الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الخميس، أكتوبر 15، 2026

فيلم Digger.. حين تتحول ثروة النفط إلى كابوس بيئي : عبده حقي


قراءة نقدية في الفيلم الجديد لتوم كروز والمخرج أليخاندرو غونزاليس إيناريتو

يأتي فيلم Digger ليضع المشاهد أمام سؤال يتجاوز حدود الترفيه السينمائي: ماذا يحدث عندما يعتقد رجل يملك المال والنفوذ أنه قادر على التحكم في الطبيعة، ثم يكتشف أن الكارثة التي صنعها بيديه قد تصبح أكبر من قدرته على احتوائها؟ بهذا السؤال يدخل الفيلم إلى

منطقة شائكة تجمع بين الكوميديا السوداء والسخرية السياسية والنقد البيئي، مستعيناً بنجم هوليوود توم كروز، الذي يخوض تجربة مختلفة عن الأدوار التي رسخت صورته بوصفه بطلاً لا يتوقف عن الركض ومواجهة الأخطار.

الفيلم من إخراج المكسيكي أليخاندرو غونزاليس إيناريتو، صاحب التجارب السينمائية المعروفة بجرأتها البصرية والنفسية، ومن بطولة توم كروز، إلى جانب ريز أحمد وجون غودمان وساندرا هولر ومايكل ستولبارغ وجيسي بليمونز. وقد بدأ عرضه الدولي في أواخر سبتمبر 2026، ووصل إلى دور العرض الأمريكية في الثاني من أكتوبر، وفق المعلومات المنشورة لدى شركة التوزيع Warner Bros. Pictures.

من هو «ديغر»؟ رجل يحفر قبره بيديه

تتمحور الحكاية حول ديغر روكويل، رجل أعمال أمريكي ثري ينشط في صناعة النفط، يجد نفسه أمام أزمة بيئية متفاقمة مرتبطة بأعمال الحفر التي تقف وراءها مصالحه الاقتصادية. وبينما يواجه احتمال وقوع كارثة واسعة النطاق، يحاول تقديم نفسه باعتباره المنقذ القادر على إنقاذ البشرية من الخطر الذي ساهم في صنعه.

هنا تتجلى المفارقة الأساسية التي يقوم عليها الفيلم: الرجل الذي ساهم في إطلاق الأزمة يريد أن يحتكر أيضاً دور البطل الذي سيعالج نتائجها. إنه نموذج للسلطة الاقتصادية التي تتصرف كما لو أن الثروة تمنحها حق استغلال الطبيعة بلا حدود، ثم تسعى إلى تحويل المسؤولية عن الكارثة إلى فرصة جديدة لتلميع صورتها.

وتشير المواد الرسمية للفيلم والمراجعات المنشورة في الصحافة السينمائية إلى أن العمل لا يكتفي بتصوير أزمة بيئية مباشرة، بل يستخدم السخرية والمبالغة لتفكيك خطاب القوة والنفوذ والادعاء بامتلاك الحلول.

توم كروز خارج عباءة البطل التقليدي

لعل أبرز ما يثير الانتباه في هذا العمل هو التحول الذي يطرأ على صورة توم كروز. فالممثل الذي ارتبط اسمه بأفلام الحركة والمطاردات والمهمات المستحيلة، يبتعد هنا عن النموذج المألوف للبطل الذي يتدخل في اللحظة الأخيرة لإنقاذ العالم، ليتقمص شخصية رجل أعمال نفطي متقدم في العمر، متضخم الأنا، تحاصره نتائج قراراته ومصالحه.

إن الرهان على كروز لا يتعلق فقط بقدرته على أداء شخصية مختلفة، بل أيضاً بمدى استعداد جمهوره لرؤيته في صورة مناقضة للصورة التي اعتادها. فبدلاً من البطل الذي يواجه الشر من الخارج، يصبح أمامنا رجل تتداخل فيه المسؤولية عن الكارثة مع الرغبة في السيطرة عليها.

وقد لفتت مجلة Sight and Sound إلى قوة أداء كروز وحضوره اللافت في تجسيد شخصية رجل النفط، حتى وهي تسجل تحفظات على مستوى الكوميديا في الفيلم. أما صحيفة لوس أنجلوس تايمز فرأت في الدور مخاطرة فنية مهمة للممثل، بعد سنوات من حضوره في سلاسل سينمائية جماهيرية.

إيناريتو والسخرية من عالم يقترب من حافة الهاوية

لا يبدو أن إيناريتو يريد تقديم فيلم بيئي تقليدي يكتفي بعرض صور التلوث والاحتباس الحراري وإطلاق التحذيرات المباشرة. إنه يختار الكوميديا السوداء وسيلة لتعرية التناقض بين خطورة الأزمات التي تهدد البشرية وبين الطريقة التي يتعامل بها أصحاب المصالح معها.

ففي عالم الفيلم، لا تنفصل الكارثة البيئية عن الخطاب السياسي والإعلامي الذي يحاول احتواء آثارها، ولا عن النزعة البشرية إلى إنكار الأخطار ما دامت المصالح الشخصية لم تتضرر بصورة مباشرة.

وتزداد أهمية هذه المقاربة في زمن تتسع فيه الفجوة بين التحذيرات العلمية المتعلقة بالمناخ وبين المصالح الاقتصادية والسياسية التي تجعل اتخاذ القرارات الصعبة أمراً بالغ التعقيد. فبدلاً من تحويل الفيلم إلى محاضرة عن البيئة، يحاول المخرج أن يجعل المشاهد يضحك من عبثية الموقف، قبل أن يدفعه إلى التفكير في خطورة ما وراء الضحك.

ومع ذلك، فإن هذه الجرأة لا تضمن نجاح التجربة بالضرورة؛ فالسخرية حين تصبح مباشرة أكثر مما ينبغي قد تفقد بعضاً من قوتها، وحين تتعقد بنيتها السردية قد تدفع المشاهد إلى الانشغال بفهم الحكاية بدلاً من التفاعل مع رسالتها.

فيلم مثير للجدل بين النقاد والجمهور

تكشف المراجعات المنشورة عقب عرض الفيلم عن انقسام واضح في تقييمه. فقد منحه موقع Time Out أربع نجوم من أصل خمس، مشيداً بجرأته وبالكوميديا السوداء التي يقدمها، بينما جاءت مراجعة صحيفة The Guardian أكثر تشككاً، واعتبرت أن الفيلم يعاني من الإطالة والمبالغة في تقديم رسالته الساخرة.

ويعكس هذا الاختلاف مشكلة تواجه كثيراً من الأعمال التي تراهن على التجريب الفني: ما يراه بعض المشاهدين طموحاً وابتكاراً، قد يراه آخرون استعراضاً شكلياً يطغى على القصة والشخصيات.

وبحسب صفحة الفيلم على موقع Rotten Tomatoes، بلغت نسبة تقييمات النقاد 53% في وقت الاطلاع، مقابل 75% لدى الجمهور. وهذه الأرقام قابلة للتغير مع ورود مراجعات وتقييمات جديدة، لكنها تشير إلى أن العمل لم يحظ بإجماع نقدي، رغم الاهتمام الذي أثاره قبل عرضه.

عندما لا يكفي اسم النجم لإنقاذ شباك التذاكر

لم يقتصر الجدل على القيمة الفنية للفيلم، بل امتد إلى أدائه التجاري. فقد أفادت تقارير صحفية منشورة في أكتوبر 2026 بأن الفيلم واجه انطلاقة أضعف من التوقعات، مقارنة بحجم ميزانيته والطموحات المرتبطة بأسماء المشاركين فيه.

ووفق تقرير نشرته The Atlantic، حقق الفيلم نحو ثمانية ملايين دولار في شباك التذاكر الأمريكي خلال عطلة افتتاحه، مقابل ميزانية إجمالية قُدرت بنحو 180 مليون دولار. وتوضح هذه الأرقام حجم التحدي الذي واجهه العمل في استقطاب الجمهور، لكنها لا تكفي وحدها للحكم النهائي على نتائجه التجارية، التي تتأثر أيضاً بالإيرادات الدولية وتكاليف التسويق وعائدات التوزيع اللاحقة.

ويمكن تفسير هذا التعثر المحتمل بأكثر من عامل: طبيعة الفيلم الساخرة، وتعقيد حكايته، وابتعاده عن التوقعات التي يصنعها اسم توم كروز لدى جمهور اعتاد منه أفلام الحركة الضخمة. فالمشاهد الذي يذهب إلى السينما بحثاً عن المغامرة والإثارة قد يجد نفسه أمام تجربة قاتمة تتطلب منه قراءة نقدية لما يحدث على الشاشة.

لكن ضعف الإيرادات، إن استمر، لا يعني بالضرورة أن الفيلم يفتقر إلى القيمة الفنية؛ كما أن الجرأة الفنية لا تعفيه من مسؤولية بناء حكاية متماسكة وقادرة على جذب الجمهور.

هل تستطيع السينما مواجهة أزمة المناخ؟

السؤال الأعمق الذي يطرحه Digger يتعلق بحدود الفن نفسه. هل تستطيع السينما أن تجعل الجمهور يعيد التفكير في علاقته بالطبيعة وبالسلطة الاقتصادية؟ وهل تكفي السخرية من أصحاب الثروات والنفوذ لإحداث تغيير في الوعي، أم أنها تتحول أحياناً إلى مادة استهلاكية تمنح المشاهد شعوراً مؤقتاً بأنه فهم المشكلة من دون أن يغير شيئاً في سلوكه؟

تكمن أهمية الفيلم في أنه يربط الأزمة البيئية بمسألة المسؤولية، بدلاً من التعامل معها باعتبارها حادثاً طبيعياً منفصلاً عن القرارات البشرية. فالخطر لا يبدأ عندما تظهر الكارثة على شاشات الأخبار، بل عندما تصبح الأرباح أهم من العواقب، وعندما يعتقد أصحاب القرار أن النفوذ قادر على شراء الوقت أو إسكات التحذيرات.

ومع ذلك، لا ينبغي تحميل السينما أكثر مما تستطيع تحمله. فالفيلم ليس بديلاً عن السياسات البيئية ولا عن الرقابة والمحاسبة، لكنه يستطيع أن يساهم في النقاش العام، وأن يجعل بعض التناقضات أكثر وضوحاً من خلال الصورة والشخصية والمفارقة.

خلاصة: مغامرة فنية لا تخلو من العثرات

يقدم Digger تجربة سينمائية طموحة تجمع بين اسم جماهيري كبير، ورؤية إخراجية تميل إلى التجريب، وموضوع يتصل بمستقبل البشرية. وتتمثل قوته الأساسية في محاولة تفكيك العلاقة بين المال والسلطة والمسؤولية البيئية، وفي دفع توم كروز إلى منطقة تمثيلية مختلفة عن أدواره الأشهر.

غير أن طموح الموضوع لا يضمن بالضرورة نجاح المعالجة، وهو ما يفسر جانباً من الانقسام النقدي حول الفيلم. فقد تنجح السخرية في إثارة الأسئلة، لكنها قد تتعثر أيضاً عندما تطغى المبالغة على البناء الدرامي.

في المحصلة، لا تكمن أهمية Digger في كونه فيلماً اتفق عليه النقاد أو الجمهور، بل في اختياره مواجهة موضوع ثقيل عبر الكوميديا السوداء، وفي مخاطرة نجمه بالخروج من منطقة الأمان الجماهيري. إنه عمل يضع المشاهد أمام مفارقة تستحق التأمل: قد يملك الإنسان المال والنفوذ والقدرة على إحداث تغييرات هائلة في العالم، لكنه يظل عاجزاً عن ضمان السيطرة على النتائج النهائية لأفعاله.

المصادر الأساسية للمقال: الموقع الرسمي لشركة Warner Bros. Pictures، ومراجعات The Guardian وTime Out وSight and Sound وLos Angeles Times، إضافة إلى بيانات التقييم المنشورة على Rotten Tomatoes وتقارير The Atlantic بشأن الأداء التجاري.


0 التعليقات: