الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأربعاء، أكتوبر 21، 2026

عالم يتحدث عن الكرامة فيما تتسع خرائط القمع والحورب بقلم اعبده حقي


كلما تابعت نشرات المنظمات الحقوقية الدولية، أشعر بأنني لا أقرأ أخبارًا متفرقة قادمة من قارات بعيدة بقدر ما أتصفح أطلسًا جديدًا للعالم، أطلسًا لا تقاس فيه الدول بمساحاتها ولا المدن بعدد سكانها، بل بمقدار الخوف الذي يتسلل إلى حياة الناس، وعدد المعتقلين، وعدد الأطفال الذين تستبدل الحروب دفاترهم المدرسية بصفوف النزوح، وعدد النساء اللواتي ما زلن يخضن معارك القرن الحادي والعشرين ضد قوانين وأعراف تنتمي أحيانًا إلى قرون مضت. وخلال الأسبوع الأخير بدا هذا الأطلس أكثر قتامة، لأن الأخبار القادمة من منظمات حقوق الإنسان لم تكن تتحدث عن أزمة واحدة، بل عن سلسلة من الأزمات المتزامنة، تمتد من إفريقيا إلى الشرق الأوسط وآسيا وأوروبا، وتلتقي جميعها تقريبًا عند سؤال بسيط ومخيف: لماذا أصبحت حماية الإنسان أصعب في عالم يمتلك أكبر ترسانة قانونية لحمايته؟

أول ما استوقفني هو عودة الحق في الاحتجاج إلى واجهة الصراع بين المواطن والسلطة. في كينيا تحدثت منظمة العفو الدولية عن اعتقالات تعسفية واحتجازات وعمليات اختطاف وأساليب قمعية في التعامل مع احتجاجات مرتبطة بمطالب اقتصادية واجتماعية. والمسألة بالنسبة إليّ لا تخص كينيا وحدها، فكلما اختارت دولة أن تجيب عن الغضب الاجتماعي بالعصا بدل السياسة، فإنها تؤجل الأزمة ولا تحلها. الاحتجاج ليس مرضًا ينبغي استئصاله؛ إنه في كثير من الأحيان جهاز الإنذار الذي يخبر الدولة بأن شيئًا ما قد تعطل في العقد الاجتماعي.

الصورة ذاتها ظهرت في الهند، حيث تحدثت منظمات حقوقية ومدافعون عن الحقوق عن استخدام القوة والاعتقالات الجماعية والتضييق على صحفيين ومحامين ومدافعين خلال احتجاجات شبابية. وما يقلقني هنا هو أن قمع التظاهر لم يعد حكرًا على الأنظمة التي لا تدعي الديمقراطية، بل صار يتسلل حتى إلى أنظمة تمتلك برلمانات وانتخابات ودساتير. وهذا يفرض علينا إعادة النظر في الفكرة المبسطة التي تقول إن الانتخابات وحدها تصنع الديمقراطية. الديمقراطية الحقيقية تبدأ ربما بعد إغلاق صناديق الاقتراع، عندما يعود المواطن إلى الشارع والصحافة والجامعة والنقابة ويستطيع أن يقول للسلطة: لا أوافق.

وتأخذ المسألة وجهًا آخر في بريطانيا، حيث أثارت منظمة العفو الدولية قضية التضييق الذي قالت إنه طال مظاهر التضامن مع الفلسطينيين داخل عدد من الجامعات. هنا يصبح السؤال أكثر دقة: أين تنتهي مسؤولية الجامعة في الحفاظ على النظام، وأين يبدأ خنق حرية الرأي والتعبير الأكاديمي؟ بالنسبة إليّ، الجامعة التي تخشى النقاش السياسي تفقد جزءًا من معناها التاريخي. فالجامعات لم توجد لتكون غرفًا معقمة من الصراع الفكري، بل ساحات لاختبار الأفكار وتصادمها بالحجة، ما دام ذلك لا يتحول إلى تهديد أو عنف أو تمييز.

وفي فلسطين ظلت الحقوق الإنسانية خلال هذا الأسبوع مرتبطة بأكثر صور الصراع قسوة. فقد عادت قضية العنف ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية، خصوصًا خلال موسم قطف الزيتون، إلى تقارير المنظمات الدولية. وللزيتون هنا معنى يتجاوز الزراعة. نحن أمام موسم يحمل ارتباطًا بالأرض والذاكرة والاقتصاد العائلي، وبالتالي فإن الاعتداء على المزارع أو منعه من الوصول إلى أرضه لا يمس مورد رزقه فقط، بل يضرب علاقته بالمكان نفسه.

أما غزة فتبقى واحدة من أكثر البقع إيلامًا على الخريطة الحقوقية العالمية. ما نشرته المنظمات الإنسانية عن الأطفال هناك يجعل اللغة الصحفية نفسها عاجزة أحيانًا عن حمل حجم المأساة. الطفل الذي يعيش وسط النزوح والخوف والجوع وتدمير البنية الأساسية لا يفقد فقط الأمن في اللحظة الراهنة، بل قد يفقد سنوات من نموه النفسي والتعليمي والاجتماعي. وهذا ما يجعلني أعتقد أن آثار الحروب لا ينبغي قياسها بعدد القتلى وحده؛ فهناك أيضًا أجيال كاملة يمكن أن تحمل الحرب داخل ذاكرتها لعقود.

وفي اليمن جاءت التحذيرات المرتبطة بمدينة تعز لتضيف فصلًا آخر إلى المأساة الطويلة. الحديث عن تعرض المياه التي يعتمد عليها أكثر من مليون ونصف المليون طفل للخطر بسبب تصاعد القتال يكشف المعنى الحقيقي لعبارة "حماية المدنيين". حماية المدنيين ليست فقط ألا تصيبهم قذيفة، بل أن يبقى الماء متاحًا، وأن تعمل المستشفيات، وأن تصل الأغذية والأدوية، وأن يستطيع الطفل النوم دون أن تتحول خريطة الجبهات العسكرية إلى حكم مسبق على فرصته في الحياة.

وسط هذا السواد، حمل اليمن أيضًا خبرًا مختلفًا حين دعمت اللجنة الدولية للصليب الأحمر عملية الإفراج عن 159 محتجزًا في صنعاء. وقد يبدو الرقم محدودًا وسط اتساع الحروب، لكنه بالنسبة إليّ يحمل معنى مهمًا: حقوق الإنسان ليست فقط فضح الانتهاكات، بل أيضًا القدرة على إنقاذ إنسان واحد في اللحظة الممكنة، وإعادته إلى أسرته، واستعادة خيط صغير من الإنسانية وسط حرب كبيرة. العمل الإنساني الحقيقي لا ينتظر نهاية الصراع كي يبدأ.

وفي السودان عادت مأساة الأطفال إلى الواجهة مع تقارير عن مقتل أطفال في حوادث مرتبطة بالنزاع. لقد تحول السودان، في السنوات الأخيرة، إلى امتحان ثقيل للضمير الدولي. والحقيقة التي يصعب الهروب منها هي أن العالم طور قدرة هائلة على مشاهدة الحروب لحظة بلحظة، لكنه لم يطور بالمستوى نفسه القدرة السياسية على إيقافها. تصل الصور عبر الأقمار الصناعية والهواتف وشبكات التواصل، ويستطيع العالم أن يعرف أين وقع القصف وربما متى وقع، ومع ذلك يظل المدنيون ينتظرون حماية لا تصل.

وفي ليبيا ظهر ملف الإعدام بقوة بعد تقارير هيومن رايتس ووتش عن تنفيذ عشرات أحكام الإعدام منذ أواخر أغسطس في مناطق شرق البلاد. بالنسبة إليّ، الإعدام ليس مجرد قضية جنائية، بل امتحان لفكرة العدالة نفسها، خصوصًا في الدول التي تعاني الانقسام السياسي أو ضعف استقلال القضاء أو هشاشة ضمانات المحاكمة العادلة. فالخطأ القضائي في عقوبة السجن قد يمكن تصحيحه، أما الخطأ بعد تنفيذ الإعدام فلا توجد محكمة تستطيع إحياء صاحبه.

وتزداد حساسية القضية عندما يتعلق الأمر بأشخاص أدينوا بسبب أفعال منسوبة إليهم في سن الطفولة. وقد أعادت حالة تنفيذ حكم إعدام في السعودية بحق رجل قالت منظمات حقوقية إن بعض الجرائم المنسوبة إليه ارتبطت بسن مبكرة، النقاش حول العقوبة القصوى وضمانات الأحداث إلى الواجهة. وهنا لا يعود السؤال متعلقًا بالموقف الفلسفي من عقوبة الإعدام فقط، بل بالتزامات القانون الدولي تجاه من كانوا أطفالًا وقت الأفعال المنسوبة إليهم.

وفي إيران ظل المدافعون عن حقوق الإنسان تحت ضغط مستمر. ما تنشره المنظمات الدولية عن المخاطر التي تواجه ناشطات ومدافعين وصحفيين يكشف أن الاستبداد الحديث لا يعتمد السجن وحده. هناك المحاكمات الطويلة، والمنع من السفر، والاستدعاءات المتكررة، والضغط على العائلات، والحرمان من العمل، وحملات التشهير. إنها هندسة كاملة للإرهاق، الهدف منها جعل تكلفة الكلام أعلى من قدرة الإنسان على الاستمرار فيه.

ومن إفريقيا جاء تحذير آخر لا يقل خطورة. فقد سلط تقرير للفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان الضوء على ظاهرة القمع العابر للحدود في شرق إفريقيا؛ أي أن المدافع أو المعارض الذي يغادر بلده قد لا ينجو بالضرورة من ملاحقة السلطة التي فر منها. هذه الظاهرة بالنسبة إليّ من أخطر التحولات الحديثة، لأن فكرة المنفى السياسي كانت تقوم تاريخيًا على وجود مساحة آمنة خارج حدود الدولة القامعة. فإذا أصبحت الحدود غير قادرة على توفير تلك الحماية، فإننا نكون أمام نسخة عابرة للقارات من الاستبداد.

وفي مالي تحدثت هيومن رايتس ووتش عن انتهاكات ارتبطت بالقوات المسلحة وحلفائها في سياق مواجهة الجماعات المسلحة، بالتوازي مع اعتداءات ترتكبها تلك الجماعات نفسها. وهي معادلة تتكرر للأسف في مناطق كثيرة: المدني يصبح محاصرًا بين قوتين، وكل طرف يدعي أن الخطر الآخر يبرر ممارساته. لكن القانون الإنساني لا يعمل بهذه الطريقة؛ جريمة الخصم لا تمنح الطرف الآخر ترخيصًا لارتكاب جريمة مقابلة.

أما سوريا، فقد حملت أخبار الأسبوع قضية مختلفة لكنها شديدة الدلالة: استبعاد النساء من برامج في مؤسسات تعليمية مرتبطة بالدفاع والأمن. وقد يبدو الأمر أقل مأساوية من الحرب والإعدام، لكنه يذكرنا بأن حقوق الإنسان لا تنتهك فقط في السجون والجبهات. يمكن للتمييز أن يكون مكتوبًا ببساطة في شروط التسجيل، ويمكن لباب مغلق أمام امرأة أن يكون تعبيرًا عن رؤية كاملة لمكانها داخل المجتمع والدولة.

وتقودني هذه المسألة إلى ملف حقوق النساء والفتيات الذي ظل حاضرًا بقوة في منشورات المؤسسات المتخصصة. فقد عادت قضايا زواج الأطفال وختان الإناث والعنف القائم على النوع الاجتماعي والمساواة في التشريعات إلى الصدارة. وأبرزت منظمة "المساواة الآن" مرة أخرى أن وجود القانون لا يكفي. هذه نقطة أعتبرها أساسية: من أسهل الأشياء على الحكومات أن تعلن قانونًا جديدًا، لكن ما قيمة القانون إذا لم توجد ميزانية لتطبيقه، وشرطة مدربة، وقضاء مستقل، ومراكز حماية، وتعليم يغير الثقافة التي أنتجت الظاهرة؟

قضية وفاة طفلة بعد تعرضها لختان الإناث في غامبيا، وما أثاره المسار القضائي للقضية من نقاش، تكشف الهوة التي يمكن أن تفصل بين التجريم القانوني والعدالة الفعلية. فحقوق النساء لا تنتصر بمجرد كتابة النصوص، بل عندما تشعر الأسرة والطفلة والمرأة بأن القانون يستطيع الوصول إليهن فعلًا.

وتعيدنا اليونيسف إلى الوجه الأكثر هشاشة لكل الأزمات: الأطفال. من غزة إلى السودان، ومن اليمن إلى أفغانستان، تتعدد الأسباب وتتشابه النتائج. سوء تغذية، نزوح، زواج مبكر، مدارس مدمرة، حرمان من المياه والرعاية الصحية، وخوف دائم. وفي أفغانستان جاءت تحذيرات من ارتفاع متوقع في معدلات سوء التغذية الحاد خلال العام المقبل، بما قد يجعل ملايين الأطفال في حاجة إلى العلاج. الأرقام هنا لا ينبغي أن تخدرنا. خلف كل مليون طفل مليون قصة منفصلة، ومليون جسد صغير لا يعرف شيئًا عن الحسابات الجيوسياسية التي قررت مصيره.

وحتى نيجيريا قدمت هذا الأسبوع علامة حمراء جديدة، مع حديث اللجنة الدولية للصليب الأحمر عن ارتفاع حالات سوء التغذية التي تستقبلها مرافق صحية تدعمها في شمال شرق البلاد. الجوع، في رأيي، واحد من أكثر انتهاكات حقوق الإنسان تعرضًا للتطبيع. يستطيع العالم أن يناقش سنوات طويلة حرية الانتخابات أو استقلال القضاء، لكن الحق في ألا يموت الإنسان جوعًا يبقى أكثر الحقوق بدائية وأكثرها فضيحة عندما يفشل النظام العالمي في ضمانه.

ثم أصل إلى الجانب الذي أراه أكثر إحراجًا للمؤسسات الدولية نفسها. فقد أثارت انتخابات عضوية مجلس حقوق الإنسان انتقادات بسبب غياب المنافسة الحقيقية في بعض المجموعات الإقليمية وانتخاب دول تواجه سجلًا حقوقيًا مثيرًا للجدل. وهنا ينبغي ألا نتردد في طرح السؤال الصعب: ماذا يحدث عندما تتحول الهيئة المكلفة بمراقبة حقوق الإنسان إلى مكان تستطيع بعض الحكومات صاحبة السجلات الإشكالية الجلوس داخله كحَكَم؟

أنا لا أعتقد أن الحل هو إلغاء مجلس حقوق الإنسان أو التقليل من أهمية الأمم المتحدة. العكس هو الصحيح تمامًا. لأن العالم يحتاج هذه المؤسسات، يجب أن تكون معاييرها أشد صرامة. المؤسسة الدولية التي تفقد صدقيتها لا تخسر سمعتها فقط، بل تمنح الأنظمة القمعية الحجة الذهبية التي تبحث عنها دائمًا: أن الجميع منافقون وأن حقوق الإنسان ليست سوى أداة سياسية.

وتكشف أعمال منظمات مثل الخدمة الدولية لحقوق الإنسان وFront Line Defenders أن المدافع نفسه أصبح اليوم يحتاج إلى من يدافع عنه. هناك محامون ونشطاء وصحفيون ومدافعون بيئيون ونسويون وأعضاء منظمات مدنية يتعرضون للاعتقال والملاحقة والمنع من السفر والتهديد والدعاوى القضائية الانتقامية.

وشملت منشورات Front Line Defenders هذا الأسبوع أيضًا ادعاءات بشأن تفريق تجمع تضامني لنشطاء صحراويين وعائلات معتقلين في الرباط، وهي قضية ينبغي التعامل معها بالمعيار نفسه الذي ينبغي أن نطبقه في كل مكان: التحقيق في الادعاءات بصورة مستقلة، وضمان حق التجمع السلمي، واحترام حقوق المحتجزين، وعدم تحويل الخلاف السياسي حول الصحراء الغربية إلى مبرر لإسقاط الضمانات الأساسية للأفراد. وفي الوقت نفسه، يتطلب العمل الصحفي المهني التفريق بين ما تقوله المنظمة الحقوقية وبين ما تعتبره الدولة المغربية توصيفًا قانونيًا وسياسيًا للنزاع وللأشخاص المعنيين. حقوق الإنسان تخسر عندما تتحول إلى دعاية لأي طرف، وتربح عندما يكون معيارها واحدًا للجميع.

أما مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان فقد أعادت خلال الأسبوع فتح ملف استخدام التجويع في النزاعات المسلحة، وهو ملف أراه من أكثر الملفات بشاعة. الحرب التقليدية تقتل بالقذيفة والرصاصة، لكن الحروب الحديثة تستطيع أيضًا أن تقتل بإغلاق الطريق، وقطع الماء، ومنع الغذاء، وتدمير الزراعة، ومحاصرة المستشفى. وعندما يصبح الطعام جزءًا من الاستراتيجية العسكرية، فإن الجوع يتحول من كارثة إلى سلاح.

بعد هذه الجولة الطويلة، أجد أن المشكلة الأساسية ليست نقص المواثيق. لدينا الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، واتفاقيات جنيف، واتفاقية حقوق الطفل، واتفاقية مناهضة التعذيب، واتفاقية القضاء على التمييز ضد المرأة، والمحكمة الجنائية الدولية، ومجلس حقوق الإنسان، وعشرات الآليات واللجان والمقررين الخاصين. المشكلة أن البشرية بنت العمارة القانونية أسرع بكثير مما بنت الإرادة السياسية لتطبيقها.

وهنا توجد المفارقة الكبرى في أسبوع حقوق الإنسان هذا: لم يعد العالم يعاني من نقص المعرفة بالانتهاكات، بل من فائض المعرفة وعجز الفعل.

نحن نعرف من يُعتقل.

نعرف أين يُقصف المدنيون.

نعرف أين يجوع الأطفال.

نعرف أين تُحرم النساء من حقوقهن.

نعرف أسماء كثير من المدافعين المهددين.

نعرف الدول التي تنفذ الإعدام.

نعرف أين يُغلق المجال المدني.

وأحيانًا نعرف حتى أسماء المسؤولين عن الانتهاكات.

ومع ذلك يستمر كل شيء.

لهذا أخرج من قراءة حصيلة هذا الأسبوع بقناعة أكثر قسوة من مجرد القول إن حقوق الإنسان "في أزمة". الأزمة الحقيقية هي أننا نخاطر بالتعود على الأزمة نفسها. يصبح الطفل المقتول رقمًا، والمعتقل خبرًا، واللاجئ صورة، والمرأة المعنفة إحصائية، والحرب شريطًا عاجلًا يتحرك أسفل شاشة التلفزيون.

وأخطر لحظة في تاريخ أي انتهاك ليست لحظة حدوثه فقط، بل اللحظة التي يفقد فيها قدرتَه على صدمتنا.

حقوق الإنسان ليست تخصصًا لمنظمات جنيف ونيويورك، وليست مناسبة سنوية، ولا لغة للدبلوماسيين وحدهم. إنها السؤال الذي يحدد شكل العالم الذي نقبل أن نعيش فيه. فالدولة التي تستطيع اليوم إسكات صحفي بحجة الأمن قد تستطيع غدًا إسكات مواطن عادي بالحجة نفسها، والحرب التي تسمح اليوم بتجويع أطفال بعيدين قد تؤسس غدًا لقاعدة تستخدم في حرب أخرى أقرب إلينا.

ولهذا، وأنا أراجع أخبار هذا الأسبوع، لا أرى كينيا والهند وليبيا واليمن والسودان وغزة وسوريا وإيران ونيجيريا وقائع منفصلة. أراها جميعًا أجزاء من معركة عالمية واحدة بين فكرتين: فكرة تقول إن القوة هي التي تحدد مقدار الحقوق التي يستحقها الإنسان، وفكرة أخرى تقول إن الإنسان يمتلك حقوقه قبل أن تصل إليه الدولة والجندي والقاضي والحدود.

المستقبل سيتوقف إلى حد كبير على أي الفكرتين ستنتصر.

أما الصمت، فقد أثبت التاريخ مرارًا أنه لا يقف في المنتصف.


0 التعليقات: