الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأحد، أكتوبر 18، 2026

من يدفع فعليًا ضرائب الخمور في المغرب؟ عبده حقي


يبدو سعر قنينة النبيذ أو الجعة أو المشروبات الروحية على رف المتجر رقمًا بسيطًا يدفعه المستهلك عند الصندوق، لكن هذا الرقم هو في الواقع نهاية سلسلة طويلة من التكاليف والضرائب والهوامش التجارية. وراء كل قنينة ثمن للمنتج نفسه، وتكلفة للتعبئة والنقل والتخزين، وهوامش للمستورد أو المنتج والموزع والتاجر، ثم تأتي الضرائب لتضيف طبقة مالية مهمة قد تصبح، خصوصًا في المشروبات الروحية، جزءًا كبيرًا جدًا من السعر النهائي.

السؤال الاقتصادي الأكثر دقة لذلك ليس فقط: كم تجني الدولة المغربية من الضرائب على الخمور؟ بل: ما نسبة العبء الضريبي داخل السعر الذي يدفعه المستهلك؟ ومن يتحمل هذا العبء في النهاية: المنتج أم المستورد أم التاجر أم المستهلك؟

أولًا: ثلاث طبقات ضريبية ينبغي التمييز بينها

تخضع المشروبات الكحولية في المغرب أساسًا لثلاث آليات ينبغي عدم الخلط بينها: الرسوم الداخلية على الاستهلاك، والضريبة على القيمة المضافة، ثم الرسوم الجمركية بالنسبة إلى المنتجات المستوردة بحسب منشئها وتصنيفها الجمركي.

وتشير الوثائق الرسمية إلى أن الرسوم الداخلية على الاستهلاك رُفعت ابتداء من قانون المالية لسنة 2024 إلى 1,150 درهمًا للهكتولتر بالنسبة للنبيذ، و1,550 درهمًا للهكتولتر بالنسبة للجعة، و25,500 درهم للهكتولتر من الكحول الخالص بالنسبة للمشروبات الروحية.

أما ميزانية 2026 فتتوقع تحصيل حوالي 1.488 مليار درهم من الرسوم على النبيذ والكحول، ونحو 1.963 مليار درهم من رسوم الجعة، أي ما يقارب 3.451 مليارات درهم من هذين البندين وحدهما.

لكن هذه الإيرادات لا تساوي مجموع الضرائب المرتبطة بالقطاع؛ إذ توجد كذلك الضريبة على القيمة المضافة والرسوم الجمركية المحتملة، إضافة إلى الضرائب التي تؤديها الشركات على أرباحها وأنشطتها. وقد نشرت وزارة الاقتصاد والمالية النسخة المحينة من المدونة العامة للضرائب لسنة 2026 والوثائق الجمركية المرتبطة بقانون المالية.

ثانيًا: كم تبلغ الرسوم الداخلية داخل القنينة نفسها؟

هنا تصبح المقارنة أكثر وضوحًا.

قنينة نبيذ سعة 75 سنتيلتر

إذا كانت الرسوم الداخلية على النبيذ هي 1,150 درهمًا لكل هكتولتر، فهذا يعادل:

11.50 درهمًا لكل لتر.

وبالتالي فإن قنينة سعة 0.75 لتر تتحمل رسمًا داخليًا يقارب:

8.63 دراهم للقنينة.

فإذا كان سعر القنينة للمستهلك 70 درهمًا، فإن رسم الاستهلاك وحده يمثل نحو 12.3% من السعر النهائي.

أما إذا بيعت القنينة بـ150 درهمًا، فإن الرسم نفسه لا يمثل سوى حوالي 5.8%.

وهنا تظهر خاصية مهمة جدًا: الرسم الداخلي ثابت تقريبًا بحسب الحجم وليس بحسب قيمة القنينة، لذلك يكون وزنه النسبي أكبر على النبيذ الرخيص وأقل على النبيذ المرتفع الثمن.

ثالثًا: الجعة

بالنسبة إلى الجعة، تبلغ الرسوم الداخلية 1,550 درهمًا للهكتولتر، أي:

15.50 درهمًا لكل لتر.

وبالتالي فإن عبوة جعة من 33 سنتيلتر تتحمل رسمًا داخليًا يقارب:

5.12 دراهم.

أما زجاجة 50 سنتيلتر فتتحمل نحو:

7.75 دراهم.

فإذا بيعت عبوة 33 سنتيلتر مثلًا بـ15 درهمًا في متجر، فإن رسم الاستهلاك وحده قد يمثل أكثر من ثلث سعرها تقريبًا قبل حتى إدخال أثر الضريبة على القيمة المضافة في الحساب.

أما إذا بيعت العبوة نفسها في مطعم أو فندق بـ40 أو 50 درهمًا، فإن الوزن النسبي للرسم ينخفض كثيرًا لأن جزءًا أكبر من السعر يصبح مرتبطًا بالخدمة والموقع والهامش التجاري.

رابعًا: المشروبات الروحية… هنا تصبح الضريبة أثقل

الوضع مختلف بالنسبة إلى الويسكي والفودكا والجن والروم وغيرها من المشروبات الروحية، لأن الرسم يُحسب استنادًا إلى كمية الكحول الخالص.

التعريفة البالغة 25,500 درهم للهكتولتر من الكحول الخالص تعادل:

255 درهمًا لكل لتر من الكحول النقي.

لنفترض قنينة ويسكي سعة 70 سنتيلتر وبنسبة كحول تبلغ 40%.

كمية الكحول الخالص داخلها هي:

0.70 × 40% = 0.28 لتر من الكحول الخالص.

وبالتالي يبلغ الرسم الداخلي التقريبي:

0.28 × 255 = 71.40 درهمًا.

وهذا يعني أن رسم الاستهلاك وحده على قنينة الويسكي يمكن أن يتجاوز 70 درهمًا قبل احتساب الضريبة على القيمة المضافة وأي رسوم جمركية مرتبطة بالاستيراد.

هنا يظهر السبب في أن العبء الضريبي يكون أعلى بكثير على المشروبات الروحية مقارنة بالنبيذ والجعة.

خامسًا: أين تدخل الضريبة على القيمة المضافة؟

الضريبة على القيمة المضافة تختلف اقتصاديًا عن الرسم الداخلي على الاستهلاك.

الرسم الداخلي يُضاف إلى تكلفة المنتج وفق الكمية أو كمية الكحول، بينما تُفرض الضريبة على القيمة المضافة على قاعدة مالية تشمل العناصر الداخلة في السعر الخاضع للضريبة وفق القواعد المحددة قانونًا.

ولهذا السبب تحدث ظاهرة يمكن وصفها اقتصاديًا بـ**«الضريبة فوق الضريبة»** بمعناها الحسابي: إذ تدخل بعض الرسوم في قاعدة تكوين القيمة قبل احتساب الضريبة على القيمة المضافة.

ومن هنا فإن المستهلك لا يدفع رسم الاستهلاك فقط، بل يتحمل كذلك أثر TVA في السعر النهائي.

سادسًا: ماذا عن الرسوم الجمركية؟

هنا ينبغي الحذر من إعطاء رقم موحد.

لا توجد «نسبة جمركية واحدة» يمكن وضعها على جميع زجاجات النبيذ أو الويسكي المستوردة.

فمعدل الرسم يمكن أن يتغير بحسب:

  • التصنيف الجمركي للمنتج؛

  • بلد المنشأ؛

  • الاتفاقيات التجارية التي تربط المغرب بالبلد المصدر؛

  • الشروط التي تسمح بالاستفادة من التعريفة التفضيلية؛

  • القيمة المصرح بها عند الاستيراد.

ولهذا قد تدخل قنينتان متشابهتان من حيث النوع والسعر تحت عبء جمركي مختلف إذا كان منشؤهما مختلفًا.

وتشير الوثائق الرسمية المتعلقة بميزانية 2026 إلى أن الدولة تتوقع بصورة إجمالية أكثر من 18.17 مليار درهم من حقوق الاستيراد لمختلف المنتجات، لكن هذا الرقم لا يسمح بعزل حصة المشروبات الكحولية وحدها.

سابعًا: كيف يتكون السعر النهائي؟

يمكن تبسيط مسار القنينة المستوردة على الشكل التالي:

**سعر المنتج في بلد المنشأ

  • النقل والتأمين

  • حقوق الاستيراد عند انطباقها

  • الرسوم الداخلية على الاستهلاك

  • تكاليف المستورد

  • هامش المستورد

  • النقل والتخزين الداخلي

  • هامش الموزع

  • هامش بائع التجزئة

  • الضريبة على القيمة المضافة
    = السعر النهائي للمستهلك.**

أما المشروب المصنع محليًا فلا يتحمل بالطبع تكاليف الاستيراد نفسها، لكنه يتحمل تكاليف المواد الخام والإنتاج والطاقة والأجور والتعبئة والنقل والتوزيع والضرائب.

ثامنًا: من يدفع الضريبة فعلًا؟

هذه هي النقطة الاقتصادية الأهم.

هناك فرق بين المكلَّف قانونيًا بأداء الضريبة والشخص الذي يتحمل تكلفتها اقتصاديًا.

فقد يكون المنتج أو المستورد هو الذي يؤدي الرسم إلى الإدارة، لكنه يستطيع رفع سعر البيع ونقل العبء إلى الموزع، وهذا الأخير ينقله إلى بائع التجزئة، وينتهي جزء كبير منه في السعر الذي يؤديه المستهلك.

في الاقتصاد يسمى هذا بـTax incidence أو الوقوع الضريبي.

ولا يتحدد الطرف الذي يتحمل العبء الحقيقي بمجرد نص القانون، بل بقوة العرض والطلب.

إذا كان المستهلك متمسكًا بالمنتج ولا يخفض استهلاكه كثيرًا عندما يرتفع السعر، يستطيع البائع تمرير نسبة أكبر من الضريبة إليه.

أما إذا كان المستهلك شديد الحساسية للأسعار ويمكنه بسهولة الاستغناء عن السلعة أو استبدالها، فقد يضطر المنتج أو التاجر إلى امتصاص جزء من الزيادة عن طريق خفض هامش ربحه.


وهذا يفسر لماذا لا يمكن القول آليًا إن «المستهلك يدفع 100% من الضريبة». النسبة التي يمكن تمريرها إليه تعتمد على المنافسة والطلب والأسعار وهوامش الأرباح.

تاسعًا: ثلاثة نماذج تقريبية

لنأخذ أمثلة افتراضية لتوضيح الفكرة، وليس باعتبارها أسعارًا فعلية في السوق.

نبيذ محلي بـ100 درهم: رسم الاستهلاك لقنينة 75 سنتيلتر يقارب 8.63 دراهم. وبعد احتساب أثر TVA والضرائب الأخرى داخل بنية السعر، يمكن أن تصبح الحصة الجبائية الإجمالية أكبر بكثير من 8.6%.

جعة بـ20 درهمًا، 33 سنتيلتر: رسم الاستهلاك حوالي 5.12 دراهم، أي أكثر من ربع سعر البيع في هذا المثال قبل تحليل أثر TVA.

ويسكي بـ300 درهم، 70 سنتيلتر، 40% كحول: رسم الاستهلاك وحده يقارب 71.40 درهمًا، أي حوالي 24% من السعر المفترض، قبل TVA والرسوم الجمركية المحتملة.

وتُظهر هذه النماذج شيئًا مهمًا: نسبة العبء الضريبي ليست ثابتة حتى داخل الفئة الواحدة.

عاشرًا: لماذا قد تكون القنينة المستوردة أغلى بكثير؟

ليس السبب الضرائب وحدها.

فالسعر يتأثر أيضًا بسعر الصرف بين الدرهم والعملات الأجنبية، وكلفة الشحن، وسعر الزجاج والتغليف، وأجور النقل، والتخزين، والتأمين، وحجم الطلب، وقوة العلامة التجارية.

وقد تباع زجاجة ويسكي فاخرة بعشرة أضعاف زجاجة أخرى رغم أن كمية الكحول متقاربة جدًا. رسم الاستهلاك على القنينتين قد يكون متشابهًا، بينما يأتي فارق السعر أساسًا من قيمة العلامة التجارية وتكلفة الاستيراد وهوامش التجارة.

حادي عشر: هل ارتفاع الضريبة يعني ارتفاع مداخيل الدولة دائمًا؟

ليس بالضرورة.

إذا ارتفعت الضريبة من 10 إلى 15 درهمًا ولكن الاستهلاك انهار، فقد لا ترتفع الإيرادات بالنسبة نفسها.

وقد تؤدي الضرائب المرتفعة أيضًا إلى:

  • انتقال بعض المستهلكين إلى منتجات أرخص؛

  • انخفاض حجم المبيعات القانونية؛

  • اتساع الحوافز أمام التجارة غير النظامية أو التهريب؛

  • ضغط أكبر على هوامش المصنعين والموزعين؛

  • تحول الاستهلاك من فئة إلى أخرى.

لهذا ينبغي تقييم السياسة الضريبية من خلال العلاقة بين سعر الضريبة وحجم الاستهلاك والحصيلة الفعلية، وليس بمجرد النظر إلى التعريفة القانونية.

ثاني عشر: الضريبة تتوزع على كامل سلسلة التوريد

من الخطأ تصور العلاقة في صورة بسيطة بين الدولة والمستهلك.

بينهما توجد سلسلة اقتصادية كاملة:

منتج أو مستورد → موزع → بائع جملة → متجر أو مطعم → مستهلك.

عندما ترفع الدولة رسمًا بمقدار خمسة دراهم مثلًا، يستطيع المستورد رفع سعره خمسة دراهم كاملة، أو ثلاثة فقط ويتحمل درهمين من هامشه، أو أكثر من خمسة لتعويض تكاليف تمويل المخزون.

الموزع يفعل الشيء نفسه، ثم التاجر.

وبالتالي قد تتحول زيادة ضريبية مقدارها خمسة دراهم إلى زيادة بستة أو سبعة دراهم في السعر النهائي بسبب طريقة احتساب الهوامش التجارية والضرائب اللاحقة.

والعكس ممكن أيضًا في سوق شديد المنافسة، حيث يضطر التجار إلى امتصاص جزء من الزيادة.

ثالث عشر: النبيذ والجعة والويسكي ليست ضريبيًا السلعة نفسها

الفرق الأساسي يمكن تلخيصه هكذا:

النبيذ: الرسم يرتبط بالحجم، ولذلك يكون العبء النسبي أكبر على القنينات الرخيصة.

الجعة: الرسم الحجمي مرتفع نسبيًا قياسًا بسعر العبوة المنخفض، وبالتالي يمكن أن يمثل نسبة كبيرة من سعر الجعة الاقتصادية.

المشروبات الروحية: الرسم مرتبط بالكحول الخالص، لذلك يصبح العبء مرتفعًا جدًا كلما ارتفعت نسبة الكحول.

والنتيجة أن الدولة لا تفرض عبئًا واحدًا متجانسًا على «الخمور»، بل توجد بنية ضريبية تختلف باختلاف طبيعة المشروب.

رابع عشر: السؤال الذي يستحق تحقيقًا ماليًا ثانيًا

المرحلة التالية من التحقيق ينبغي أن تنتقل من القانون إلى رفوف المتاجر.

يمكن اختيار عينة فعلية تتكون مثلًا من:

5 أنواع من الجعة،
5 أنواع من النبيذ المغربي والمستورد،
5 أنواع من الويسكي والفودكا والجن.

ثم تسجيل:

السعة، نسبة الكحول، بلد المنشأ، السعر النهائي، مقدار TIC النظري، وتقدير TVA والرسوم الجمركية متى أمكن تحديدها.

عندها يمكن الوصول إلى رقم بالغ الأهمية صحفيًا:

«من كل 100 درهم يدفعها المغربي مقابل المشروبات الكحولية، كم يصل بصورة مباشرة أو غير مباشرة إلى الخزينة؟»

وهذا الرقم سيكون أقوى بكثير من مجرد القول إن ميزانية 2026 تتوقع 3.451 مليارات درهم من الرسوم الداخلية؛ لأنه سيكشف للمواطن البنية الحقيقية لسعر المنتج.

الخلاصة

التحليل الاقتصادي يظهر أن العبء الضريبي على المشروبات الكحولية في المغرب يتغير بقوة من منتج إلى آخر. فقنينة النبيذ سعة 75 سنتيلتر تتحمل في الرسم الداخلي وحده نحو 8.63 دراهم، وعبوة الجعة سعة 33 سنتيلتر حوالي 5.12 دراهم، بينما قد تتحمل قنينة مشروبات روحية سعة 70 سنتيلتر وبنسبة 40% كحول حوالي 71.40 درهمًا من الرسم الداخلي وحده، استنادًا إلى التعريفات المنشورة رسميًا.

لكن هذه الأرقام لا تمثل العبء الجبائي الكامل. فالـTVA والرسوم الجمركية المحتملة تدخل أيضًا في الحساب، كما تؤثر تكاليف الإنتاج والاستيراد والتوزيع وهوامش التجار في السعر النهائي.

والسؤال الذي ينبغي أن يقود التحقيق من هنا فصاعدًا ليس فقط كم تجني الدولة؟، بل أيضًا:

من يدفع؟ كم يدفع؟ وفي أي حلقة من السلسلة يتحول الرسم الذي تفرضه الدولة إلى زيادة في السعر الذي يؤديه المواطن؟

هناك تحديدًا يبدأ الاقتصاد الحقيقي للخمور في المغرب، وراء الأرقام المجردة للميزانية.



0 التعليقات: