الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الاثنين، أكتوبر 19، 2026

الصحافة بين ضغط السلطة وهيمنة الخوارزميات بقلم عبده حقي


كلما تابعت ما يجري في عالم الصحافة والإعلام خلال الأسابيع الأخيرة، ازددت اقتناعًا بأننا لا نعيش مجرد مرحلة تحول تقني عابر، بل نقف أمام إعادة تشكيل عميقة لمعنى الإعلام نفسه، ولعلاقة الصحفي بالمؤسسة، والمؤسسة بالجمهور، والجمهور بالخبر، والخبر بالخوارزمية. وما وقع خلال الأسبوع الماضي، في المغرب والعالم العربي وأوروبا والولايات المتحدة، يكاد يقدم صورة مكثفة عن هذه اللحظة المضطربة التي تتداخل فيها السياسة بالتكنولوجيا، والحرية بالاقتصاد، والمهنية بالسرعة، والحقيقة بما تنتجه المنصات من ضجيج وتضليل وإغراء بصري متواصل.

عندما أنظر إلى المشهد الإعلامي المغربي أولًا، أجد أن النقاش ما زال يدور بقوة حول تنظيم المهنة، وهيكلة المؤسسات، ومستقبل المقاولة الصحفية، وتمثيلية الصحفيين، وأخلاقيات المهنة، وشروط العمل داخل قطاع أصبح أكثر هشاشة مما يبدو من الخارج. قد يبدو للمتابع العابر أن كثرة المواقع والمنصات والصفحات دليل على حيوية المشهد الإعلامي، لكنني أرى أن الكم وحده لا يصنع صحافة قوية، كما أن انتشار المحتوى لا يعني بالضرورة ازدهار الإعلام المهني. فما يهمني أكثر هو السؤال المتعلق بمن ينتج المعلومة، وبأي شروط، وبأي استقلال، وبأي حماية اجتماعية ومهنية، ولأي جمهور.

المغرب… كثرة المنابر لا تعني قوة الصحافة

في المغرب تبدو الساحة الإعلامية، ظاهريًا، شديدة الحيوية. عشرات المواقع الإخبارية، قنوات رقمية، برامج على يوتيوب، صفحات سياسية، بث مباشر، بودكاستات، ومحتوى سريع ينتشر في دقائق. غير أنني لا أستطيع أن أفصل هذه الدينامية عن أزمة النموذج الاقتصادي للصحافة، وعن صعوبة تمويل التحقيقات والروبورتاجات والعمل الميداني الجاد، وعن منافسة غير متكافئة مع المحتوى المجاني الذي يصنعه أفراد لا يتحملون التكاليف التي تتحملها المؤسسة الصحفية.

إن إعادة تنظيم هيئات المهنة وتفعيل اللجان المرتبطة بأخلاقيات الصحافة والتكوين وبطاقة الصحفي وتأهيل المقاولة تظل خطوة ضرورية، لكنها في رأيي لن تكون كافية إذا لم يُفتح بالتوازي نقاش وطني جاد حول اقتصاد الصحافة في المغرب. فالصحافة لا تعيش بالشعارات، ولا تستطيع المؤسسة الإعلامية أن تنتج صحافة مستقلة ومحترفة إذا كانت مواردها هشة أو إذا أصبحت رهينة للإعلانات أو للدعم أو لعلاقات النفوذ.

وأرى أن أحد أكبر التحديات التي تواجه الصحافة المغربية اليوم يتمثل في انتقال الجمهور من قراءة الخبر إلى استهلاكه بصريًا. المواطن الذي كان يدخل إلى موقع إخباري أصبح اليوم يكتفي بفيديو قصير على فيسبوك أو تيك توك أو إنستغرام. أما الخبر الطويل والتحقيق والتحليل، فقد أصبح ينافس عشرات الإشعارات والفيديوهات والرسائل والصور خلال الدقيقة الواحدة.

هذا التحول ليس تفصيلًا تقنيًا. إنه تغيير في بنية الانتباه وفي عادات القراءة وفي قيمة الزمن الصحفي ذاته. الصحفي يحتاج ساعات أو أيامًا للتحقق من قضية، بينما يستطيع ناشر محتوى أن يصنع رواية مثيرة في ثلاثين ثانية، ويجمع ملايين المشاهدات قبل أن يكتمل التحقيق المهني.

الإعلام المغربي أمام سؤال الثقة

المعضلة الثانية في المغرب هي الثقة. لم تعد علاقة الجمهور بالإعلام مستقرة كما كانت. جزء من المواطنين ينظر إلى الصحافة باعتبارها قريبة أكثر مما ينبغي من المؤسسات، وجزء آخر يراها فضاءً للتهويل والإثارة، بينما ينتقل جزء ثالث إلى صناع المحتوى لأنه يشعر بأنهم يتحدثون بلغة أكثر مباشرة.

بالنسبة إلي، الخطر هنا لا يكمن فقط في فقدان الجمهور، بل في فقدان المرجعية. عندما يقع حدث سياسي أو اجتماعي أو أمني كبير، إلى أين يذهب المواطن أولًا؟ إلى صحيفة؟ إلى قناة؟ إلى صفحة مجهولة؟ إلى مؤثر؟ إلى واتساب؟ أم إلى روبوت ذكاء اصطناعي؟

هذا السؤال لم يعد نظريًا. إنه يحدد مستقبل الصحافة نفسها.

وأعتقد أن الإعلام المغربي يحتاج خلال المرحلة القادمة إلى استعادة فكرة القيمة المضافة. فإذا كان المواطن يستطيع معرفة وقوع الحدث في ثوان عبر مواقع التواصل، فما الذي ستقدمه له الصحافة؟ هنا يبدأ دور التفسير والتحقق والسياق والتحقيق والمساءلة. أي إن قوة الصحافة في المستقبل لن تكون في أن تقول للناس ما حدث فقط، بل في أن تشرح لماذا حدث، ومن يستفيد منه، وما الذي لم يُقل، وما الذي تخفيه الأرقام والتصريحات.

العالم العربي… الصحافة بين الخطر والسلطة

أما في العالم العربي، فإن الصورة تصبح أكثر قسوة. ما زال الصحفي في أكثر من منطقة يواجه أخطارًا تتجاوز الأزمة الاقتصادية أو المنافسة التكنولوجية، لتصل إلى التهديد الجسدي والاعتقال والمنع والاعتداء.

تبدو القضية الفلسطينية مرة أخرى مركزًا لهذا القلق. فالصحفي هناك لا يعمل فقط في بيئة مشحونة سياسيًا وعسكريًا، بل يعمل أحيانًا تحت خطر مباشر، حيث تصبح الكاميرا نفسها عبئًا وقد تتحول سترة الصحافة من رمز للحماية إلى علامة تكشف صاحبها.

ما يثيرني في هذه الصورة هو أن الصحفي العربي ما زال مطالبًا في حالات عديدة بالدفاع عن أبسط شروط المهنة قبل أن يناقش مستقبل الذكاء الاصطناعي أو نماذج الاشتراك الرقمي أو تقنيات غرف الأخبار. هناك صحفيون في العالم يتحدثون عن خوارزميات تحرير النصوص، بينما يوجد صحفيون آخرون يسألون إن كانوا سيعودون أحياء من مكان التغطية.

وهذا التفاوت الهائل داخل الصناعة الإعلامية العالمية يكشف عمق الأزمة. فالصحافة ليست مهنة واحدة بالشروط نفسها في كل مكان. هناك صحفي يعمل داخل مؤسسة ضخمة محمية بقوانين قوية ونقابات فعالة، وهناك صحفي يعمل وسط منطقة نزاع، أو داخل نظام سياسي ضيق على حرية التعبير، أو داخل مؤسسة هشة لا تضمن له حتى شروط العمل الأساسية.

الخليج وصناعة الإعلام الجديدة

في المقابل، ألاحظ في منطقة الخليج مسارًا إعلاميًا مختلفًا. هناك استثمارات متزايدة في المؤتمرات والمنصات والإنتاج الرقمي والبنية التحتية للميديا. أصبحت الرياض والدوحة ودبي وأبوظبي مراكز تستضيف فعاليات عالمية، وشركات إعلامية، ومؤسسات إنتاج، ومنصات تكنولوجية.

هذا التحول مهم للغاية لأنه ينقل ثقلًا من ثقل الصناعة الإعلامية العربية إلى فضاءات كانت قبل عقود قليلة مستهلكة للمحتوى أكثر منها منتجة له.

لكنني أعتقد أن التحدي المقبل سيكون مرتبطًا بجودة المحتوى واستقلاليته وليس بحجم الاستثمار فقط. بناء الاستوديوهات سهل نسبيًا، وجلب التكنولوجيا ممكن، واستضافة المؤتمرات متاحة لمن يمتلك التمويل، أما بناء صحافة راسخة تقوم على الثقة والمساءلة والتعددية والاستقلال المهني فهو مشروع أطول وأكثر تعقيدًا.

أوروبا… عندما يلبس السياسي قبعة الصحفي

في أوروبا، كان من أكثر الملفات إثارة خلال الأسبوع الماضي النقاش البريطاني حول السياسيين الذين يقدمون برامج تلفزيونية سياسية، وهي ظاهرة تفتح في رأيي واحدًا من أخطر الأسئلة المتعلقة بحدود الإعلام والدعاية.

ماذا يبقى من المسافة الضرورية بين الصحفي والسياسي إذا أصبح السياسي نفسه مقدم البرنامج؟ ومن يراقب من إذا أصبح صاحب المصلحة هو نفسه الذي يطرح الأسئلة ويحدد المواضيع ويقرر من يستضيف؟

القضية أكبر من اسم سياسي أو قناة بعينها. نحن أمام تحول عالمي في علاقة السياسة بالإعلام. السياسي لم يعد في حاجة إلى الصحفي بالطريقة نفسها التي كان يحتاجه بها قبل عشرين سنة. يستطيع اليوم أن يخاطب ملايين الأشخاص مباشرة عبر منصة اجتماعية، وأن ينتج الفيديو الخاص به، وأن يمتلك بودكاستًا، وأن يبث مباشرة من هاتفه.

بهذا المعنى، لم تعد الصحافة هي البوابة الوحيدة إلى الجمهور.

وأرى أن هذا هو أحد أهم أسباب توتر العلاقة بين السياسيين والمؤسسات الإعلامية في الديمقراطيات الغربية أيضًا. الإعلام كان يحتكر دور الوسيط؛ أما اليوم فالجميع يريد تجاوز الوسيط.

أمريكا… عندما يصبح الاعتماد الصحفي أداة للصراع السياسي

في الولايات المتحدة، أعاد النزاع بين الإدارة الأمريكية وعدد من المؤسسات الصحفية إلى الواجهة سؤالًا قديمًا يتجدد باستمرار: ما حدود سلطة الحكومة في تنظيم وصول الصحفيين إلى مراكز القرار؟

القضية هنا في رأيي بالغة الخطورة، لأن الصحفي الذي يغطي البيت الأبيض لا يدخل مكانًا خاصًا بفضل من الرئيس، بل يؤدي وظيفة عامة مرتبطة بحق المجتمع في معرفة ما تفعله السلطة.

إذا أصبحت التغطية الإيجابية مدخلًا إلى المؤتمرات الصحفية، وأصبحت التغطية النقدية سببًا للإقصاء، فإن الصحافة تتحول تدريجيًا من سلطة رقابية إلى جمهور مدعو بشرط حسن السلوك.

ولهذا تبدو المعركة القضائية حول الوصول الصحفي أكبر بكثير من خلاف إداري حول بطاقة اعتماد. إنها اختبار للعلاقة بين السلطة السياسية والمؤسسة الإعلامية في مرحلة يتزايد فيها الاستقطاب وتتراجع فيها الثقة.

الذكاء الاصطناعي يدخل غرفة الأخبار

لكنني أرى أن أخطر تحول حدث خلال الأسبوع الماضي ليس سياسيًا فقط، بل تقني واقتصادي أيضًا.

الذكاء الاصطناعي يدخل غرفة الأخبار بسرعة كبيرة. وما كان قبل عامين مجرد أداة تساعد الصحفي على التلخيص أو التحرير أصبح اليوم جزءًا من بنية إنتاج الأخبار نفسها.

بدأت مؤسسات إعلامية تختبر أنظمة قادرة على جمع المعلومات، وفرز الوثائق، واستخراج البيانات، وإعداد مسودات، واقتراح العناوين، وتكييف الخبر مع منصات متعددة.

هذا التحول يثير لدي سؤالًا جوهريًا: أين ينتهي دور الصحفي وأين يبدأ دور الآلة؟

أنا لا أرى أن الذكاء الاصطناعي سيقتل الصحافة، لكنني أعتقد أنه سيغيّر الوظائف داخلها بعمق. الوظائف الروتينية ستتعرض للضغط أولًا: تحرير الأخبار القصيرة، تلخيص التقارير، إعادة صياغة البيانات، إنتاج نسخ متعددة للعناوين.

أما القيمة الحقيقية للصحفي فسوف تنتقل أكثر نحو ما يصعب على الآلة القيام به: بناء المصادر، العمل الميداني، إدراك السياق، قراءة لغة الجسد، اكتشاف التناقضات، مساءلة السلطة، وتحمل المسؤولية الأخلاقية عما ينشر.

غوغل والمؤسسات الإعلامية… من يحتاج الآخر أكثر؟

التطور الآخر الذي يستحق التوقف عنده هو توسيع التعاون بين المؤسسات الإعلامية الكبرى وشركات التكنولوجيا، وخصوصًا في مجال ترخيص المحتوى للذكاء الاصطناعي.

لسنوات طويلة كان الصراع يدور حول الإعلانات وحركة المرور. المؤسسات الصحفية كانت تنتج المحتوى، ومحركات البحث ومنصات التواصل تجذب الجمهور وتلتهم جزءًا كبيرًا من سوق الإعلان.

اليوم تنتقل المعركة إلى مستوى مختلف.

شركات الذكاء الاصطناعي تحتاج إلى المحتوى الموثوق لتدريب أنظمتها وتقديم إجابات جيدة، والمؤسسات الإعلامية تحتاج إلى مصادر دخل جديدة.

هنا نشأت صفقات الترخيص.

للوهلة الأولى يبدو الأمر عادلًا: من يستخدم المحتوى يدفع ثمنه.

لكنني أرى مفارقة خطيرة. ماذا لو أصبحت المؤسسة الصحفية تحصل على المال من المنصة نفسها التي قد تسحب جمهورها منها؟

المستخدم يسأل محركًا ذكيًا، والمحرك يجيب اعتمادًا على تقارير الصحيفة، لكنه لا يرسل المستخدم بالضرورة إلى موقع الصحيفة.

تأخذ الصحيفة مقابلًا ماليًا الآن، لكنها قد تفقد علاقتها المباشرة بالجمهور لاحقًا.

هل انتهى عصر محركات البحث؟

طوال سنوات تعلم الصحفيون والمواقع قواعد تحسين الظهور في محركات البحث. كانت المعادلة واضحة: اكتب عنوانًا مناسبًا، استخدم كلمات مفتاحية، حسن بنية الصفحة، سيظهر مقالك في غوغل، ثم يدخل القارئ إلى موقعك.

لكن نموذج الذكاء الاصطناعي يقلب هذه المعادلة.

المستخدم قد يطرح سؤالًا ويحصل على إجابة كاملة من دون أن يزور أي موقع.

هذا ما يجعل مفهوم «صفر نقرة» واحدًا من أخطر المفاهيم الجديدة في اقتصاد الأخبار.

إذا لم يصل القارئ إلى الموقع، فلن يرى الإعلان، ولن يشترك في النشرة، ولن يصبح قارئًا دائمًا، ولن يعرف حتى اسم الصحيفة التي أنتجت المعلومة.

ومن هنا أرى أن الصراع المقبل لن يكون فقط حول ملكية المحتوى، بل حول ملكية العلاقة مع القارئ.

جمهور جديد بعادات جديدة

هناك حقيقة أخرى لا يمكن تجاهلها: الجمهور نفسه تغير.

الجيل الأصغر سنًا لا ينتظر نشرات الأخبار المسائية، ولا يفتح الصفحة الأولى لجريدة صباحية بالطريقة التي عرفتها أجيال سابقة. الأخبار تأتي إليه أثناء استعمال الهاتف.

فيديو قصير هنا، منشور هناك، إشعار عاجل، بودكاست، قصة على إنستغرام، تعليق على تيك توك، ثم ربما سؤال إلى روبوت ذكاء اصطناعي.

المشكلة ليست فقط أن الجمهور انتقل إلى منصات جديدة، بل أن طريقة فهمه للأخبار تغيرت أيضًا.

الخبر صار أقصر وأسرع وأكثر شخصية وأكثر عاطفية.

وهذا يخلق بيئة مثالية للانتشار، لكنها ليست دائمًا مثالية للحقيقة.

الحقيقة تحتاج أحيانًا إلى وقت.

أما الخوارزمية فتحتاج إلى التفاعل.

اقتصاد الانتباه يغير الصحافة

وهنا أصل إلى ما أعتبره قلب الأزمة المعاصرة: اقتصاد الانتباه.

كل مؤسسة إعلامية لم تعد تنافس المؤسسات الإعلامية الأخرى فقط، بل تنافس الألعاب والمسلسلات والفيديوهات والمنشورات والصور والرسائل.

إنها معركة على دقائق الإنسان.

ولأن المنصات تكافئ ما يجذب الانتباه، تصبح الإثارة مغرية، ويصبح العنوان المبالغ فيه مجزيًا، ويصبح الغضب والفضيحة أكثر انتشارًا من التحليل الهادئ.

لكنني أعتقد أن الصحافة إذا استسلمت بالكامل لهذا المنطق ستفقد السبب الذي يجعل المجتمع يحتاج إليها أصلًا.

إذا أصبحت الصحيفة مجرد نسخة أكثر رسمية من مواقع التواصل، فما فائدتها؟

قيمة الصحافة ليست في أن تكون الأسرع دائمًا، بل في أن تكون الأوثق والأعمق والأكثر قدرة على تفسير الواقع.

من يملك الحقيقة في العصر الخوارزمي؟

بعد متابعة حصيلة هذا الأسبوع، أرى أن الميديا العالمية تواجه ثلاث سلطات في الوقت نفسه.

هناك السلطة السياسية التي تريد التأثير في الرواية الإعلامية.

وهناك السلطة الاقتصادية التي تتحكم في الموارد والإعلانات.

وهناك الآن السلطة الخوارزمية التي تقرر ما الذي يظهر وما الذي يختفي ومن يصل إلى الجمهور.

المشكلة أن السلطة الثالثة غير مرئية في كثير من الأحيان.

نستطيع معرفة اسم الوزير أو مالك القناة، لكننا لا نعرف دائمًا لماذا قررت منصة أن تجعل فيديو ينتشر إلى عشرة ملايين مستخدم بينما أخفت تحقيقًا صحفيًا مهمًا عن معظم الجمهور.

وهذا يجعل مستقبل حرية الصحافة مرتبطًا أيضًا بحرية الوصول إلى الجمهور.

الصحفي لن يختفي… لكنه سيتغير

لا أعتقد أن الصحفي سيختفي أمام الذكاء الاصطناعي، كما لا أعتقد أن الصحيفة ستختفي لأن الفيديو القصير أصبح شائعًا.

لكنني مقتنع بأن الصحفي الذي سيستمر هو الذي سيقدم ما لا تقدمه الآلة بسهولة.

سيكون عليه أن يصبح أكثر قدرة على التحقيق، وأكثر معرفة بالبيانات، وأكثر فهمًا للتكنولوجيا، وأكثر وعيًا بالتلاعب البصري والمعلوماتي، وأكثر تشددًا في التحقق.

الصحفي المستقبلي لن يكون مجرد كاتب نصوص.

سيكون باحثًا ومحققًا ومحللًا ومدققًا ومفسرًا للواقع.

أسبوع واحد يلخص مستقبل المهنة

لهذا أرى أن حصيلة الأسبوع الماضي، رغم تشتتها الجغرافي بين المغرب والعالم العربي وأوروبا وأمريكا، تحمل رسالة واحدة واضحة.

الصحافة تدخل مرحلة إعادة تأسيس.

في المغرب يدور النقاش حول تنظيم المهنة واستدامة المؤسسات.

في العالم العربي ما زالت حرية الصحفي وسلامته جزءًا من المعركة اليومية.

في أوروبا يعاد طرح الحد الفاصل بين الصحافة والسياسة.

في أمريكا يتجدد الصراع حول حق الإعلام في الوصول إلى السلطة.

وفوق كل هذه الملفات تفرض الخوارزميات والذكاء الاصطناعي نموذجًا جديدًا لإنتاج الأخبار وتوزيعها واستهلاكها.

لهذا لا أعتقد أن السؤال الحقيقي اليوم هو: هل ستبقى الصحافة؟

الصحافة ستبقى ما بقي الإنسان بحاجة إلى معرفة ما يحدث حوله.

السؤال الأصعب هو:

من سيملك الصحافة غدًا؟ ومن سيملك الطريق المؤدي إلى جمهورها؟

وهل ستظل المؤسسة الصحفية صاحبة الرواية، أم ستصبح مجرد مورد للمعلومات الخام التي تعيد الخوارزميات ترتيبها وتلخيصها وبيعها إلى الجمهور في صورة جديدة؟

بالنسبة إلي، هذه هي المعركة الكبرى القادمة.

إنها ليست فقط معركة الصحفي من أجل وظيفته، ولا معركة الجريدة من أجل إعلان إضافي.

إنها معركة المجتمع من أجل أن تبقى الحقيقة منتجًا يخضع للمساءلة المهنية والأخلاقية، لا مجرد نتيجة تظهر خلال ثانية على شاشة لا نعرف تمامًا من قرر ما الذي ستعرضه علينا.


0 التعليقات: