زكريا الرازي: الطبيب المؤمن بالله والمتهم بهدم الأديان

ربما تعرض أبو بكر محمد بن زكريا الرازي إلى أكبر قدر من الاختزال. فقد تحول في بعض الكتابات الحديثة إلى «ملحد عربي»، مع أن فلسفته نفسها تجعل هذا الوصف غير دقيق.

فالرازي، الطبيب والفيلسوف الشهير، كان يؤمن بوجود الله. وتعيد المصادر بناء نظريته الكونية حول خمسة مبادئ أزلية: الله والنفس والمادة والزمان والمكان. ومن ثم فإن إنكار الخالق لا يمثل مذهبه المعروف.

فمن أين جاءت تهمة الإلحاد؟

جاءت أساسًا من آرائه المنسوبة إليه بشأن النبوة والأديان. فقد قدم أبو حاتم الرازي، وهو خصم إسماعيلي عاصره وحاوره، صورة له باعتباره يرى أن الله وهب البشر جميعًا العقل، ولذلك لا توجد ضرورة لأن يخص بعضهم بالوحي والنبوة. ووفق هذا النقل، يؤدي تعدد الأنبياء والشرائع أيضًا إلى انقسام البشر وصراع أتباع الأديان، بينما يستطيع العقل المشترك أن يهدي الإنسان إلى المعرفة والأخلاق.

إنها أطروحة راديكالية بالفعل، ولكنها ليست إلحادًا.

وتزداد المسألة تعقيدًا لأن بعض الأدلة الأخرى تنسب إلى الرازي مواقف أكثر إيجابية تجاه الوحي والأنبياء. وتشير موسوعة ستانفورد إلى وجود خلاف حقيقي بين الباحثين المعاصرين بشأن مدى صحة الصورة التي رسمها خصومه لموقفه الديني. بل إن ابن أبي أصيبعة أشار إلى احتمال أن يكون بعض ما نسب إليه في الطعن بالدين من وضع أعدائه.

لهذا فإن التصنيف الأدق للرازي هو: فيلسوف عقلاني مؤمن بالله نُسب إليه نقد جذري للنبوة والأديان الموحاة، مع بقاء حدود هذا النقد محل خلاف علمي.

والفرق شاسع بين هذه الجملة وبين القول المريح والسريع: «الرازي كان ملحدًا».

صالح بن عبد القدوس: حين تصبح تهمة الزندقة حكمًا بالموت

أما صالح بن عبد القدوس فيمثل نموذجًا أكثر درامية، لأن المسألة لم تبق عنده سجالًا فكريًا، بل انتهت بالإعدام في العصر العباسي بعد اتهامه بالزندقة.

كان شاعرًا وحكيمًا ومتكلّمًا من بيئة البصرة الثقافية، وعرف بالشعر التعليمي والحكمة. وتضعه الروايات في أجواء النقاشات الفكرية التي كانت تضج بها البصرة في القرن الثاني الهجري، وهي أجواء اختلطت فيها المعتزلة والثنويات وأصحاب الكلام والفكر الحر.

لكن هل كان صالح بن عبد القدوس ملحدًا؟

الأمر أبعد من أن يكون محسومًا. فحتى الدراسات التي تستعرض قضيته تلفت إلى أن نصوصه الشعرية الباقية لا تقدم دليلًا واضحًا على إلحاد صريح. بل تشير دراسة حديثة إلى وجود شكوك جدية في طبيعة التهمة، وأن بعض الباحثين رجحوا وجود خلفيات سياسية لإعدامه، خصوصًا أن كثيرًا من أشعاره التي وصلت إلينا تدافع عن قيم أخلاقية لا تتطابق بسهولة مع الصورة التي رسمت له باعتباره عدوًا مطلقًا للدين.

وهنا نصل إلى واحدة من أهم قواعد قراءة تاريخ الزندقة: الإعدام بتهمة الزندقة يثبت وقوع الاتهام والعقوبة، لكنه لا يثبت وحده صحة التهمة الفلسفية.

فالدولة العباسية، وخصوصًا في بعض مراحلها، تعاملت مع «الزندقة» ليس بوصفها قضية لاهوتية فحسب، بل بوصفها مشكلة تتصل بالنظام العام والولاء السياسي وحدود المجال الفكري.

أبو العلاء المعري: الشاعر الذي جعل الشك أسلوب حياة

مع أبي العلاء المعري تنتقل القصة من ساحات المحاكم الكلامية إلى أعماق التجربة الوجودية.

ولد المعري سنة 973م وفقد بصره صغيرًا، وعاش حياة زهد وعزلة وتأمل انتهت به إلى واحد من أكثر الأصوات فرادة في الأدب العربي. ومن يقرأ «اللزوميات» و«رسالة الغفران» يدرك بسهولة أن الرجل لم يكن شاعرًا تقليديًا يقبل الموروث كما هو. كان ساخرًا من التعصب، شديد الريبة تجاه التقليد، ناقدًا لجشع البشر ولممارسات رجال الدين، متشائمًا من الحياة، حتى إنه رفض الإنجاب واعتبر مجيء الإنسان إلى العالم تحميلًا له عبء الألم.

ولهذا وصفه بعض الكتاب بأنه ملحد.

لكن المشكلة مرة أخرى أن نصوص المعري أشد تعقيدًا من ذلك. فهو يستخدم مفردات الله والخالق والحكمة الإلهية في مواضع، ويبدو في أخرى شديد الشك في العقائد المتداولة وفي قدرة البشر على امتلاك الحقيقة الدينية المطلقة. وتصفه بعض المراجع الحديثة بأنه مفكر شكاك وناقد للمعتقدات السائدة، بينما تجعل دراسات أخرى توحيده وزهده عنصرين أساسيين في فهمه.

إن المعري ليس حالة يمكن حشرها بسهولة داخل مربع «مؤمن» أو «ملحد». الأهم فيه ربما هو الشك الأخلاقي والعقلي؛ رفضه أن يكون التقليد دليلًا، وسخريته من ادعاء الطوائف امتلاك الحقيقة، وتشديده على العقل والضمير.

إنه يمثل مرحلة مختلفة تمامًا من تاريخ اللادينية: ليس صاحب نظرية فلسفية منظمة في نفي الخالق، وإنما عقل يرفض الطمأنينة السهلة.

الدهريون: أين نجد الإلحاد الأقرب إلى مفهومه الحديث؟

إذا بحثنا عن الجماعة الأقرب إلى الإلحاد الفلسفي بمعناه الحديث، فإننا نصل أخيرًا إلى الدهرية.

كانت الكلمة تستخدم في المصادر الكلامية للإشارة إلى أشخاص يرون أن العالم المادي أزلي ونهائي، ولا يحتاج إلى خالق أحدثه من العدم. ولهذا تترجم كلمة dahriyya في بعض الدراسات إلى «Eternalists» أو «Materialists»، أي القائلين بأزلية العالم أو الماديين. ويعرّف أحد المراجع الفلسفية المصطلح باعتباره يشير إلى موقف يجعل الكون المادي أزليًا ونهائيًا ومن ثم ينفي وجود خالق له.

هنا بالفعل نقترب كثيرًا من الإلحاد الميتافيزيقي.

غير أن المفارقة الكبرى أن «الدهريين» أقل وضوحًا في التاريخ من ابن الراوندي أو الرازي أو المعري؛ فنحن نفتقر إلى مكتبة مستقلة كتبها أصحاب الدهرية بأنفسهم تشرح مذاهبهم كما نملك كتب المعتزلة أو الأشاعرة أو الفلاسفة.

وصلتنا الدهرية غالبًا في مرآة خصومها.

وهذا يفرض سؤالًا منهجيًا صعبًا: إلى أي حد كان «الدهري» شخصًا حقيقيًا ذا مذهب محدد، وإلى أي حد كان أيضًا نموذجًا جدليًا يبنيه المتكلم لكي يرد عليه؟

لا يعني غياب النصوص أن الدهريين لم يوجدوا، لكنه يجعل إعادة بناء أفكارهم أكثر حذرًا.

إنكار النبوة ليس إنكار الله

هذه هي العقدة المركزية التي تسمح بإعادة رسم الخريطة كلها.

عرف علم الكلام الإسلامي اعتراضًا شهيرًا على النبوة يقوم على مفارقة عقلية: إذا جاء النبي بما يستطيع العقل اكتشافه بنفسه، فما الحاجة إليه؟ وإذا جاء بما يناقض العقل، فلماذا يقبله العقل؟ وتشير موسوعة ستانفورد للفلسفة إلى أن مصادر الكلام نسبت أشكالًا من هذا الاعتراض إلى ابن الراوندي، وربطت انتفاء ضرورة النبوة أيضًا بالصورة المنقولة عن زكريا الرازي.

هذه الحجة لا تقول بالضرورة: «الله غير موجود».

إنها تقول شيئًا مختلفًا وأكثر دقة: يمكن وجود الله من دون ضرورة وجود الأديان الموحاة بالشكل المعروف.

وهذا هو الحد الفاصل الذي أهملته كثير من الكتابات المعاصرة. فالربوبية، وإنكار النبوة، ونقد الدين المؤسسي، والإلحاد، والدهرية ليست موقفًا واحدًا.

التاريخ المسكوت عنه… أم التاريخ الذي وصلنا من خلال خصومه؟

ربما ينبغي أيضًا مراجعة عبارة «التاريخ المسكوت عنه». فهذه الشخصيات لم تكن غائبة تمامًا عن كتب التراث؛ بل العكس، إن معرفتنا بكثير منها جاءت لأن المتكلمين والمؤرخين والفقهاء كتبوا عنها وردوا عليها.

لكن المشكلة أن التاريخ وصل إلينا مختل التوازن.

أصوات المتهمين ضاعت في حالات كثيرة، بينما بقيت كتب الادعاء والرد.

نقرأ عن كتاب لم يعد موجودًا من خلال رجل كتبه لكي يهدمه. نعرف حجة ابن الراوندي لأن خصمه اقتبسها قبل أن يجيب عنها، ونعيد تركيب الموقف الديني للرازي من مناظرة سجلها خصم إسماعيلي، ونعرف الدهريين من مؤلفات كتبت أساسًا لتفنيدهم.

ولهذا فإن المؤرخ الحديث مطالب بما يشبه عمل المحقق الجنائي: يفصل النص الأصلي عن تفسير الناقل، ويفرق بين المعلومة والتهمة، ويقارن الروايات المتعارضة، ويرفض تحويل أحكام القرون الوسطى إلى حقائق نهائية.

خريطة الشك في الحضارة الإسلامية

بعد كل ذلك يمكن رسم المشهد في سلسلة متدرجة تبدأ من نقد رجال الدين والممارسات الدينية، ثم تنتقل إلى رفض التقليد والشك في الموروث، ثم النقد الفلسفي للأديان، وبعده إنكار ضرورة النبوة والوحي، ثم بعض أشكال الربوبية والعقلانية المستقلة عن الدين، وصولًا إلى الدهرية والمادية القائلة بأزلية الكون، ثم إلى الإنكار الصريح لوجود الله.

وعلى هذه الخريطة يقف أبو العلاء المعري في منطقة الشك والنقد الأخلاقي والديني، ويقف زكريا الرازي، بحسب الروايات الأكثر راديكالية عنه، في منطقة العقلانية الناقدة للنبوة مع الإيمان بالله، ويظهر أبو عيسى الوراق وابن الراوندي في قلب الصراع حول النبوة والوحي، بينما يمثل صالح بن عبد القدوس نموذجًا لخطر الخلط بين التهمة السياسية والحقيقة الفكرية، وتبدو الدهرية الأقرب إلى المادية والإلحاد الفلسفي.

أما «الزندقة» فتظل مظلة تاريخية عريضة لا تصلح وحدها لتحديد عقيدة صاحبها.

والخلاصة أن الحضارة الإسلامية لم تكن كتلة فكرية مغلقة خالية من الاعتراض والشك. لقد كانت فضاءً شهد صراعات عقلية عميقة حول الله والنبوة والوحي والمعجزة والعقل والطبيعة والأخلاق، وكانت حدود المسموح والممنوع تتغير باختلاف الأزمنة والسلطات والمذاهب. لكن الإنصاف التاريخي يفرض أيضًا ألا نحول كل متشكك إلى ملحد، ولا كل زنديق إلى مادي، ولا كل ناقد للفقهاء إلى منكر لله.

وربما تكون المفارقة الأجمل في هذا التاريخ أن كثيرًا من الأفكار التي أراد أصحاب كتب الردود القضاء عليها بقيت حية لأنهم اقتبسوها لكي يفندوها. لقد ضاع الكتاب، وبقيت الحجة في كتاب خصمه؛ مات صاحب السؤال، لكن السؤال نفسه عبر القرون.

وهنا تكمن القيمة الفكرية الحقيقية لهذا التراث: ليس في البحث عن «ملحدين» نفتخر بهم أو ندينهم بأثر رجعي، وإنما في اكتشاف أن سؤال الشك نفسه كان حاضرًا داخل الحضارة الإسلامية، وأن العقل العربي الإسلامي عرف منذ وقت مبكر جدلًا حول حدود الوحي والعقل واليقين والتقليد. ومن ابن الراوندي وأبي عيسى الوراق إلى زكريا الرازي وأبي العلاء المعري، لا نلتقي تيارًا واحدًا ولا عقيدة موحدة، وإنما نلتقي تاريخًا متعدد الأصوات للقلق الفكري؛ تاريخًا ظل يسأل السؤال الذي لا يفقد راهنيته: إلى أي مدى يستطيع الإنسان أن يضع أكثر معتقداته قداسة أمام محكمة العقل، ثم يظل مستعدًا لقبول النتيجة أيًا كانت؟


0 التعليقات: