لم أعد أستطيع أن أقرأ أخبار الذكاء الاصطناعي بوصفها أخبارًا تقنية عادية عن نموذج جديد، أو روبوت أكثر ذكاء، أو شركة جمعت مليارات إضافية، أو منصة قادرة على كتابة النصوص وصناعة الصور في ثوان. ما يحدث اليوم أكبر بكثير من ذلك، وأخطر بكثير أيضًا. نحن أمام انقلاب عميق في مفهوم القوة نفسها، انقلاب يجعل الخوارزمية أقرب إلى السلاح، والرقائق أقرب إلى النفط، ومراكز البيانات أقرب إلى القواعد العسكرية، والذكاء الاصطناعي أقرب إلى البنية التحتية التي ستقرر من يقود العالم ومن يكتفي باستخدام أدوات الآخرين.
كنت في السابق أعتقد، مثل كثيرين، أن المنافسة الكبرى في القرن الحادي والعشرين ستكون على الطاقة والمياه والممرات البحرية والثروات النادرة. واليوم يبدو لي أن علينا أن نضيف إلى هذه القائمة عنصرًا ربما يكون أكثر حساسية من الجميع: القدرة الحاسوبية. الدولة التي لا تملك الرقائق، ولا تملك مراكز البيانات، ولا تملك النماذج الأساسية، ولا تملك استقلالًا في البرمجيات والطاقة، قد تجد نفسها في المستقبل ذات سيادة ناقصة مهما كانت أعلامها ترفرف فوق مؤسساتها.
لهذا لا أرى ما يجري بين الولايات المتحدة والصين باعتباره سباقًا اقتصاديًا عابرًا. نحن أمام حرب باردة جديدة، لكنها أكثر هدوءًا من الحرب الباردة القديمة وأكثر اختراقًا لحياتنا اليومية. الصواريخ النووية كانت تُخزن في قواعد عسكرية بعيدة، أما الخوارزميات الجديدة فتسكن الهواتف والجامعات والمصانع والمستشفيات والبنوك وغرف الأخبار ومكاتب الاستخبارات. ساحة المواجهة لم تعد حدودًا جغرافية واضحة، بل أصبحت البنية الرقمية للعالم كله.
الولايات المتحدة فهمت هذه الحقيقة مبكرًا. لهذا لم تعد تتعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه مجرد سوق. واشنطن تعرف أن التفوق في هذا المجال يعني التفوق في الاقتصاد والدفاع والأمن والاستخبارات والتعليم والبحث العلمي والإعلام. ومن هنا جاءت القيود على الرقائق المتقدمة، والسياسات التي تسعى إلى حماية التكنولوجيا الحساسة، ومحاولات بناء شبكة حلفاء تكنولوجيين حول العالم.
المسألة ليست بريئة. عندما تمنع دولة خصمًا من الوصول إلى أحدث الرقائق، فهي لا تمنعه فقط من تشغيل برنامج أفضل، بل تحاول إبطاء قدرته على بناء مصانع متقدمة، وتطوير أسلحة ذكية، وتحليل كميات هائلة من المعلومات، وتحسين أنظمة المراقبة والاستطلاع، وابتكار أدوية جديدة، وتدريب نماذج قد تمنحه أفضلية اقتصادية وعسكرية في آن واحد.
إنها حرب تحاصر العقل قبل أن تحاصر الحدود.
لكن الصين لا تبدو مستعدة لقبول موقع التابع. فبكين تدرك أن أي اعتماد استراتيجي على التكنولوجيا الأمريكية يمكن أن يتحول في لحظة الأزمة إلى نقطة خنق. ولذلك اندفعت بقوة نحو بناء بدائل محلية في الرقائق والبرمجيات والحوسبة السحابية والنماذج الكبرى. ومن يراقب السياسة الصناعية الصينية يدرك أن المسألة ليست مجرد منافسة شركات، بل مشروع دولة يريد أن يجعل الصين قادرة على الاستمرار حتى لو أُغلقت أمامها أهم بوابات التكنولوجيا الغربية.
وهنا تتجلى المفارقة الكبرى. الولايات المتحدة تتحدث عن حماية الأمن القومي، والصين تتحدث عن السيادة التكنولوجية، وأوروبا تتحدث عن الاستقلال الاستراتيجي، وكل طرف يستخدم لغة تبدو دفاعية، بينما النتيجة العملية واحدة: عالم يتجه بسرعة نحو تقسيم التكنولوجيا إلى معسكرات.
قد نكون أمام نهاية وهم «الإنترنت العالمي الواحد».
فالذكاء الاصطناعي الجديد لا يحتاج إلى برنامج فقط؛ إنه يحتاج إلى منظومة كاملة من الطاقة والرقائق والسحابة والبيانات والمختبرات والمهندسين ورؤوس الأموال. وحين تتحكم دولة أو مجموعة شركات في هذه المنظومة، فإنها لا تبيع خدمة فقط، بل تمتلك قدرة على فرض شروطها على الآخرين.
لهذا يثير الوضع البريطاني أسئلة عميقة. بريطانيا واحدة من الدول التي تمتلك جامعات قوية وتقاليد بحثية كبيرة وموقعًا متقدمًا في علوم الحاسوب، لكنها في الوقت نفسه تعتمد إلى حد واسع على التكنولوجيا الأمريكية في الطبقات الأكثر حساسية من الاقتصاد الرقمي. ولذلك لم يعد السؤال البريطاني هو: كيف نستفيد من الذكاء الاصطناعي؟ بل: ماذا يحدث إذا أصبحنا غير قادرين على تشغيل مؤسساتنا الرقمية من دون إذن شركات توجد خارج حدودنا؟
هذا سؤال سيادي قبل أن يكون تقنيًا.
الفرنسيون يطرحون السؤال نفسه بصيغة أكثر وضوحًا: هل يمكن لأوروبا أن تبقى قوة سياسية مستقلة إذا كان عقلها الرقمي مستوردًا؟
أعتقد أن هذا السؤال هو أهم الأسئلة التي يجب أن تُطرح اليوم داخل الاتحاد الأوروبي. أوروبا تملك تشريعات قوية، وتملك سوقًا ضخمة، وتملك جامعات ومواهب واستثمارات، لكنها تعاني ضعفًا واضحًا أمام الولايات المتحدة والصين في البنية الأساسية للذكاء الاصطناعي. وهذه ليست فجوة تجارية بسيطة، بل فجوة يمكن أن تتحول إلى هشاشة استراتيجية.
فرنسا تحديدًا تحاول الدفع في اتجاه ما يسمى السيادة الرقمية، وتبحث عن بدائل أوروبية قادرة على تقليل الاعتماد على الشركات الأمريكية الكبرى. ظهور شركات مثل «ميسترال» يعبر عن هذا الطموح، لكنه يكشف في الوقت ذاته حجم الصعوبة. فالاستقلال التكنولوجي لا يصنعه نموذج لغوي وحده؛ يحتاج إلى رقائق، وطاقة، وسحب حاسوبية، وأسواق، وتمويل ضخم، ومشتريات حكومية، وسياسات طويلة النفس.
إن أوروبا تواجه خطر أن تصبح أكبر مشرّع في العالم لتكنولوجيا لا تنتجها بنفسها.
وهذا تناقض لا يمكن إخفاؤه بالقوانين.
أما روسيا، فهي تنظر إلى المشهد من زاوية مختلفة. موسكو ترى أن النظام العالمي يتحول إلى بنية أكثر تعددية، وأن الهيمنة الغربية على التكنولوجيا لم تعد أمرًا مضمونًا، لكنها تدرك في الوقت ذاته أن الاعتماد المتزايد على الصين يحمل مخاطره الخاصة. فعندما تنقسم التكنولوجيا العالمية إلى فضاء أمريكي وفضاء صيني، ماذا يتبقى للقوى التي لا تريد الانصهار الكامل في أي منهما؟
إن روسيا تريد استقلالًا استراتيجيًا، لكنها تجد نفسها مضطرة إلى العمل ضمن بيئة دولية شديدة الاستقطاب. ولذلك يصبح الذكاء الاصطناعي بالنسبة إليها جزءًا من معادلة الأمن القومي، كما هو الحال بالنسبة لواشنطن وبكين.
اليابان بدورها اختارت بوضوح تقريبًا موقعها داخل هذه الخريطة. فهي تربط أمنها التكنولوجي بتحالفها مع الولايات المتحدة، وتستثمر في الرقائق وفي الدفاع وفي الأنظمة الذاتية، وتتعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه عنصرًا أساسيًا من عناصر أمن شرق آسيا.
وهنا نصل إلى أحد أخطر أبعاد المسألة: دخول الذكاء الاصطناعي إلى المجال العسكري.
لم يعد الأمر يتعلق بطائرة بدون طيار يتم التحكم فيها عن بعد فقط، بل بأنظمة يمكنها تحليل الميدان واختيار المسارات والتعرف إلى الأهداف واقتراح القرارات وربما تنفيذ بعض الوظائف بسرعة لا يستطيع الإنسان مجاراتها. كل ثانية يتم اختصارها في قرار عسكري قد تعني في المستقبل الفرق بين الردع والانفجار.
وهذا تحديدًا ما يجب أن يخيف العالم.
الذكاء الاصطناعي لا يحتاج إلى أن يتحول إلى «روبوت شرير» كي يصبح خطرًا. يكفي أن يدخل في أنظمة القرار العسكري ويقلل الزمن المتاح للبشر للتفكير والتأكد والمراجعة. عندما يصبح الرد على هجوم إلكتروني أو صاروخي قائمًا على تحليل خوارزمية خلال ثوان، فإن خطأ واحدًا في البيانات أو في التقدير قد يتحول إلى أزمة دولية يصعب احتواؤها.
الحرب الباردة النووية علمت العالم شيئًا بالغ الأهمية: كلما ازدادت قوة السلاح، ازدادت الحاجة إلى الزمن والحوار وقنوات الاتصال والرقابة البشرية. أما الذكاء الاصطناعي فيدفع في الاتجاه المعاكس: السرعة أولًا.
وهنا تكمن المفارقة المرعبة.
نحن نبني أكثر الأدوات قدرة على اتخاذ القرار في التاريخ، وفي الوقت نفسه نقلص المدة التي يحتاجها الإنسان للتفكير في نتائج القرار.
لكن السباق الجيوسياسي لا يتعلق بالحرب فقط. إنه يمتد إلى الاقتصاد والمعلومات والثقافة. من يمتلك النماذج التي يستخدمها ملايين البشر يملك تأثيرًا هائلًا على الطريقة التي نبحث بها عن المعلومات ونلخص بها المعرفة ونكتب بها ونترجم ونخطط ونتعلم.
الخوارزمية ليست محايدة بالمعنى البسيط للكلمة. النموذج يُدرّب على بيانات، ويعمل وفق قواعد، ويخضع لقوانين الدولة التي توجد فيها الشركة المطورة له. ولذلك فإن الاعتماد الكامل على ذكاء اصطناعي أجنبي يحمل سؤالًا لا تحب الحكومات سماعه: من يملك البنية المعرفية للمجتمع؟
إذا كانت جامعاتنا تستخدم نماذج أجنبية، ومؤسساتنا تستخدم سحبًا أجنبية، وشركاتنا تخزن بياناتها لدى شركات أجنبية، وإعلامنا يعتمد على منصات أجنبية، فكم تبقى من السيادة الرقمية الحقيقية؟
لهذا أعتقد أن النقاش حول الذكاء الاصطناعي يجب أن يخرج من الحماس الاستهلاكي الساذج. لا يكفي أن نسأل: ما أفضل أداة للكتابة؟ ما أفضل تطبيق لإنشاء صورة؟ ما أفضل نموذج للدردشة؟ هذه أسئلة صغيرة أمام السؤال الحقيقي: من يتحكم في البنية التي تجعل هذه الأدوات ممكنة أصلًا؟
السيادة ليست أن نمتلك حسابًا في منصة أمريكية أو صينية.
السيادة أن نكون قادرين على الاستمرار إذا اختفت تلك المنصة غدًا.
وهذا السؤال لا يخص أمريكا والصين وأوروبا وحدها. إنه يخص كل الدول التي تجد نفسها اليوم مستهلكة للتكنولوجيا من دون قدرة حقيقية على إنتاجها. العالم العربي وإفريقيا مثلًا يخاطران بأن يتحولا إلى أكبر أسواق الاستخدام وأصغر مراكز القرار. نستورد النماذج، نستورد الرقائق، نستورد السحابة، نستورد معايير الاستخدام، ثم نحتفل بأننا أصبحنا «رقميين».
لكن الرقمنة ليست سيادة.
قد تكون شكلًا جديدًا من أشكال التبعية إذا لم تُبنَ معها القدرات المحلية.
ولذلك فإن معركة الذكاء الاصطناعي لا تُحسم فقط في مختبرات وادي السيليكون أو شنغهاي أو باريس أو لندن، بل تُحسم أيضًا في الجامعات، وفي سياسات التعليم، وفي قرارات الاستثمار، وفي إنتاج الطاقة، وفي تشجيع البحث العلمي، وفي حماية البيانات، وفي قدرة الدول على صناعة الرقائق أو على الأقل ضمان الوصول إليها.
الدول التي تنتظر حتى يكتمل السباق لتقرر ماذا تفعل ستجد نفسها أمام أمر واقع صنعه الآخرون.
اليوم ما زال هناك هامش للحركة. غدًا قد تصبح البنية العالمية للذكاء الاصطناعي أكثر انغلاقًا، وأكثر ارتباطًا بالأحلاف السياسية، وأكثر خضوعًا للقيود التجارية والأمنية.
لهذا فإن ما نراه اليوم ليس انفجارًا في التكنولوجيا فقط، بل إعادة ترتيب للقوة العالمية.
أمريكا تريد الحفاظ على تفوقها.
الصين تريد كسر الاحتكار.
أوروبا تريد ألا تختفي من الخريطة.
روسيا تبحث عن موقع مستقل.
اليابان تربط مستقبلها التكنولوجي بتحالفاتها الأمنية.
والدول الأخرى تحاول أن تفهم اللعبة قبل أن تجد نفسها مجرد سوق داخل إمبراطوريات رقمية لا تملك فيها القرار.
إن أخطر خطأ يمكن أن نرتكبه هو الاعتقاد أن الذكاء الاصطناعي مجرد موجة تقنية ستضاف إلى الإنترنت والهواتف الذكية ثم تستقر. ما نعيشه أعمق من ذلك بكثير. نحن أمام إعادة تعريف للعمل والتعليم والإعلام والحرب والاقتصاد والسيادة نفسها.
في القرن الماضي كان السؤال: من يملك النفط؟
وفي مرحلة لاحقة أصبح السؤال: من يملك المعلومات؟
أما السؤال الذي يفرض نفسه اليوم فهو: من يملك القدرة على تحويل المعلومات إلى قرار آلي واسع النطاق؟
ذلك هو جوهر القوة الجديدة.
ومن هنا فإن الحرب القادمة قد لا تبدأ بدبابة تعبر الحدود ولا بصاروخ يُطلق من قاعدة بعيدة، بل بقرار يُتخذ داخل مركز بيانات، أو برقاقة لا تصل إلى دولة، أو بنموذج يُمنع تصديره، أو بخدمة سحابية تُغلق في لحظة أزمة.
وحينها سنفهم متأخرين أن الخريطة السياسية للعالم لم تعد ترسمها الجيوش وحدها، بل ترسمها أيضًا الخوادم والرقائق والخوارزميات.
إن من يملك «العقل الصناعي» لن يملك مجرد أداة جديدة.
قد يملك القدرة على كتابة قواعد القرن الحادي والعشرين كله.
الكاتب المغربي عبده حقي







0 التعليقات:
إرسال تعليق