الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأربعاء، أكتوبر 21، 2026

السجون والحدود والفقر والحروب خريطة جديدة لانتهاكات حقوق الإنسان: إعداد عبده حقي


أتابع خلال هذه الأيام الأخبار الحقوقية القادمة من الجزائر وتونس وليبيا ومصر وغزة والسعودية والعراق وأوروبا، فأشعر أنني لا أتنقل بين دول مختلفة بقدر ما أتنقل بين أشكال متعددة لسؤال واحد: كم بقي للإنسان من مساحة آمنة يستطيع داخلها أن يقول رأيه، وأن يحتج، وأن يطالب بالماء والخبز والسكن والكرامة، وأن يعبر عن غضبه من دون أن يتحول هذا الغضب إلى ملف أمني، أو إلى رقم في سجل المحاكم، أو إلى تهمة فضفاضة يمكن أن تتسع كلما ضاقت السياسة؟

لا أريد أن أختزل حقوق الإنسان في السجين السياسي، على أهميته، ولا في الصحفي الملاحَق، ولا في المعارض الذي يقف أمام المحكمة، لأن الخريطة الحقوقية اليوم أوسع وأكثر قسوة. حقوق الإنسان أصبحت موجودة أيضًا في صنبور ماء ينقطع عن حي كامل، وفي أسرة تخشى فقدان بيتها، وفي مهاجر يُطارد بين صحراء وبحر وحدود، وفي طفل يعيش تحت القصف، وفي طالب يخشى أن يصبح التعليم امتيازًا للأغنياء، وفي مواطن يضغط على زر «نشر» ثم يكتشف أن ما كتبه على هاتفه يمكن أن يتحول إلى سنوات من عمره خلف القضبان.

لهذا أرى أن السؤال الحقوقي في هذه المرحلة لم يعد ترفًا فكريًا ولا مادة موسمية للتقارير الدولية. إنه السؤال الذي يختبر معنى الدولة نفسها، وحدود سلطتها، وقدرتها على أن تكون قوية من دون أن تكون قاسية، وأن تحمي الأمن من دون أن تحاصر المجتمع.

الجزائر: عندما يعود الإعدام إلى لغة الدولة

في الجزائر، استوقفني بصورة خاصة النقاش المتجدد حول عقوبة الإعدام. أعرف أن الجرائم الخطيرة تثير الغضب، وأن حرائق الغابات وما تخلفه من موت ودمار يمكن أن تدفع الرأي العام إلى المطالبة بأشد العقوبات، لكن القانون لا يُصاغ في لحظة الغضب، ولا ينبغي للدولة أن تبني فلسفتها العقابية على الرغبة في الانتقام.

عندما أسمع أن نطاق عقوبة الإعدام قد يتوسع، وأن أفعالًا مرتبطة بالتحريض أو المساعدة أو التشجيع قد تدخل بدورها في دائرة العقوبات القصوى، أسأل: أين تبدأ الجريمة وأين ينتهي التأويل؟ وهل تكفي عبارة منشورة على منصة رقمية لكي تدخل حياة إنسان منطقة الخطر القصوى؟

الخطر هنا ليس فقط في الحكم بالإعدام، بل في الثقافة السياسية التي يمكن أن تنمو حوله. فالدولة التي تتوسع في استعمال العقوبة الأشد قد تجد نفسها شيئًا فشيئًا أمام قانون تتراجع فيه فلسفة الإصلاح لصالح فلسفة الردع المطلق.

وأنا أكتب عن الجزائر لا أستطيع أن أفصل هذا النقاش عن ملف حرية التعبير والصحافة. فالصحفي الذي يكتب عن السلطة، والناشط الذي ينتقدها، والمواطن الذي يعبر عن رأي غاضب، يعيشون جميعًا داخل المجال نفسه الذي تتحرك فيه قوانين الأمن والنظام العام والجرائم الإلكترونية.

أكثر ما يقلقني هو الغموض. الدولة الديمقراطية تحتاج إلى قوانين واضحة لا إلى مفاهيم مطاطة. تحتاج إلى أن يعرف المواطن بالضبط ما هو الممنوع ولماذا، وأن يضمن أن القاضي سيحاسبه على فعل محدد لا على نية مفترضة ولا على موقف سياسي غير مرغوب فيه.

الجزائر بلد كبير بإمكاناته البشرية والثقافية والتاريخية، لكنها ستبقى أمام امتحان صعب ما دامت العلاقة بين السلطة والصوت المختلف مشوبة بهذا القدر من التوتر.

تونس: ثورة الحرية أمام امتحان الحياة اليومية

أما تونس، فأتابعها بحساسية خاصة لأن تجربتها بعد 2011 حملت لسنوات صورة الأمل العربي. لذلك تبدو لي التحولات الأخيرة فيها مؤلمة أكثر.

لم تعد الأزمة الحقوقية التونسية مرتبطة فقط بمحاكمة سياسي أو تضييق على معارض. اليوم هناك مواطنون يحتجون بسبب الماء، وبسبب الكهرباء، وبسبب التلوث، وبسبب الخوف على الصحة، وبسبب شعور متراكم بأن الدولة لا تسمعهم إلا عندما يخرجون إلى الشارع.

هنا يصبح سؤال الحقوق أكثر بساطة وأشد عمقًا: ما قيمة حرية التعبير لمن لا يجد ماء صالحًا؟ وما قيمة الدستور لمن يخشى أن يتنفس هواء ملوثًا؟ وما معنى دولة القانون إذا أصبح الحصول على خدمة أساسية معركة يومية؟

قابس، مثلًا، ليست مجرد نقطة على خريطة الاحتجاج، بل رمز لأزمة أكبر تتعلق بالعلاقة بين التنمية والبيئة. من يدفع ثمن الصناعة؟ من يستفيد؟ من يربح؟ ومن يتنفس التلوث؟

أنا مقتنع بأن الحق في البيئة النظيفة لم يعد قضية هامشية. إنه حق سياسي بقدر ما هو حق صحي. والمواطن الذي يطالب ببحر غير ملوث وهواء غير مسموم لا يمارس نزوة، بل يدافع عن حقه في الحياة.

ويزداد المشهد تعقيدًا عندما تقابل السلطة الاحتجاج الاجتماعي بمنطق أمني. هنا يقع الخطأ الأكبر: حين تُختزل الأزمة الاجتماعية في مشكلة شرطة.

المياه لا تعود إلى الأنابيب بالاعتقالات، والبطالة لا تنخفض بالمحاكمات، والتلوث لا يُعالج بإغلاق الشوارع أمام المتظاهرين.

لقد كانت تونس يومًا مختبرًا عربيًا للحرية، لكنها اليوم أمام امتحان أصعب: هل تستطيع أن تحافظ على الحرية عندما تضيق الأحوال الاقتصادية وتتراكم الأزمات؟

ليبيا: الإنسان العالق بين الميليشيا والبحر والحدود

ليبيا تمثل بالنسبة إليّ أحد أكثر المشاهد الحقوقية قسوة في المنطقة، لأن الإنسان فيها قد لا يعرف أصلًا من هي السلطة التي يستطيع أن يشكو إليها.

تعدد الأجهزة، وانقسام المؤسسات، وانتشار السلاح، وتداخل المحلي بالإقليمي والدولي، كلها جعلت المواطن والمهاجر في مواجهة فضاء سياسي وأمني معقد جدًا.

لكن المهاجرين يظلون الفئة الأكثر هشاشة.

أتخيل شابًا إفريقيًا يعبر مئات الكيلومترات من الصحراء، هاربًا من الفقر أو الحرب أو اليأس، ثم يصل إلى ليبيا ليجد نفسه أمام شبكات تهريب، أو احتجاز، أو عنف، أو ترحيل، ثم يحاول البحر، وإذا نجا قد يُعاد إلى المكان الذي هرب منه.

هذه ليست هجرة بالمعنى البسيط. إنها دورة مغلقة من الخوف.

وتتحمل أوروبا جزءًا واضحًا من هذه المأساة. فمن السهل على العواصم الأوروبية أن تطالب بمنع القوارب من الوصول، لكن السؤال الأخلاقي يبدأ بعد ذلك: ماذا يحدث لمن أُعيدوا؟

لا يمكن لأوروبا أن تتحدث عن حقوق الإنسان صباحًا ثم تبني مساءً سياسات هدفها الوحيد إبقاء المعاناة خارج الكاميرا وخارج حدودها.

المهاجر ليس رقمًا في بيان أمني، ولا كتلة بشرية تهدد الحدود. إنه إنسان قبل كل شيء، وهنا يبدأ القانون.

مصر: عندما تصبح الصحافة نفسها موضع اتهام

في مصر، يلاحقني منذ سنوات سؤال بسيط: هل يمكن للصحافة أن تؤدي وظيفتها إذا أصبح السؤال الصحفي نفسه مخاطرة؟

أتابع قضايا الصحفيين والباحثين والنشطاء، وأشعر أن المساحة بين الخبر والتهمة باتت ضيقة أحيانًا إلى حد مقلق.

الصحفي الذي يحقق في ملف حساس يجب أن يكون محميًا بالقانون، لا أن يشعر أن كل معلومة يمكن أن تقوده إلى غرفة تحقيق.

الخطر لا يكمن فقط في اعتقال صحفي هنا أو محاكمة آخر هناك. الخطر الحقيقي هو الخوف الذي ينتقل إلى آلاف آخرين.

عندما يُعتقل صحفي واحد، قد يصمت مئة. وعندما يُغلق موقع واحد، قد تغيّر عشرات المواقع خطها التحريري. وهكذا لا يعود القمع بحاجة إلى مطاردة الجميع، لأنه ينتج رقابة ذاتية أشد فعالية من الرقابة الرسمية.

وهذه، في رأيي، واحدة من أخطر مراحل تراجع حرية التعبير: عندما يصبح الكاتب رقيبًا على نفسه قبل أن يكون القانون رقيبًا عليه.

أقرأ كذلك عن الحبس الاحتياطي الطويل، وعن قضايا يُعاد تدويرها، وعن استعمال تهم فضفاضة، فأشعر أن العدالة نفسها تحتاج إلى حماية من الإفراط في استعمال أدواتها.

القضاء يجب أن يكون مكانًا يحمي المواطن من الدولة بقدر ما يحمي الدولة من الجريمة.

غزة: الجريمة الكبرى التي تحولت إلى خبر متكرر

أما غزة، فهنا يصعب عليّ أن أكتب ببرودة الصحفي.

ما جرى ويجري هناك تجاوز حدود اللغة التي اعتدناها في التقارير. أرقام القتلى والجرحى والنازحين تتحول مع كثرتها إلى جداول، لكن كل رقم فيها كان بيتًا وصوتًا وذاكرة وعائلة.

أخشى أن يكون أخطر ما تفعله الحروب الطويلة بنا هو أنها تقتل حساسيتنا بالتدريج.

نقرأ عن عشرة قتلى فنمر، ثم عن عشرين، ثم عن مدرسة أو مستشفى أو مخيم، ونواصل يومنا.

لكن الحقوق لا يمكن أن تُقاس بدرجة تعودنا على المأساة.

وقف إطلاق النار، إن تحقق أو استمر، لا يمحو الجريمة السابقة ولا يعيد البيوت ولا يعالج الأطفال ولا يعيد الآباء الذين فقدوا أبناءهم.

غزة اليوم ليست فقط قضية وقف نار. إنها قضية محاسبة وإغاثة وإعمار وعدالة وحق في الحياة.

وإذا كان القانون الدولي عاجزًا عن حماية طفل من القصف، فعلينا على الأقل أن نسأل بوضوح: لمن كُتب هذا القانون إذن؟

أنا لا أرى في مأساة غزة مجرد أزمة إنسانية. أراها اختبارًا للنظام الدولي نفسه.

السعودية: الحداثة الاقتصادية وحدود الإصلاح الحقوقي

في السعودية تبدو المفارقة شديدة الوضوح.

بلد يشهد تغيرات اقتصادية واجتماعية وثقافية كبيرة، ويفتح المدن للسياحة والترفيه والمشروعات العالمية، لكنه لا يزال يواجه انتقادات ثقيلة في قضايا الإعدام والمحاكمات وحرية التعبير.

لا يمكن لأي تحول اقتصادي، مهما كان ضخمًا، أن يكون بديلًا عن العدالة.

أنا لا أقلل من أهمية التنمية، لكن الأبراج لا تلغي السجون، والمشروعات الضخمة لا تجيب عن سؤال المحاكمات العادلة.

وقضية إعدام أشخاص على خلفية أفعال ارتُكبت وهم قاصرون تثير بالنسبة إليّ خطًا أحمر أخلاقيًا واضحًا.

الطفولة لا يمكن أن تُعامل بمنطق العقوبة النهائية.

كما أن الحكم بالإعدام أو العقوبات الثقيلة بسبب تعبير رقمي أو محتوى منشور يطرح سؤالًا شديد القسوة: لماذا تخاف الدول من الكلمات إلى هذا الحد؟

إذا كانت الدولة قوية فعلًا، فالنقد لا يهدمها.

العراق: مكافحة الإرهاب لا تعني محاكمة بالجملة

في العراق، تثير قضايا آلاف المعتقلين المرتبطين أو المشتبه في ارتباطهم بتنظيم «داعش» إشكالية معقدة جدًا.

أنا لا أدعو إلى التساهل مع الإرهاب، بل أرى أن الجرائم التي ارتكبتها التنظيمات المتطرفة تحتاج إلى عدالة حازمة.

لكن العدالة الحازمة ليست العدالة السريعة.

كل متهم يجب أن يُحاكم على ما فعله هو، لا على المكان الذي عاش فيه، ولا على الجماعة التي كان أحد أقاربه جزءًا منها.

وتصبح المسألة أكثر حساسية مع الأطفال.

الطفل الذي نشأ داخل منطقة يسيطر عليها تنظيم مسلح ليس بالضرورة إرهابيًا. ربما كان ضحية قبل أن يكون متهمًا.

إذا عاقبنا جيلًا كاملًا على ظروف لم يخترها، فنحن قد نزرع بذور الأزمة المقبلة ونحن نزعم أننا نعالج السابقة.

أوروبا: الديمقراطية عندما تغضب الشوارع

أوروبا من جهتها ليست في موقع يسمح لها دائمًا بإعطاء الدروس.

أتابع الاحتجاجات في فرنسا وبلجيكا وإيطاليا والبرتغال وغيرها، فأرى أن القارة تعيش أيضًا أزمات عميقة تتعلق بالغلاء والسكن والتعليم والهجرة والوظائف.

الديمقراطية تبدو جميلة في أوقات الاستقرار. امتحانها الحقيقي يبدأ عندما تمتلئ الشوارع.

هنا يظهر السؤال: كيف تتعامل الدولة مع المواطن الغاضب؟

هل تعتبره خصمًا يجب ضبطه، أم مواطنًا يجب الاستماع إليه؟

في فرنسا، احتجاجات الغلاء والخدمات والتعليم تكشف شرخًا اجتماعيًا حقيقيًا. كثيرون يشعرون أن الدولة تتحدث عن المؤشرات بينما يتحدثون هم عن نهاية الشهر.

وعندما تصل الهوة بين الخطاب الرسمي والحياة اليومية إلى مستوى مرتفع، يصبح الشارع هو البرلمان البديل.

طبعًا، لا يمكن تبرير العنف أو التخريب، لكن الخطأ يبدأ عندما تصبح أفعال أقلية مبررًا لخنق حق الأغلبية في الاحتجاج.

الديمقراطية لا تُقاس بسهولة الانتخابات فقط، بل بقدرة السلطة على تحمل الضجيج.

إيطاليا وبلجيكا والبرتغال: الأمن لا يجب أن يبتلع السياسة

في إيطاليا، تشديد التشريعات الأمنية يثير لدي تخوفًا مألوفًا.

كل قانون استثنائي يبدأ بعنوان جذاب: حماية الأمن، مواجهة العنف، حماية الشرطة. لكن القوانين لا تُقاس بنوايا واضعيها وحدها، بل بما يمكن أن تصبح عليه بين أيدي حكومات أخرى.

ولهذا فإن توسيع صلاحيات الشرطة ينبغي دائمًا أن يقابله توسيع أدوات الرقابة.

أما في بلجيكا، فإن الاحتجاجات الطلابية تعيدنا إلى السؤال الاجتماعي الأساسي: هل سيظل التعليم حقًا أم يتحول إلى سلعة؟

إذا أصبحت الجامعة غير متاحة إلا لمن يستطيع دفع تكلفتها، فنحن لا نتحدث فقط عن سياسة تعليمية، بل عن إعادة إنتاج الطبقات.

وفي البرتغال، أزمة السكن تكشف وجهًا آخر لحقوق الإنسان.

السكن ليس مجرد عقار.

إنه استقرار وعائلة وأمان نفسي.

وعندما يصبح الإيجار يلتهم غالبية الراتب، يتحول الحق في السكن إلى معركة وجودية.

الإنسان العربي بين الدولة والسوق والمنصة

أكثر ما يلفتني في كل هذه الملفات هو أن الإنسان لم يعد يواجه سلطة الدولة وحدها.

هو اليوم يواجه أيضًا السوق والمنصة والخوارزمية والشركة العالمية.

قد تسلبه الدولة حريته السياسية، وقد يسلبه السوق قدرته على السكن، وقد تسلبه الخوارزمية خصوصيته، وقد تسلبه المنصة صوته أو تضخمه أو تدفعه إلى التطرف.

حقوق الإنسان في القرن الحادي والعشرين أصبحت أكثر تعقيدًا بكثير مما كانت عليه قبل نصف قرن.

من يملك بياناتي؟

من يقرر ما أراه؟

من يستطيع إغلاق حسابي؟

من يستطيع مراقبة رسائلي؟

من يتحمل مسؤولية قرار اتخذته خوارزمية؟

هذه الأسئلة ستصبح خلال السنوات القادمة مركزية بقدر مركزية حرية الصحافة اليوم.

الخوف من الحرية

أعتقد أن مشكلة كثير من الأنظمة ليست مع المعارضة في حد ذاتها، بل مع فكرة أن المواطن يمكن أن يكون مستقلاً.

الدولة تريد المواطن الهادئ، لكنها أحيانًا تخلط بين الهدوء والطاعة.

المواطن الذي يحتج ليس عدوًا بالضرورة.

المواطن الذي ينتقد ليس عميلًا.

والصحفي الذي يحقق ليس متآمرًا.

والطالب الذي يخرج إلى الشارع ليس فوضويًا بالضرورة.

والمهاجر ليس مجرمًا لمجرد أنه فقير.

لكن هذه البديهيات تضيع سريعًا عندما تدخل السياسة منطقة الخوف.

الكرامة ليست منحة

أكثر ما أرفضه في الخطاب السلطوي، عربيًا ودوليًا، هو التعامل مع الحقوق وكأنها هبة من الدولة.

الحق ليس هدية.

حرية التعبير ليست امتيازًا يمنحه الحاكم للمواطن إذا أحسن السلوك.

والتظاهر ليس خدمة يمكن إيقافها عند الغضب.

والصحافة ليست نشاطًا مشروطًا برضا السلطة.

الكرامة لا تُمنح.

هي الأصل.

والدولة التي تنجح ليست الدولة التي تجعل مواطنيها صامتين، بل التي تسمح لهم بالكلام من دون أن تخاف من أصواتهم.

حقوق الإنسان خارج الانتقائية

هناك أيضًا مشكلة عالمية أخطر: الانتقائية.

نستنكر انتهاكًا هنا ونسكت عن مثله هناك.

نرفع شعار القانون الدولي ضد خصم، ثم نبحث عن استثناء عندما يتعلق الأمر بحليف.

هذه الازدواجية قتلت جزءًا كبيرًا من الثقة في الخطاب الحقوقي الدولي.

فالمواطن في جنوب العالم لم يعد يصدق بسهولة أن حقوق الإنسان معيار واحد للجميع.

يرى حربًا تُدان بسرعة، وحربًا أخرى تحتاج شهورًا من الجدل اللغوي قبل أن يُقال إن المدنيين يستحقون الحماية.

ويرى حكومات تعاقب دولة لأنها تعتقل معارضًا، ثم توقع صفقات ضخمة مع دولة أخرى تفعل الشيء نفسه.

هذه الانتقائية أخطر على منظومة حقوق الإنسان من أعدائها المعلنين.

الشرق الأوسط وأوروبا: مسافة أقصر مما نعتقد

قد نعتقد أن المسافة الحقوقية بين الشرق الأوسط وأوروبا شاسعة.

هي كذلك في جوانب كثيرة، لكن الأزمات الأخيرة تكشف أن المشكلات بدأت تتقارب في بعض مستوياتها.

الخوف من الاحتجاج موجود هنا وهناك.

أزمة السكن موجودة هنا وهناك.

المراقبة الرقمية تتوسع هنا وهناك.

والهجرة تحولت في كل مكان تقريبًا إلى ورقة سياسية.

الفارق الحقيقي يكمن في قوة المؤسسات وقدرتها على مقاومة الانحراف.

الدولة التي تمتلك قضاء مستقلًا وصحافة قوية ومجتمعًا مدنيًا حرًا تستطيع تصحيح أخطائها بسرعة أكبر.

أما الدولة التي تضعف فيها هذه المؤسسات، فإن الخطأ يتحول بسهولة إلى سياسة دائمة.

ماذا أرى في النهاية؟

أرى عالمًا تتراجع فيه المسافة بين الأمن والحقوق.

أرى حكومات تريد أن تحكم بسرعة أكبر، ومجتمعات تريد أن تتكلم أكثر.

أرى التكنولوجيا تمنح المواطن صوتًا، ثم تمنح السلطة في الوقت نفسه أدوات غير مسبوقة لمراقبته.

أرى الشباب يرفضون أن يعيشوا كما عاش آباؤهم، لكنهم يدخلون سوقًا أصعب ومدنًا أغلى ومستقبلًا أكثر غموضًا.

وأرى القانون الدولي يواجه أصعب امتحان له منذ عقود.

لكنني، رغم كل هذا، لا أعتقد أن المعركة خاسرة.

لأن السلطة مهما توسعت لا تستطيع أن تمنع الناس إلى الأبد من طرح السؤال نفسه:

لماذا؟

لماذا أُعتقل؟

لماذا لا أجد ماء؟

لماذا لا أستطيع شراء بيت؟

لماذا يمنعني القانون من الكتابة؟

لماذا يحق لطفل في بلد أن يعيش آمنًا بينما يصبح طفل آخر رقمًا في بيان حرب؟

هذا السؤال البسيط هو بداية كل تحول.

والتاريخ يعلمنا أن الحقوق لا تسقط من السماء، ولا تقدمها الحكومات طوعًا في معظم الأحيان.

الحقوق تُنتزع بالوعي والقانون والصحافة والنقاش والصبر والمقاومة المدنية.

ولهذا أرى أن أخطر شيء يمكن أن يحدث لمجتمع ليس أن تنتهك حقوقه مرة، بل أن يعتاد الانتهاك.

حين يصبح الاعتقال خبرًا عاديًا، والخوف عادة، والصمت حكمة، والإهانة ضرورة سياسية، عندها تبدأ الهزيمة الحقيقية.

أما ما دام الناس يسألون، ويكتبون، ويوثقون، ويحتجون، فإن باب الكرامة سيظل مفتوحًا.


0 التعليقات: