ثلاثة عناوين متداولة خلال ساعات قليلة تكفي لفتح نافذة واسعة على واحدة من أكثر اللحظات الجزائرية إثارة للأسئلة: الدولة تبحث عن الأموال المختبئة خارج الدورة الاقتصادية الرسمية، وفي الوقت نفسه تقدم للرأي العام رواية أمنية ثقيلة بشأن حرائق الغابات، تتحدث عن شبكات تعمل من الخارج، وعن أشخاص جرى تجنيدهم داخل البلاد، وعن أموال ووعود واتصالات لتنفيذ عمليات تخريب. وبين الاقتصاد والأمن تبرز مسألة أعمق بكثير من التفاصيل اليومية: أي علاقة تريد الدولة الجزائرية أن تبنيها مع مواطنيها في مرحلة تزداد فيها الضغوط المالية والاجتماعية وتتسع فيها مساحة الشك بين الخطاب الرسمي وجزء من الرأي العام؟
مشروع قانون المالية لسنة 2027 يقترح آلية استثنائية تسمح للأشخاص المقيمين في الجزائر، ممن يحتفظون بأموال غير مصرح بها ضريبيًا، بإدخالها إلى المسار القانوني مقابل أداء ضريبة موحدة قدرها 12 في المائة. من الناحية القانونية الدقيقة، لا يتعلق الأمر بتبييض الأموال بالمفهوم الجنائي للكلمة، لأن الأموال الناتجة عن جرائم، ولا سيما الفساد وتمويل الإرهاب والأنشطة المحظورة، مستثناة من النظام. لكن المسألة السياسية لا تنتهي عند التعريف القانوني. السؤال الحقيقي يتعلق بالرسالة التي تبعث بها الدولة عندما تعرض على أصحاب الأموال التي بقيت خارج النظام الضريبي فرصة جديدة للعودة مقابل اقتطاع محدود نسبيًا وإعفاء واسع من التبعات الجبائية السابقة.
إنه اعتراف غير مباشر بحجم الاقتصاد الموازي الذي ظل طوال عقود يشكل أحد أكبر التحديات أمام الدولة الجزائرية. مليارات تتحرك خارج البنوك، وتجارة نقدية ضخمة، وثقة محدودة في المؤسسات المالية، وذاكرة اجتماعية لم تنس تجارب سابقة مع التقشف والإجراءات النقدية والتغييرات المفاجئة في السياسات الاقتصادية. لذلك تحاول السلطة إقناع أصحاب الأموال المخبأة بأن وضعها داخل النظام الرسمي أصبح أكثر فائدة من إبقائها في البيوت والخزائن والأسواق غير المنظمة.
يمكن فهم المنطق الاقتصادي بسهولة. الدولة تحتاج إلى توسيع القاعدة الضريبية، والمصارف تحتاج إلى السيولة، والاقتصاد يحتاج إلى تدوير الأموال بدل تجميدها، والخزينة العمومية تبحث عن موارد خارج الريع التقليدي. كل هذا مفهوم ومشروع من زاوية السياسة الاقتصادية. المشكلة تبدأ عندما يقارن المواطن البسيط بين معاملته ومعاملة من راكم أموالًا لسنوات بعيدًا عن الضريبة.
الموظف الذي تقتطع الضرائب من راتبه قبل أن تصل أجرته إلى حسابه قد يسأل: لماذا كنت أنا ملتزمًا طوال السنوات الماضية بينما يحصل من لم يصرح بأمواله على فرصة لتصفية وضعه بمبلغ محدود؟ والتاجر الذي أدى ضرائبه في موعدها قد يتساءل عن معنى المساواة الضريبية إذا حصل منافسه الذي ظل خارج النظام على تسوية استثنائية. ومن هنا تتحول المسألة من مجرد تقنية مالية إلى قضية عدالة.
الدول تلجأ في أوقات كثيرة إلى العفو الضريبي والتسويات الاستثنائية، وليست الجزائر حالة فريدة. غير أن نجاح هذه السياسات يتوقف على شرط بسيط: أن تكون الاستثناء مرة واحدة، لا نظامًا يتكرر كل بضع سنوات. لأن تكرار العفو يخلق نتيجة عكسية تمامًا؛ يصبح الملتزم هو الخاسر، ويتحول انتظار التسوية المقبلة إلى استراتيجية عقلانية لدى المتهربين.
وهنا تظهر المفارقة الجزائرية الأوسع. ففي اللحظة نفسها التي تحاول فيها الدولة أن تمد يدها إلى الأموال الموجودة خارج النظام الرسمي، تقدم مؤسساتها الأمنية رواية شديدة الصرامة بشأن جزء من حرائق الغابات التي ضربت عدة ولايات خلال الصيف.
الوثائقي الذي بثته وزارة الدفاع الجزائرية يتحدث عن أشخاص أشعلوا الحرائق عمدًا وعن ارتباط بعضهم بأطراف موجودة خارج البلاد. الرواية الرسمية تذهب إلى أن هشاشة اجتماعية وحاجة إلى المال استُغلتا لتجنيد منفذين داخل الجزائر، مع تقديم وعود بالمساعدة أو الثراء أو السفر مقابل تنفيذ مهمات تخريبية.
إذا أثبت القضاء الجزائري هذه الوقائع بالأدلة القابلة للفحص والمحاكمة العلنية، فنحن أمام قضية خطيرة بالفعل. إحراق الغابات عمدًا ليس احتجاجًا سياسيًا ولا معارضة للنظام، بل جريمة تضرب المواطنين والطبيعة والاقتصاد والأمن العام. ولا يمكن لأي اختلاف سياسي مع السلطة أن يبرر إحراق قرية أو غابة أو محصول أو تعريض السكان ورجال الإطفاء للموت.
لكن خطورة الاتهامات نفسها تفرض على الدولة مستوى أعلى من الإثبات والشفافية.
فالحديث عن مخطط عابر للحدود، وتجنيد أفراد، وتمويل عمليات إحراق، واتصالات مع شخصيات معارضة في الخارج لا ينبغي أن يبقى مجرد مادة وثائقية تلفزيونية، مهما كانت قوة الصور أو الاعترافات المعروضة. الدولة القوية لا تحتاج إلى المبالغة في لغتها لكي تقنع مواطنيها؛ تحتاج إلى ملف قضائي، وأدلة رقمية، ومسارات مالية، ومراسلات مثبتة، ومحاكمات تستوفي ضمانات العدالة.
الفرق كبير بين أن تقول مؤسسة أمنية إن التحقيق كشف شبكة وبين أن يصدر حكم قضائي نهائي يثبت مسؤولية كل شخص متهم. الصحافة المسؤولة مطالبة بالمحافظة على هذا الفارق، خصوصًا في القضايا التي تختلط فيها الجريمة بالسياسة.
والأكثر إثارة للاهتمام هنا هو أن خطاب «المؤامرة الخارجية» يحتل منذ سنوات موقعًا مهمًا في اللغة السياسية الجزائرية. الجزائر دولة واجهت فعلًا تحديات أمنية حقيقية، وحدودها شاسعة، ومحيطها الإقليمي مضطرب، والساحل يعيش تحولات خطيرة، وعلاقاتها مع عدد من العواصم تمر بمراحل توتر. لذلك لا يجوز الاستهزاء آليًا بكل حديث رسمي عن تهديد خارجي.
لكن الخطر يبدأ عندما تصبح «المؤامرة» تفسيرًا عامًا يستطيع ابتلاع كل أزمة.
حرائق الغابات قد تكون نتيجة الجفاف والحرارة والإهمال والحرائق العرضية والجريمة المتعمدة في الوقت نفسه. البطالة ليست مؤامرة. ضعف الاستثمار ليس مؤامرة. الاقتصاد الموازي ليس مؤامرة. هجرة الشباب ليست مؤامرة. تراجع الثقة في الإدارة ليس مؤامرة. وعندما تُختزل المشكلات الداخلية باستمرار في أيادٍ خارجية، يصبح الخطاب الأمني وسيلة لتأجيل الأسئلة التي لا يمكن للأمن الإجابة عنها.
وهنا تلتقي قضية الأموال غير المصرح بها بقضية الحرائق على نحو يبدو بعيدًا في البداية لكنه شديد الدلالة سياسيًا.
في الحالة الأولى تقول الدولة للمواطن: أخرج أموالك من الظل وثق بالمؤسسات والبنوك وسنسوي وضعك.
وفي الحالة الثانية تقول له: هناك شبكات من الخارج تستغل بعض الجزائريين لضرب البلاد، وعليك أن تثق في مؤسسات الدولة وروايتها الأمنية.
الكلمة المشتركة هي الثقة.
وهذه هي المعركة الأصعب في الجزائر اليوم.
لا يمكن بناء الثقة بالأوامر. ولا يكفي التلفزيون الرسمي لصناعتها. ولا تنتجها البيانات العسكرية وحدها. الثقة الاقتصادية تحتاج إلى نظام مصرفي يطمئن المواطن، وقوانين مستقرة، وعدالة ضريبية، وشفافية بشأن أوجه إنفاق المال العام. والثقة السياسية تحتاج إلى إعلام يستطيع أن يسأل، وبرلمان يستطيع أن يحقق، وقضاء يستطيع أن يفصل بين الجريمة والاختلاف السياسي.
بل إن قضية حرائق الغابات تقدم فرصة حقيقية للدولة الجزائرية لكي تثبت قوة مؤسساتها إذا انتقلت من خطاب الاتهام إلى منطق الإثبات.
إذا كانت هناك تحويلات مالية فلتعرض أمام القضاء.
إذا كانت هناك محادثات رقمية فلتخضع للخبرة التقنية القضائية.
إذا كانت هناك شبكات تجنيد فليُكشف هيكلها ومسارها.
إذا كانت هناك مبالغ دُفعت لمن أشعلوا الحرائق فلتُحدد مصادرها وطرق تحويلها.
وإذا لم تثبت بعض الاتهامات، فينبغي قول ذلك أيضًا.
الدولة لا تضعف عندما تصحح روايتها؛ الدولة تضعف عندما تصبح روايتها غير قابلة للتحقق.
أما المعارضة الجزائرية في الخارج، فهي بدورها لا تستطيع الاحتماء تلقائيًا بشعار أن كل اتهام يصدر عن السلطة ملفق. المعارضة السياسية شيء، والتحريض على العنف أو التخريب ـ إذا ثبت ـ شيء مختلف جذريًا. ومن يطالب الدولة بالأدلة يجب أن يقبل بنتائج الأدلة عندما تخضع لمحاكمة عادلة وشفافة.
هذه هي الحدود التي ينبغي أن تحمي المجال السياسي من الفوضى: لا تتحول السلطة إلى محكمة قبل المحكمة، ولا تتحول المعارضة إلى حصانة ضد القانون.
وتبقى مسألة الـ12 في المائة أكثر دلالة مما تبدو.
فالجزائر الغنية بالغاز والنفط تحاول منذ سنوات الانتقال من اقتصاد يعتمد بقوة على الريع إلى اقتصاد أكثر تنوعًا، لكنها تصطدم بمشكلة قديمة: جزء مهم من الثروة يتحرك بعيدًا عن القنوات الرسمية. الحل لا يكون فقط بفرض ضريبة مخفضة على الأموال الموجودة في الظل. السؤال الأعمق هو لماذا فضّل أصحاب تلك الأموال الظل أصلًا؟
هل السبب الضرائب؟
هل هو الخوف من الإدارة؟
هل هو ضعف الثقة في البنوك؟
هل هو حجم الاقتصاد النقدي؟
هل هي البيروقراطية؟
هل هو الخوف من سؤال «من أين لك هذا؟»
أم أنها جميعًا مجتمعة؟
إذا نجحت التسوية في إعادة الأموال إلى الاقتصاد الرسمي، فستكون خطوة مفيدة. أما إذا تحولت إلى باب دوري لإعفاء من ينتظر حتى اللحظة الأخيرة، فقد تعمق الشعور بعدم الإنصاف.
وبالمثل، إذا أثبتت التحقيقات القضائية أن بعض الحرائق جرى تنفيذها مقابل المال وبأوامر من الخارج، فإن الأمر يستحق محاسبة صارمة. أما إذا تحولت الرواية الأمنية إلى مظلة واسعة تفسر بها كل كارثة، فستفقد قوتها حتى عندما تكون صحيحة.
الجزائر لا ينقصها خطاب السيادة. لقد تأسست الدولة الجزائرية الحديثة نفسها على واحدة من أعظم حروب التحرر في القرن العشرين. ما تحتاجه اليوم هو تطوير معنى السيادة.
السيادة في القرن الحادي والعشرين ليست فقط حماية الحدود.
السيادة أن يعرف المواطن أين تذهب ضرائبه.
السيادة أن تكون الأموال داخل الاقتصاد بدل الخزائن السرية.
السيادة أن تملك الدولة أدلة أقوى من الشائعات.
السيادة أن يستطيع القضاء إثبات الجريمة بعيدًا عن الصراع السياسي.
والسيادة أيضًا ألا يحتاج المواطن إلى اختيار روايته بين تلفزيون الدولة وفيديو على يوتيوب.
بين نسبة 12 في المائة وحرائق الغابات يبدو الموضوعان منفصلين، لكنهما يلتقيان في قلب المشكلة الجزائرية المعاصرة: الدولة تريد استعادة المال والثقة والأمن في وقت واحد.
والمال يمكن استعادته بقانون.
والأمن يمكن حمايته بالمؤسسات.
أما الثقة فلا توجد مادة في قانون المالية تستطيع فرضها، ولا وثائقي تلفزيوني يستطيع وحده إنتاجها.
الثقة تُبنى عندما يشعر المواطن أن الحقيقة لا تحتاج إلى مبالغة، وأن القانون لا يميز بين ضعيف وقوي، وأن الوطن أكبر من السلطة وأكبر من المعارضة، وأن حماية الجزائر لا تعني إسكات الأسئلة عنها، بل القدرة على الإجابة عنها بالأدلة.







0 التعليقات:
إرسال تعليق