حين نتنقل صباح الأربعاء 28 أكتوبر 2026 بين الصحف الكبرى في فرنسا وإسبانيا وبلجيكا وألمانيا وإيطاليا وبريطانيا، لا نقرأ ست صحافات منفصلة بقدر ما نقرأ فصولًا مختلفة من قصة أوروبية واحدة. القارة التي اعتادت طوال عقود أن تقدم نفسها بوصفها فضاء للاستقرار والرفاه والديمقراطية الاجتماعية تبدو اليوم أمام امتحان متعدد الجبهات: ميزانيات عامة مضغوطة، كلفة معيشة لم تعد أزمة عابرة، تنافس صناعي شرس مع الصين والولايات المتحدة، قلق متصاعد بشأن الهجرة والحدود، صعود سياسي لتيارات يمينية وشعبوية، وتحولات عميقة في مفهوم الأمن والطاقة والدفاع. وتكشف خريطة الصحف حجم التنوع الإعلامي الأوروبي، من «لوموند» و«لوفيغارو» و«ليبراسيون» في فرنسا إلى «إلباييس» و«إلموندو» و«لافانغارديا» في إسبانيا، ومن «لوسوار» و«لاليبر بلجيك» و«دي ستاندارد» في بلجيكا إلى «دير شبيغل» و«دي تسايت» و«فرانكفورتر ألغماينه» في ألمانيا، وصولًا إلى الصحافة الإيطالية والبريطانية.
فرنسا: «الجدار المالي» يقترب من طموحات ماكرون
في فرنسا يفرض الاقتصاد والميزانية نفسيهما بقوة على واجهات الصحافة. ومن أكثر العناوين دلالة ما نشرته «لوموند» حول برنامج «فرنسا 2030» الذي أطلقه الرئيس إيمانويل ماكرون باستثمارات معلنة تبلغ 54 مليار يورو من أجل إعادة بناء القوة الصناعية الفرنسية وتعزيز السيادة في مجالات التكنولوجيا والطاقة والابتكار. غير أن تقرير محكمة الحسابات الفرنسية يضع المشروع أمام ما يشبه «الجدار المالي»، بعدما كشف أن التنفيذ أصبح أطول وأكثر كلفة، وأن الدولة تحملت جزءًا كبيرًا من المخاطر عبر الدعم العمومي المباشر، فيما بقيت مساهمة القطاع الخاص أقل من المستهدف.
القضية تتجاوز برنامجًا اقتصاديًا بعينه، لأنها تطرح سؤالًا أصبح مركزيًا في فرنسا: هل تستطيع الدولة الاستمرار في تمويل دولة الرفاه، والتحول الطاقي، والدفاع، والسيادة الصناعية، والذكاء الاصطناعي، في وقت تضيق فيه هوامش المالية العامة؟ وحتى برنامج «فرنسا 2030» بدأ يعيد ترتيب أولوياته باتجاه الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية والفضاء والأمن السيبراني. وفي الخلفية تتحرك مبكرًا حسابات الانتخابات الرئاسية لعام 2027؛ إذ تعكس التغطية السياسية الفرنسية نقاشًا متصاعدًا حول إعادة ترتيب اليمين والوسط وإمكان تقديم مرشح موحد، في الوقت الذي تزداد فيه صعوبة تمرير الخيارات المالية والاجتماعية داخل البرلمان. وهكذا تبدو فرنسا بين طموح دولة تريد البقاء قوة صناعية وتكنولوجية كبرى وواقع مالي يطالبها بالمزيد من الانتقائية والانضباط.
إسبانيا: الهجرة تعود إلى قلب السياسة والأمن
أما في إسبانيا، فإن أحد أكثر الملفات حضورًا هو الهجرة، وخصوصًا تداعيات أزمة سبتة. الصحافة الإسبانية تتابع الملف من زوايا قضائية وسياسية وأمنية وأوروبية، وقد برزت في الساعات الأخيرة أخبار عن مطالبة بروكسل بتعزيز قدرات «فرونتكس» وإنشاء قوة تدخل سريعة وآليات لمراقبة شبكات التواصل لمواجهة الأزمات الحدودية والمعلومات المضللة المرتبطة بها.
كما تتابع «إلباييس» تطورات التحقيقات القضائية المرتبطة بأحداث سبتة، وقرارات إعادة بعض المهاجرين إلى المغرب، والنقاشات القانونية المتعلقة بالطعون والإجراءات، فضلًا عن الجدل الداخلي بشأن مسؤولية الحكومة وكيفية إدارة الأزمة. لكن ما يهم في القراءة الأوسع ليس التفاصيل القضائية وحدها، بل عودة الحدود الجنوبية لإسبانيا لتصبح مرة أخرى إحدى نقاط الاختبار الأساسية للسياسة الأوروبية في الهجرة.
وتكشف الصحافة الإسبانية كذلك أن ملف الهجرة أصبح متشابكًا مع الاستقطاب السياسي الداخلي. المعارضة تكثف هجومها على الحكومة، فيما تتحول الاحتجاجات والاضطرابات وقضايا الأمن إلى مادة انتخابية مبكرة. وتدخل شبكات التواصل نفسها إلى قلب الملف بعدما باتت السلطات الأوروبية تنظر إلى الأخبار الزائفة والتحريض الرقمي باعتبارهما جزءًا من إدارة الأزمات الحدودية، لا مجرد ظاهرة إعلامية جانبية.
بلجيكا: عشرة مليارات يورو تبحث عنها الحكومة
في بلجيكا لا يحتاج القارئ إلى كثير من الوقت لاكتشاف الكلمة المسيطرة على النقاش: الميزانية. حكومة بارت دي ويفر تواجه معركة صعبة للعثور على نحو عشرة مليارات يورو من إجراءات التصحيح والادخار، في ظل خلافات حادة داخل الائتلاف بشأن توزيع الأعباء الاجتماعية والمالية.
المفاوضات الأخيرة انتهت من دون اتفاق، ووصف مسؤولون حكوميون الوضع بأنه «صعب». وما يزيد الضغط أن بلجيكا تواجه ارتفاعًا في تكلفة الاقتراض، فيما يسعى رئيس الحكومة إلى إعادة الميزانية إلى مسار أكثر توافقًا مع القواعد المالية الأوروبية. هذا يعني عمليًا خيارات غير شعبية قد تشمل الإنفاق والضرائب والسياسات الاجتماعية.
لكن الأزمة ليست أرقامًا محاسبية فقط. فقد شهدت بروكسل احتجاجات واسعة ضد السياسات الاجتماعية والاقتصادية للحكومة، بمشاركة نقابات وموظفين وطلبة ومدرسين وفنانين وممثلين عن قطاعات مختلفة. لذلك أصبح النقاش البلجيكي نموذجًا مصغرًا للمشكلة الأوروبية الكبرى: كيف تخفض دولة أوروبية مديونيتها وعجزها من دون تفكيك نموذجها الاجتماعي؟ وكيف تطلب الحكومات التقشف في وقت تعاني فيه الطبقة الوسطى أصلًا من ضغط الأسعار والسكن والطاقة؟
ألمانيا: هل ينقذ الاقتصاد السياسة من صعود «البديل»؟
ربما تقدم ألمانيا واحدة من أكثر الصور إثارة للقلق في الصحافة الأوروبية الراهنة. الاقتصاد الذي ظل لعقود قاطرة الاتحاد الأوروبي يواجه اختبارًا بنيويًا حقيقيًا. المنافسة الصينية تهدد قطاعات صناعية تقليدية، خصوصًا السيارات والصناعات المرتبطة بها، وأسعار الطاقة وتكاليف العمل والبيروقراطية تضغط على تنافسية الشركات، فيما يسجل النمو معدلات ضعيفة مقارنة بالعقود السابقة.
وفي الوقت نفسه يتقدم حزب «البديل من أجل ألمانيا» في المشهد السياسي، مستفيدًا من القلق الاقتصادي والاجتماعي، خصوصًا في الولايات الشرقية. لذلك لم يعد السؤال الألماني اقتصاديًا فقط، بل أصبح سياسيًا بامتياز: هل تستطيع حكومة فريدريش ميرتس إعادة تشغيل آلة النمو بسرعة تكفي لمنع المزيد من انجراف الناخبين نحو اليمين المتطرف؟
الحكومة تراهن على التكنولوجيا. الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية والرقائق الإلكترونية والبيوتكنولوجيا والطاقة النظيفة والتنقل المحايد كربونيًا أصبحت قطاعات محورية في استراتيجية جديدة للنمو. وهناك حديث عن إمكان استقطاب استثمارات ضخمة خلال العقد المقبل، إلى جانب نمو واضح في تأسيس الشركات الناشئة، وخصوصًا العاملة في الذكاء الاصطناعي.
غير أن الاقتصاد ليس الملف الوحيد. صعود «البديل» بدأ يؤثر كذلك في النقاش الألماني بشأن روسيا وأوكرانيا، إذ يطالب الحزب بتغيير السياسة الحالية وتقليص الدعم لكييف والدفع نحو مفاوضات مع موسكو. وهكذا أصبحت الأزمة الاقتصادية مرتبطة مباشرة بالسياسة الخارجية والأمن الأوروبي.
إيطاليا: ميلوني بين الضرائب والأسواق وبروكسل
في إيطاليا تتصدر الموازنة لعام 2027 الصحافة، وهي موازنة ذات أهمية سياسية خاصة لأنها الأخيرة قبل الانتخابات العامة المنتظرة. حكومة جورجيا ميلوني تحاول الجمع بين إجراءات لتخفيف الضرائب ودعم الأسر والشباب وبين ضرورة الحفاظ على ثقة الأسواق والالتزام بالقواعد الأوروبية.
وتكشف الصحافة الإيطالية عن خلافات داخل الأغلبية نفسها بشأن ضريبة الدخل ومساهمات البنوك وشركات التأمين والطاقة. ميلوني تقول إن حكومتها أوفت بالتزاماتها الأساسية، لكن التفاوض حول التفاصيل المالية ما زال شاقًا. وتقدر الحزمة بنحو 23.5 مليار يورو بين إعفاءات ضريبية وزيادات في الإنفاق، مع السعي للاستفادة من بعض المرونة الأوروبية المتصلة بالاستثمارات الدفاعية والخضراء.
وفي خلفية هذه الحسابات تظهر صورة اجتماعية أقل راحة. بيانات وتقارير إيطالية حديثة تتحدث عن تراجع الاستهلاك وعن ازدياد شعور الشباب والنساء بعدم الأمان الاقتصادي رغم تحسن بعض مؤشرات التشغيل والدخل. وهذه مفارقة أوروبية متكررة: الأرقام الكلية قد تقول إن الاقتصاد يتحسن، لكن المواطن لا يشعر بالتحسن بالسرعة نفسها.
وهنا تظهر أهمية ميزانية ميلوني سياسيًا. فالانتخابات القادمة لن تدور فقط حول الهجرة والهوية والمحافظة الاجتماعية، وهي المجالات التي بنت عليها رئيسة الوزراء جزءًا من قوتها السياسية، بل حول سؤال أبسط بكثير بالنسبة للمواطن الإيطالي: هل ازدادت قدرته الشرائية أم تراجعت؟
بريطانيا: الميزانية الأولى في لحظة شديدة الصعوبة
في بريطانيا تسيطر الميزانية بصورة شبه كاملة على الصحافة. وزير المالية جون هيلي يقدم في 28 أكتوبر ميزانيته الأولى وسط وضع تصفه الصحف بأنه بالغ الصعوبة: ارتفاع أسعار الطاقة، كلفة اقتراض حكومية ثقيلة، تضخم يضغط على الأسر، دين عام يقترب من ثلاثة تريليونات جنيه إسترليني، وحاجة الحكومة في الوقت نفسه إلى تمويل الاستثمار والدفاع والخدمات العامة.
ومن الإجراءات المتداولة زيادة الضرائب على البنوك وشركات القمار والمنصات الإلكترونية، مقابل تمويل مساعدات للفئات الأضعف والإبقاء على بعض إجراءات تخفيف الضغط عن سائقي السيارات والأسر. كما تراهن الحكومة على توجيه أكثر من عشرين مليار جنيه إلى مؤسسات تمويل عامة لدعم الاستثمار في الذكاء الاصطناعي والدفاع والطاقة الخضراء.
لكن الصحافة البريطانية لا تناقش الميزانية بمعزل عن أزمة الثقة في الدولة. فتكلفة الاقتراض وصلت إلى مستويات مرتفعة للغاية، ما يقلص الهامش المتاح أمام الحكومة لتحقيق وعودها. وفي الوقت نفسه تطفو ملفات الأمن بقوة، من التهديدات السيبرانية إلى المخاوف المرتبطة بالبنى التحتية والطاقة والأمن القومي. وبرز على واجهات الصحافة أيضًا الجدل بشأن مشروع محطة Sizewell C النووية الضخم بعدما حذر نواب من أن نموذج تمويله قد يحمل دافعي الضرائب والمستهلكين أعباء كبيرة.
حتى بعض التفاصيل التي قد تبدو يومية تحمل دلالة أوسع؛ إذ سجلت بريطانيا ارتفاعًا في شراء المياه المعبأة والأغذية المعلبة وأجهزة الراديو والمصابيح بعد نصائح حكومية تتعلق بالاستعداد لحالات الطوارئ المرتبطة بالطقس القاسي والهجمات السيبرانية. إنها صورة تعكس كيف تسلل مفهوم «الأمن» من الجيوش والحدود إلى المطبخ المنزلي والخزانة الشخصية للمواطن.
أوروبا واحدة.. والأزمات متعددة
إذا وضعنا الصحف الست أمامنا في صباح واحد، نلاحظ أن الاختلافات الوطنية تتراجع أمام وحدة الأسئلة. باريس تبحث عن تمويل طموحها الصناعي، بروكسل تبحث عن عشرة مليارات يورو لتصحيح ميزانيتها، روما تتفاوض على ميزانية انتخابية حساسة، لندن تواجه ارتفاع كلفة الدين، برلين تحاول إعادة تشغيل اقتصادها الصناعي، ومدريد تبحث عن صيغة أكثر فاعلية لإدارة الهجرة والحدود.
وتحت هذه الملفات كلها توجد أزمة سياسية أعمق: المواطن الأوروبي أصبح أقل استعدادًا لقبول التضحيات من دون نتائج ملموسة. لقد ارتفعت كلفة الطاقة والسكن والغذاء، وتراجعت الثقة في قدرة المؤسسات التقليدية على تقديم الحلول بالسرعة المطلوبة، ولذلك تجد الأحزاب الشعبوية واليمينية أرضًا خصبة للتوسع.
أما التحول الآخر اللافت فهو أن الاقتصاد والأمن والتكنولوجيا أصبحت ملفات متداخلة. لم تعد صناعة الرقائق مجرد ملف اقتصادي، ولا الذكاء الاصطناعي مجرد قضية تكنولوجية، ولا الطاقة مجرد شأن تجاري. كلها أصبحت عناصر في مفهوم جديد للسيادة الأوروبية. فرنسا تريد سيادة صناعية، ألمانيا تريد استعادة تفوقها التكنولوجي، بريطانيا تمول الذكاء الاصطناعي والدفاع والطاقة، وإيطاليا تطلب مرونة مالية أوروبية مرتبطة بالدفاع والاستثمار.
وفي الوقت نفسه تكشف أزمة الهجرة أن الحدود لا تزال نقطة ضعف الاتحاد. إسبانيا تنظر إلى سبتة باعتبارها ملفًا أمنيًا وقضائيًا وسياسيًا، فيما تتحرك بروكسل باتجاه تعزيز «فرونتكس» وتطوير آليات جديدة للتدخل السريع ومراقبة المعلومات المضللة. وقد أصبحت الهجرة اليوم وقودًا انتخابيًا في عدد متزايد من الدول الأوروبية.
الصحافة الأوروبية تكتب عن الخوف بقدر ما تكتب عن الأمل
القاسم المشترك الأعمق بين هذه العناوين هو الخوف من فقدان شيء بناه الأوروبيون خلال العقود الماضية: ألمانيا تخشى فقدان قوتها الصناعية، فرنسا تخشى تقلص قدرتها على تمويل طموحاتها، بلجيكا تخشى أن تصبح دولة الرفاه غير قابلة للتمويل، إيطاليا تخشى أن يتحول ضغط المعيشة إلى غضب انتخابي، إسبانيا تخشى تحول الهجرة إلى أزمة سياسية وأمنية دائمة، وبريطانيا تخشى أن تظل عالقة بين ضعف النمو وارتفاع الدين وكلفة إعادة بناء الخدمات العامة.
لكن وسط هذا التشاؤم تظهر أيضًا محاولة أوروبية واسعة لإعادة اختراع المستقبل. هناك استثمارات هائلة في الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية والطاقة الخضراء والفضاء والدفاع والرقائق والشركات الناشئة. وهذا يعني أن أوروبا لا تستسلم لتراجعها المفترض، لكنها تدرك أن النموذج الاقتصادي الذي صنع رخاء العقود السابقة لم يعد كافيًا.
من هنا يمكن اختصار رادار الصحافة الأوروبية في نهاية أكتوبر 2026 بجملة واحدة: أوروبا تبحث عن نموذج جديد قبل أن يسبقها الغضب الشعبي إلى صناديق الاقتراع. القارة لا تعاني غياب المال وحده، بل تعاني صعوبة تحديد الأولويات؛ ولا تخشى الهجرة وحدها، بل تخشى فقدان السيطرة السياسية على خطابها؛ ولا تواجه صعود اليمين وحده، بل تواجه الأسباب الاقتصادية والاجتماعية التي تمنحه المزيد من الأصوات.
إنها أوروبا تقف أمام المرآة، وواجهات صحفها اليوم لا تعكس فقط ما وقع خلال الساعات الماضية، بل تكشف سؤالًا أكبر بكثير: هل تستطيع القارة أن تمول أمنها ودفاعها وتحولها التكنولوجي ونموذجها الاجتماعي في الوقت نفسه، وأن تقنع مواطنيها بأن المستقبل ما زال مشروعًا يستحق الثقة؟ هذا، أكثر من أي عنوان منفرد، هو الخبر الأوروبي الأكبر في هذه المرحلة.







0 التعليقات:
إرسال تعليق