يعود مسرح الشامات إلى جمهوره في موسم جديد باختيار فني يحمل في عنوانه وحده كثيرًا من الدلالات: «صمت الآباء». ليست المسألة مجرد عرض مسرحي جديد يضاف إلى رصيد فرقة راكمت سنوات طويلة من الاشتغال على الخشبة المغربية، بل نحن أمام عمل يفتح واحدًا من أكثر الملفات الإنسانية حساسية في الذاكرة المغربية المعاصرة، ملف الآباء الذين غادروا المغرب نحو أوروبا بحثًا عن العمل والعيش الكريم، ثم عاد بعضهم محملًا بحكايات لم تروَ، بينما بقي بعضهم الآخر هناك، تاركًا لأبنائه صمتًا ثقيلًا بدل السيرة الكاملة.
تستعد فرقة مسرح الشامات لافتتاح موسمها المسرحي الثامن والعشرين بعرض «صمت الآباء»، المقتبس عن رواية الكاتب المغربي رشيد بن الزين، في خطوة تؤكد استمرار الفرقة في اختيار نصوص وأسئلة تتقاطع فيها الذاكرة الفردية بالتاريخ الاجتماعي، ويتحول فيها المسرح إلى فضاء لاستنطاق ما عجزت عنه الحكاية العائلية أو أخفته سنوات الغربة والعمل والهجرة. ومن المرتقب تقديم العرض الأول يوم الأربعاء 28 أكتوبر 2026 على خشبة مسرح المعهد الفرنسي بمكناس، في افتتاح يحمل دلالة خاصة بالنظر إلى الموضوع الذي يعالجه العمل وإلى المسار الذي راكمته فرقة الشامات داخل المشهد المسرحي المغربي.
يحمل عنوان «صمت الآباء» منذ البداية مفارقة درامية لافتة، فالمسرح هو فضاء الكلام والحضور والصوت والجسد، بينما يقوم موضوع العمل على الصمت، أي على ما لم يقل، وما ظل مدفونًا في الذاكرة، وما أخفاه الآباء عن الأبناء ربما بدافع الخوف أو الحرج أو الرغبة في حماية الأسرة من قسوة ما عاشوه. وهنا تحديدا تكمن قوة المشروع المسرحي، لأن الخشبة لا تستعيد فقط أحداث الماضي، بل تحاول منح الصمت نفسه لغة، وتحويل الفراغات داخل السيرة العائلية إلى مادة درامية قابلة للسؤال والمواجهة والتأويل.
الرواية الأصلية لرشيد بن الزين، الصادرة سنة 2023، تستعيد حكايات جيل كامل من العمال المغاربة الذين توجهوا إلى أوروبا في مراحل مختلفة من القرن العشرين، وانخرطوا في إعادة بناء الاقتصاد الأوروبي بعد الحرب العالمية الثانية، خصوصًا داخل المصانع والأوراش والمناجم والخدمات. غير أن الرواية لا تنظر إلى هؤلاء باعتبارهم مجرد أرقام داخل تاريخ الهجرة، بل تقترب من هشاشتهم الإنسانية ومن إحساسهم بالاقتلاع ومن العلاقة الملتبسة التي نسجوها مع الوطن الأصلي والوطن الجديد، وهي علاقة لم تكن يومًا بسيطة ولا مستقرة.
لقد غادر كثير من هؤلاء الرجال المغرب بحقائب صغيرة وأحلام محدودة وربما بوعد داخلي بالعودة السريعة، لكن سنوات العمل تحولت إلى عقود، والغربة المؤقتة تحولت إلى إقامة طويلة، ثم ولدت أجيال جديدة في أوروبا، لا تعرف عن المغرب إلا ما كان يصلها عبر صور العائلة والعطل الصيفية وحكايات مبتورة من الآباء. وفي قلب هذه المسافة بين جيلين يتولد سؤال العمل: ماذا يحدث عندما يكتشف الأبناء أن آباءهم عاشوا حياة كاملة لم يحدثوهم عنها؟ ماذا يبقى من الأب حين تختصر سيرته في كونه مهاجرًا كان يعمل ويرسل المال ويعود في الصيف؟ وأين تختفي مشاعر الخوف والانكسار والوحدة والعنصرية والتعب والحنين؟
هذه الأسئلة تجعل «صمت الآباء» أكثر من اقتباس أدبي تقليدي. إنه انتقال من الذاكرة المكتوبة إلى الذاكرة المجسدة، ومن الرواية إلى الجسد الحي فوق الخشبة. فالممثل هنا لا يروي فقط ما حدث، بل يعيد إنتاج الإحساس بالغياب والانتظار والصمت والانفصال بين الأجيال. وحين تتجسد ذاكرة الهجرة مسرحيًا، يصبح المتفرج جزءًا من السؤال، لأنه يرى أمامه ما كان يمكن أن يكون قصة والده أو جده أو أحد أقاربه أو أحد ملايين المغاربيين الذين تشكلت حياتهم بين ضفتين.
وتشير المعطيات المرتبطة بالمشروع إلى أن الاشتغال عليه استغرق ثلاث سنوات، وهو ما يكشف عن رغبة واضحة في تجاوز منطق الإنتاج السريع نحو بناء عرض يقوم على البحث الدراماتورجي والتأمل في العلاقة بين النص الروائي والمنجز المسرحي. وتولى بوسلهام الضعيف كتابة المسرحية وإخراجها، فيما يشارك في التشخيص كل من أيوب اليوسفي وسناء عاصف وجمال لعبابسي، إلى جانب فريق تقني وإنتاجي يسعى إلى منح العمل امتداده الفني والجمالي.
واختيار بوسلهام الضعيف لهذا النص يبدو منسجمًا مع طبيعة الأسئلة التي اشتغل عليها المسرح المغربي في العقود الأخيرة، حيث لم يعد المسرح مجرد فضاء لعرض الحكايات الاجتماعية المباشرة، بل أصبح مختبرًا للذاكرة والهوية وللمناطق الرمادية داخل التاريخ الشخصي والجماعي. إن تحويل رواية تتناول الهجرة إلى عرض مسرحي يمنحها بعدًا آخر، لأن الهجرة في جوهرها ليست مجرد انتقال جغرافي، بل انتقال في اللغة والجسد والذاكرة والانتماء وحتى في طريقة النظر إلى الذات.
ويكتسب هذا العمل أهمية إضافية لأن قضية الهجرة المغربية إلى أوروبا لم تكتب بعد بكل أبعادها الإنسانية. هناك تاريخ رسمي يتحدث عن اليد العاملة والاتفاقيات الثنائية والتحويلات المالية والاندماج، لكن خلف هذا التاريخ توجد ملايين القصص الصغيرة التي لم تجد مكانها في الكتب ولا في الأرشيف. قصص رجال عاشوا سنوات في غرف ضيقة قرب المصانع، وأمهات ربين أبناءهن في غياب الأزواج، وأطفال كبروا وهم ينتظرون الأب العائد من فرنسا أو بلجيكا أو هولندا أو ألمانيا، وعائلات كان السفر بالنسبة إليها مشروع نجاة ومصدر ألم في الوقت نفسه.
المسرح حين يقترب من هذه المنطقة يصبح أداة لمقاومة النسيان. إنه لا يقدم لنا الإحصاءات، بل يعيد الإنسان إلى قلب الصورة. وهذا تحديدا ما يمنح «صمت الآباء» بعده الثقافي والإنساني، لأنه يحاول أن يقول إن تاريخ الهجرة ليس فقط تاريخ حدود وجوازات وعقود عمل، بل تاريخ مشاعر مؤجلة واعترافات لم تحصل وندوب بقيت تنتقل من جيل إلى آخر.
ويحيل العنوان أيضًا على سؤال أكثر عمقًا يتعلق بعلاقة الآباء بالأبناء في المجتمعات المغاربية. فكثير من الآباء ينتمون إلى جيل لم يكن التعبير عن الألم جزءًا من ثقافته اليومية. كان الرجل مطالبًا بالتحمل والعمل والصمت، وكان الحديث عن الخوف أو الانكسار أو الوحدة يبدو في نظر كثيرين نوعًا من الضعف. لذلك ورث الأبناء في أحيان كثيرة نتائج التجربة من دون أن يرثوا تفاصيلها، ورأوا صلابة آبائهم من الخارج من دون أن يعرفوا الهشاشة التي كانت تختبئ خلفها.
ومن هنا يتحول «صمت الآباء» من عمل عن الهجرة إلى عمل عن الأبوة نفسها، وعن المسافة التي يمكن أن تفصل بين شخصين داخل العائلة الواحدة، رغم الحب والقرب البيولوجي. فقد يكون الأب حاضرًا في البيت وغائبًا عن حكاية حياته، وقد يعرف الأبناء عنه ما فعله أكثر مما يعرفون ما شعر به، وهذه المنطقة هي التي يمكن للمسرح أن يجعلها مرئية ومؤلمة في آن واحد.
كما أن تقديم العرض في مدينة مكناس يمنحه بعدًا محليًا ذا دلالة، لأن مدن المغرب كلها تقريبًا تحمل آثار الهجرة في عمرانها وعائلاتها وذاكرتها الاجتماعية. لا تكاد توجد أسرة مغربية إلا ولها قريب أو فرد عاش تجربة الهجرة بشكل مباشر أو غير مباشر، ولهذا فإن موضوع العمل لا يبدو بعيدًا عن الجمهور، بل يمس تجربة جماعية واسعة امتدت لعقود وشكلت جزءًا من التحولات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للمغرب.
ويتجاوز الرهان الفني في «صمت الآباء» مجرد نقل الرواية إلى الخشبة. الاقتباس المسرحي الناجح لا يكتفي بتلخيص النص الأصلي، بل يعيد اختراعه في لغة جديدة، لغة تعتمد الجسد والصوت والضوء والفضاء والإيقاع. ولذلك سيكون من المهم أن ينجح العرض في خلق توازن بين كثافة الحكاية الأدبية وضرورات الأداء المسرحي، وبين البعد التاريخي للموضوع وخصوصية التجربة الإنسانية لكل شخصية.
افتتاح الموسم الثامن والعشرين لفرقة مسرح الشامات بهذا العمل يبدو، بهذا المعنى، اختيارًا يحمل رسالة واضحة: المسرح ما يزال قادرًا على الدخول إلى مناطق حساسة من الذاكرة الجماعية، وما يزال يستطيع إعادة طرح الأسئلة التي تركتها السياسة والتاريخ الرسمي والسيرة العائلية بلا إجابات مكتملة. إنه يذكرنا بأن بعض أهم القصص ليست تلك التي قيلت، بل تلك التي بقيت في الحلق ولم تجد لحظة الاعتراف المناسبة.
وربما تكون القيمة الحقيقية لـ«صمت الآباء» في أنه يفتح بابًا لحوار متأخر بين الأجيال. فالأبناء الذين عاشوا في أوروبا أو المغرب يحتاجون إلى معرفة ما عاشه الآباء، والآباء أنفسهم يحتاجون ربما إلى من يمنح صمتهم لغة أخرى. والمسرح يستطيع أن يكون هذه اللغة، لأنه لا يحاكم التجارب ولا يحولها إلى دروس جاهزة، بل يضعها أمامنا في هشاشتها وتعقيدها ويترك لنا مساحة التأمل.
حين تنطفئ أضواء القاعة بعد العرض، قد لا يخرج الجمهور بحكاية مسرحية فحسب، بل بأسئلة شخصية أيضًا: ماذا أعرف حقًا عن أبي؟ ماذا أعرف عن رحلة جدي إلى أوروبا؟ أي حكايات بقيت داخل العائلة ولم تروَ؟ وكم من تاريخنا الشخصي ما يزال ينتظر أن يعثر على صوته؟
بهذا المعنى، يبدو «صمت الآباء» أكثر من عنوان لمسرحية جديدة. إنه استعارة عن جيل كامل صمت طويلًا، وعن أبناء بدأوا يبحثون داخل ذلك الصمت عن تاريخهم، وعن مسرح يحاول أن يمنح الكلمات لما بقي عقودًا خارج اللغة. وحين يتحول صمت الآباء إلى عرض فوق الخشبة، لا يصبح الماضي حاضرًا فقط، بل يصبح قابلًا للسؤال والمراجعة والمصالحة أيضًا.







0 التعليقات:
إرسال تعليق