الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الخميس، أكتوبر 15، 2026

خمس صور لا تشيخ في داخلي فصل من سيرة ذاتية روائية: عبده حقي


لم تكن الصور الخمس التي وضعتها ذات مساء أمامي مجرد خمس مراحل من تغير الوجه، ولم أشعر وأنا أحدق فيها بأنني أراجع ألبومًا عائليًا قديمًا، بل بدا لي أنني أفتح خمسة أبواب متباعدة في بيت واحد، وأن وراء كل باب مدينة ورائحة وصوتًا ووجهًا لم يغادرني تمامًا. وجدتني أتنقل من مكناس التي ولدت فيها ذات الثالث عشر من غشت سنة 1956، إلى مكناس التي عرفت فيها أول معنى للطريق والحومة والسور، ثم إلى سنوات الشباب التي أخذتني إلى الشعر والكتابة، وبعدها إلى فاس وما راكمته السنوات بين المدينتين من كتب وأصدقاء وتجارب وأسئلة، ثم إلى العمر الذي صار فيه الغائبون أكثر حضورًا من كثير من الأحياء، قبل أن أصل إلى صورتي الراهنة وأنا أعود من أسفار بعيدة وأفتح الحاسوب لأكتب، كأن الكتابة وحدها بقيت الحبل الذي يربط جميع أولئك الأشخاص الذين كنتهم في رجل واحد.

الصورة الأولى لا أراها صورة طفل أو فتى بقدر ما أراها صورة مكان. ما إن أحدق فيها حتى تعود إليّ حومتي القديمة في مكناس، الطريق الممتدة بمحاذاة السور، الجدران التي كانت تبدو يومها أكثر ارتفاعًا مما تبدو الآن، الدكاكين الصغيرة، الأزقة التي كنا نحفظ انعطافاتها كما نحفظ أسماءنا، والسيارات القليلة التي كان مرور إحداها كافيًا لكي نلتفت إليها. أسمع أصوات الباعة وهي تتقاطع مع أصوات الأطفال والأذان، وأشم رائحة الخبز والتراب والفحم، وأرى السماء أكبر بكثير مما صارت عليه بعد أن ازدحمت المدن بالبنايات والضجيج. كان السور بالنسبة إليّ جزءًا من الحومة، جارًا عتيقًا لا نفكر في عمره ولا نسأل عمن بناه، والطريق الممتدة إلى جواره كانت جزءًا من ذاكرة القدم قبل أن تصبح جزءًا من ذاكرة الرأس.

كنت أعود إلى البيت قبل الغروب، وكان للغروب آنذاك معنى مختلف. لم يكن نهاية يوم محسوب بالساعات، بل موعدًا تتغير عنده أصوات الحي وتفوح من البيوت روائح العشاء، وتنكمش الشوارع قليلًا ليستعيد الكبار سلطتهم عليها بعد أن كانت طوال النهار مملكة للأطفال. لم أكن أعرف أن هذه الأشياء الصغيرة التي بدت عادية إلى حد الملل ستصبح بعد عقود أثمن ما بقي من مرحلة كاملة. الطفل لا يعرف أنه يصنع ذاكرته، هو فقط يعيشها. الكهل وحده يعرف أن شارعًا ترابيًا وصوت بائع ورائحة خبز يمكن أن تصبح وطنًا شخصيًا كاملًا.

وأتأمل ذلك الوجه فأفكر أحيانًا في المسافة بينه وبين وجهي الآن. ذلك الفتى لم يكن يعرف شيئًا عن الكاتب الذي سيصير إليه، ولا عن المدن التي سيزورها، ولا عن الأشخاص الذين سيدخلون حياته ويغادرونها، ولا عن الكتب التي سيقرأها والكتب التي سيكتبها. كان العالم بالنسبة إليه يبدأ من الحومة، ثم يتسع قليلًا عند أبواب مكناس وأسوارها، وبعد ذلك يذوب في مكان غامض اسمه المستقبل. أما أنا الآن فأعرف أن المستقبل الذي كان ينتظره صار في معظمه ماضيًا، وأنني حين أبحث عنه لا أجده في التواريخ الكبرى، بل في التفاصيل التي لم ننتبه إلى أنها كانت تؤسس حياتنا بصمت.

الصورة الثانية هي صورة الشاب الذي بدأ يشعر بأن الكلمات تستطيع أن تفتح له طريقًا آخر داخل العالم. في منتصف سبعينيات القرن الماضي، بدأت علاقتي بالشعر تتجاوز القراءة إلى المحاولة والكتابة، وكنت أشعر أمام القصيدة كما يشعر المرء أمام باب لا يعرف إلى أين يفضي، لكنه يشعر أن عليه أن يفتحه. يوم أذيعت بعض قصائدي في برامج مثل «ناشئة الأدب» و«حدائق الشعر»، لم يكن الأمر بالنسبة إليّ مجرد سماع كلمات كتبتها وقد خرجت إلى فضاء أوسع، بل كان اكتشافًا مذهلًا لفكرة أن ما يكتب في عزلة يمكن أن يصل إلى شخص لا أعرفه، في مدينة لم أرها، في لحظة لا أحضرها.

كنت أصغي إلى الكلمات كأنها لم تعد ملكي. وهذا ربما هو الدرس الأول الذي تمنحه الكتابة لمن يدخل إليها من باب الشغف: ما إن يغادر النص يد صاحبه حتى يبدأ حياة أخرى لا سلطة لك عليها. يستطيع قارئ مجهول أن يجد في جملة كتبتها معنى لم يخطر لك، وقد ينسى النص أو يحتفظ به، وقد يقرأه في وقت يصبح فيه أكثر قربًا منه مما كان منك أنت ساعة كتبته.

في مطلع الثمانينيات، حين بدأت بعض محاولاتي تظهر في جريدة «المحرر»، شعرت أن العلاقة بالكتابة أصبحت أكثر جدية. لم يعد الأمر نزوة شاب يستمتع بترتيب الكلمات، بل صار هناك ذلك القلق الجميل الذي يسبق رؤية الاسم مطبوعًا. الورق آنذاك كان أكثر من وسيط. كان شهادة وجود. أن ترى اسمك أسفل نص في صحيفة يعني أن جزءًا صغيرًا منك دخل المجال العام ولم يعد حبيس الغرفة والدفتر.

أبتسم الآن كلما استعدت تلك المرحلة. فالكاتب الذي يرسل نصه الأول إلى جريدة يظن أحيانًا أن العالم الأدبي ينتظره خلف الباب، ثم يكتشف بالتدريج أن الكتابة طريق طويل لا يعطي أحدًا شهادة وصول. كل نص يعيدك تقريبًا إلى البداية. وكل كتاب يجعل الكتب التي لم تكتبها بعد أكثر وضوحًا. وربما كانت هذه هي المفارقة التي رافقتني طوال حياتي: كلما كتبت أكثر شعرت بأن ما أريد قوله أكبر.

ثم جاءت القصة، وجاءت محاولات أخرى، وفي أواخر الثمانينيات بدأت نصوص قصصية تأخذ مكانها في تجربتي، ومن بينها «التبوريدة». ولعل العودة إلى التراث والمكان والذاكرة لم تكن مجرد اختيار موضوعي. كانت طريقة لا واعية للعودة إلى مكناس الأولى، إلى الناس الذين صنعتهم الأزقة والأسواق والحكايات، وإلى المغرب الذي كان يتغير سريعًا بينما أحاول أن أحتفظ ببعض صوره داخل اللغة. كنت أكتشف أن الكتابة لا تستعيد الماضي كما وقع، بل تعيد بناءه وفق ما أصبحناه بعده. الذاكرة روائية بطبيعتها؛ تحذف وتضيف وتضيء زاوية وتترك أخرى في العتمة.

الصورة الثالثة أراها صورة الرجل الذي لم تعد المدينة بالنسبة إليه مكان ولادة فقط، بل أصبحت سؤالًا فكريًا وثقافيًا. مكناس وفاس في هذه المرحلة لم تعودا نقطتين على خريطة، بل صارتا قطبين في ذاكرة واحدة. مكناس تعطيني البداية، وفاس تمنحني امتدادًا آخر؛ وبين المدينتين تشكلت سنوات كثيرة من القراءة والكتابة ومتابعة التحولات التي أصابت الثقافة والإعلام والكتاب.

للمدن أعمار مثل البشر. الشارع الذي نراه في العشرين لا يبقى هو نفسه حين نعبره بعد الأربعين أو الستين. قد تبقى الحجارة في مكانها، لكن العين التي تراها تكون قد تغيرت. وقد يحدث العكس: يبقى الإنسان وفيًا للصورة القديمة، بينما تكون المدينة قد خلعت جلدها مرات كثيرة. لذلك صرت كلما مررت بمكان عرفته قديمًا أبحث عن شيئين في آن واحد: المكان كما هو، والمكان الذي بقي في داخلي.

ولهذا لم تكن العودة الأدبية إلى «أيام مكناس وفاس الجميلة» مجرد تمرين في الحنين. كنت أبحث في الحقيقة عن نفسي موزعة بين زمنين، عن الكتاب والكمبيوتر، عن الورق والشاشة، عن الكاتب الذي نشأ في عالم ثقافي له إيقاعه البطيء ثم وجد نفسه في قلب ثورة رقمية تغير معنى النص والقارئ والنشر معًا. ربما كان هذا الانتقال واحدًا من أكثر التحولات إثارة في حياتي. بدأت أكتب في زمن كانت الجريدة والكتاب الورقيان بوابتين أساسيتين للوصول إلى القارئ، ثم وجدتني بعد عقود أكتب في فضاء رقمي يستطيع فيه النص أن يعبر القارات في ثانية.

لم أشعر بأن التكنولوجيا سرقت مني الكاتب القديم. بالعكس، صرت أرى أن داخل كل وسيلة جديدة احتمالًا آخر للحكاية. الكمبيوتر الذي دخل حياتي لم يلغ الدفتر، والشاشة لم تمح الورق من ذاكرتي، كما أن الذكاء الاصطناعي الذي أصبحت أكتب وأفكر في أثره لم يجعلني أقل تعلقًا بذلك الشاب الذي كان ينتظر صحيفة ورقية ليرى اسمه. الأدوات تغيرت، لكن القلق نفسه ظل قائمًا: هل قلت ما أريد حقًا؟ وهل استطاعت اللغة أن تقترب مما أشعر به؟

الصورة الرابعة أكثر هدوءًا، وربما أكثر ألمًا أيضًا. هنا يدخل الغياب إلى السيرة دون استئذان. يصل الإنسان إلى عمر تصبح فيه قائمة الراحلين جزءًا من ذاكرته اليومية، ولا يعود الموت فكرة بعيدة تقع للآخرين. بعض الوجوه التي كانت تشكل ثبات العالم تبدأ في الغياب، وعندها ندرك أننا لم نكن نعيش فقط بين أشخاص، بل كنا نستند إليهم من دون أن نلاحظ.

ومع رحيل أمي في صيف 2026، تغير شيء في علاقتي بالعمر نفسه. الأم، مهما بلغ الابن من السنوات، تترك في داخله مساحة لا تكبر بالطريقة نفسها التي يكبر بها الجسد. يستطيع الرجل أن يبلغ السبعين، وأن يكتب ويسافر ويرى مدنًا وبلدانًا، لكنه يظل في زاوية سرية من روحه ابنًا. وعندما تغيب الأم لا يفقد المرء شخصًا فقط، بل يشعر كأن بابًا من أبواب طفولته قد أغلق إلى الأبد.

في الثالث عشر من غشت الذي جاء بعد ذلك، مر عيد ميلادي بطريقة مختلفة. كان أول عيد ميلاد لي من دون أمي. سبعون سنة من العمر يمكن أن تبدو رقمًا كبيرًا، لكن غياب الأم قادر على اختصارها فجأة، وإعادة الإنسان إلى ذلك الطفل الذي كان يعود إلى البيت قبل الغروب. وجدتني أفكر في المفارقة القاسية: نحن نتقدم في السن ونعتقد أننا نبتعد عن طفولتنا، ثم تأتي خسارة واحدة فتعيدنا إليها دفعة واحدة.

لم أعد أرى الصور القديمة بالطريقة نفسها. صار وجود الأشخاص فيها أكثر أهمية من هيئتي أنا. أفتش في خلفيات الصور، في الأكتاف التي تظهر مصادفة، في اليد التي دخلت إطار الصورة ولم ننتبه إليها، في الأشياء الصغيرة التي كانت يومًا جزءًا من الحياة ثم تحولت إلى آثار. وربما لهذا السبب تصبح الصور أكثر قسوة كلما تقدمنا في السن: إنها تحتفظ بما يعجز الزمن عن الاحتفاظ به.

لكن الحزن نفسه يغير شكله مع العمر. في الشباب نتصور أن الحزن انفجار، بكاء أو غضب أو احتجاج. أما في المراحل المتأخرة، فإنه يتحول أحيانًا إلى طبقة هادئة تستقر في القلب ولا تمنعك من العيش. تصحو وتشرب قهوتك وتكتب وتخرج وتتكلم، وفي مكان ما داخلك يجلس الغائبون بهدوء.

أما الصورة الخامسة فهي صورتي وأنا في السبعين، لكنها ليست صورة رجل توقف عن الذهاب إلى العالم. على العكس، أجد فيها ذلك الفتى المكناسي نفسه وقد تعلم أن الطريق يمكن أن يمتد أبعد بكثير من السور القديم. في شتنبر 2026 حملت حقيبتي وغادرت فاس في رحلة ستأخذني عبر الدار البيضاء وإسطنبول إلى أستانا في كازاخستان. ربما لو أخبرت ذلك الطفل الذي كان يمشي بمحاذاة سور مكناس بأنه سيقف ذات يوم أمام نهر إيشيم أو في ساحة الاستقلال بأستانا لما فهم أصلًا أين تقع تلك البلاد.

السفر في السبعين ليس هو السفر في الثلاثين. في الشباب نسافر لكي نكتشف العالم، وفي العمر المتقدم نسافر أيضًا لكي نكتشف ما بقي من قدرتنا على الدهشة. كنت أنظر من نافذة الطائرة وأفكر في السنوات التي فصلتني عن الصورة الأولى. عبرت مدنًا ومطارات ولغات، لكن الطريق القديم بمحاذاة سور مكناس كان يسافر معي دون أن أدرك.

في أستانا، بين فندق كينغ وساحة الاستقلال والمتحف الوطني وإكسبو والسوق المركزي وضفاف إيشيم ومتحف ساكن سيفولين، لم أكن سائحًا فقط. كنت كاتبًا يحمل مدينته معه. نحن لا نسافر وحدنا. تحملنا أمكنتنا الأولى معنا، وتصاحبنا اللغة التي تعلمنا بها تسمية الأشياء، والوجوه التي أحببناها، والبيوت التي خرجنا منها.

لهذا لم أستطع أن أترك أستانا هناك. عدت بها في الكتابة، حتى وجدت نفسي أختار لروايتي عنوانًا يعترف بهذه الحقيقة: «أستانا التي عادت معي في حقيبة القلب». لم تكن الحقيبة التي عدت بها من الرحلة تحتوي على أشياء اشتريتها فقط، بل على مدينة جديدة دخلت أرشيفي الداخلي وأصبحت تجلس، بطريقة غريبة، إلى جوار مكناس وفاس.

وهنا أدركت أن الصورة الخامسة لا تمثل النهاية كما قد يظن من ينظر إلى الشيب أو التجاعيد. إنها ربما أكثر الصور انفتاحًا. ففي السبعين ما زال في العالم مكان لم أره، وكتاب لم أكتبه، وسؤال لم أطرحه. وما دمت أستطيع أن أشعر بالفضول، فإن شيئًا من ذلك الطفل المكناسي ما زال حيًا.

حين أضع الصور الخمس في صف واحد، لا أرى تسلسلًا بيولوجيًا من الشباب إلى الشيخوخة، بل أرى خمس طرق لفهم الحياة. الصورة الأولى تقول إن العالم مكان للدهشة. الثانية تقول إن الكلمات تستطيع أن تفتح لنا طريقًا فيه. الثالثة تقول إن الإنسان قد يعيش بين مدن وأزمنة ووسائط مختلفة دون أن يفقد صوته. الرابعة تقول إن الحياة ليست ما نكسبه فقط، بل أيضًا ما نتعلم أن نحمله من غياب. والخامسة تقول إن العمر لا يمنع الطريق من أن يستمر.

مكناس في البداية، وفاس في امتداد السنوات، وأستانا في السبعين؛ وبين المدن الثلاث شيء واحد لم يتوقف عن الحركة: أنا، أو بالأحرى تلك النسخ المتعددة مني التي تعاقبت ولم تُلغ إحداها الأخرى.

الطفل الذي كان يعود إلى البيت قبل الغروب لم يمت. والشاب الذي انتظر صوته عبر الإذاعة واسمه على صفحة الجريدة لم يختف. والرجل الذي تابع تحول الكتابة من الورق إلى الشاشة ما زال يراقب بدهشة ما تفعله الخوارزميات باللغة والعالم. والابن الذي فقد أمه ما زال يتعلم أن بعض الغياب لا يشفى بل يتحول إلى ذاكرة. والمسافر الذي وصل إلى أستانا في السبعين عاد إلى فاس وهو يعرف أن المسافات الخارجية، مهما اتسعت، لا تساوي المسافات التي نقطعها داخل أنفسنا.

لهذا لا أستطيع أن أقول عن الصور الخمس إنها الماضي. الماضي الحقيقي هو ما مات في داخلنا، وهذه الصور لم تمت. كل واحدة منها تستطيع أن تستيقظ بسبب رائحة أو صوت أو طريق أو اسم. يكفي أن أمر بمحاذاة سور قديم في مكناس حتى يركض الطفل أمامي. يكفي أن تقع عيني على صحيفة ورقية حتى يعود الشاب الذي انتظر نشر نصه الأول. يكفي أن أفتح ملفًا قديمًا على الحاسوب حتى أستعيد دهشة الانتقال إلى الكتابة الرقمية. يكفي أن تقع عيني على صورة لأمي حتى يصبح العمر كله لحظة واحدة. ويكفي أن أرى صورة التقطتها على ضفاف إيشيم حتى أشعر أن الطريق ما زال مفتوحًا.

ربما لهذا أكتب.

أكتب لأن الذاكرة وحدها لا تكفي. الذاكرة تخوننا ببطء، بينما تحاول الكتابة أن تنقذ شيئًا من الغرق. لا أنقذ الأحداث الكبرى، فهي تجد غالبًا من يسجلها، وإنما أحاول إنقاذ الهامشي والهش والعابر: صوت بائع في حومة مكناس، ظل السور في آخر النهار، ارتباك شاب أمام أول نص منشور، مدينة تتغير، أم تغيب، قطار يقود إلى مطار، نافذة طائرة، نهر في بلد بعيد، وغرفة فندق يكتب فيها رجل بلغ السبعين ملاحظات قد تتحول يومًا إلى رواية.

لقد كنت في الصور الخمس أشخاصًا مختلفين، لكنني كنت دائمًا أبحث عن الشيء نفسه دون أن أعرف اسمه.

ربما كان اسمه المعنى.

وربما كانت الكتابة كلها مجرد محاولة طويلة كي لا تمر حياتنا كما يمر قطار أمام محطة صغيرة، يترك وراءه قليلًا من الضجيج ثم يختفي.

واليوم، وأنا أقلب الصور من جديد، لا أسأل أيها أجمل ولا أيها أقرب إلى صورتي التي أحب. أضعها أمامي وأعاملها كخمسة شهود. لكل واحد منها روايته، ولكل وجه سر لم تقبض عليه الكاميرا. أعرف أن الصور لا تقول الحقيقة كلها؛ الصورة تحفظ الجسد في لحظة، أما السيرة فتحاول أن تستعيد ما كان يتحرك خلف العينين.

ولذلك أرى أن هذه الصفحات ليست خاتمة لشيء. إنها مجرد عتبة.

فربما توجد صورة سادسة تنتظرني في مكان لم أصل إليه بعد، وربما يكون وراءها شارع آخر ومدينة أخرى وكتاب آخر.

وما دام ذلك ممكنًا، فإنني لا أريد أن أقول إنني كبرت وانتهى الأمر.

أريد أن أقول فقط إن الطريق صار أطول خلفي، لكنه ما زال يمتد أمامي.

وفي مكان بعيد داخل هذا الرجل الذي بلغ السبعين، ما زال طفل من مكناس يمشي بمحاذاة السور، يرفع رأسه إلى السماء، ويعتقد أن العالم واسع بلا نهاية.


0 التعليقات: