الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأربعاء، أكتوبر 28، 2026

من طنجة إلى الكويرة.. الحكم الذاتي يكرس مسار قضية الصحراء المغربية : عبده حقي


لم تعد قضية الصحراء المغربية، كما أراها اليوم، تقف في المكان السياسي والدبلوماسي نفسه الذي كانت تقف فيه قبل سنوات، ولم يعد النقاش الدولي يدور بالحدة القديمة نفسها حول سلسلة طويلة من السيناريوهات المتعارضة، بل أصبح مركز الثقل يتحرك تدريجيًا نحو سؤال أكثر واقعية: كيف يمكن الوصول إلى تسوية سياسية نهائية قابلة للحياة انطلاقًا من مبادرة الحكم الذاتي المغربية؟ وما يجري خلال هذه الأيام داخل مجلس الأمن ليس مجرد سجال لغوي حول فقرة تضاف إلى مشروع قرار أو تحذف منه كلمة هنا أو هناك، بل هو انعكاس لتحول أعمق في الطريقة التي أصبحت بها القوى الدولية الكبرى تتعامل مع هذا النزاع الممتد منذ عقود.

القرار 2797 الذي اعتمده مجلس الأمن في 31 أكتوبر 2025 شكّل محطة مهمة في هذا المسار، إذ دعا صراحة إلى إجراء المفاوضات على أساس مقترح الحكم الذاتي المغربي، بهدف التوصل إلى حل سياسي نهائي ومتوافق عليه، كما اعتبر أن الحكم الذاتي الحقيقي يمكن أن يشكل نتيجة قابلة للتطبيق. وهذه ليست قراءة مغربية للنص فقط، وإنما هي صياغة مثبتة في القرار نفسه.

واليوم، عشية تجديد ولاية بعثة المينورسو التي تنتهي في 31 أكتوبر 2026، يعود الملف إلى مجلس الأمن في مناخ دولي مختلف، حيث تشير المعطيات المتاحة إلى أن الولايات المتحدة، صاحبة القلم في ملف الصحراء داخل المجلس، تواصل الدفع نحو جعل المبادرة المغربية محور العملية السياسية. وتوضح متابعة مجلس الأمن لشهر أكتوبر 2026 أن واشنطن تتمسك باعتبار الحكم الذاتي أساسًا للحل، بينما تصف فرنسا المبادرة المغربية بأنها الأساس الوحيد للتوصل إلى تسوية سياسية، وترى بريطانيا أنها الأساس الأكثر مصداقية وقابلية للتطبيق والبراغماتية لتسوية دائمة للنزاع.

من وجهة النظر المغربية، لا يمكن التعامل مع هذا التحول باعتباره تفصيلًا عابرًا، لأن الرباط وضعت منذ سنة 2007 مبادرة سياسية محددة أمام الأمم المتحدة، تقوم على منح سكان جهة الصحراء سلطات تشريعية وتنفيذية وقضائية واسعة داخل إطار السيادة والوحدة الوطنية المغربية. وتنص المبادرة نفسها على أن الوضع النهائي الناتج عن المفاوضات يعرض على السكان المعنيين في إطار ممارسة تقرير المصير وفق ميثاق الأمم المتحدة. وبالتالي فالحكم الذاتي، كما تصوغه الوثيقة المغربية، ليس مجرد إدارة محلية موسعة، وإنما بناء مؤسساتي وسياسي متكامل يمنح سكان المنطقة صلاحيات واسعة مع احتفاظ الدولة المغربية باختصاصاتها السيادية.

ومن هنا أرى أن أهم ما حدث خلال السنوات الأخيرة هو أن النقاش انتقل بالتدريج من السؤال القديم: هل يمكن أن تكون المبادرة المغربية جزءًا من الحل؟ إلى سؤال جديد: كيف يمكن تحويل المبادرة المغربية إلى إطار عملي للتفاوض وإنهاء النزاع؟ وبين السؤالين مسافة سياسية هائلة، لأنها تعني أن مشروع الحكم الذاتي لم يعد مجرد وثيقة مغربية مودعة في أرشيف الأمم المتحدة، بل أصبح عنصرًا مركزيًا في لغة مجلس الأمن وفي مواقف عدد متزايد من القوى المؤثرة.

ولا ينبغي، في الوقت نفسه، أن نحمّل المسودات المتداولة داخل مجلس الأمن أكثر مما تحتمل. فما يزال النقاش قائمًا بين أعضاء المجلس حول الصياغة النهائية للقرار المنتظر، كما لا تزال مواقف الدول مختلفة حول الوضع النهائي للإقليم. بعض الدول تدعم السيادة المغربية صراحة، وبعضها يدعم الحكم الذاتي بوصفه الأساس الأكثر واقعية للحل، فيما تتمسك جبهة البوليساريو والجزائر بمقاربات مختلفة تضع تقرير المصير في صيغته التقليدية في قلب العملية السياسية. وتؤكد متابعة مجلس الأمن نفسها أن الخلافات بين الأطراف لم تختف رغم استئناف اللقاءات السياسية خلال سنة 2026.

لكن الاعتراف بوجود هذا الخلاف لا يلغي التحول الذي شهدته لغة مجلس الأمن. ففي القرار 2797 لم تعد المبادرة المغربية مجرد مقترح إلى جانب مقترحات أخرى متساوية في الوزن السياسي، بل أصبحت «أساسًا» للمفاوضات، وهو تطور له دلالته حين يوضع في سياق التحولات الدبلوماسية المتراكمة خلال السنوات الأخيرة. ولهذا فإن المعركة اليوم أصبحت أيضًا معركة على المفردات: هل يوصف الحكم الذاتي بأنه «الأكثر قابلية للتطبيق»؟ وهل يصبح «الأساس الوحيد» للمفاوضات؟ وهل تنتقل هذه الصياغات من مواقف دول منفردة إلى اللغة الجماعية لمجلس الأمن؟ تلك التفاصيل اللغوية الصغيرة هي التي ترسم، في الدبلوماسية الدولية، حدود التحولات الكبيرة.

بالنسبة إلي، كمغربي ينظر إلى الخريطة باعتبارها امتدادًا لذاكرة وطنية وتاريخ سياسي واجتماعي، فإن عبارة «من طنجة إلى الكويرة» ليست مجرد شعار عاطفي، بل تعبير عن الرؤية الرسمية المغربية لوحدة التراب الوطني. وقد استخدم الملك محمد السادس نفسه هذه العبارة في خطابه عقب قرار مجلس الأمن في أكتوبر 2025، معتبرًا أن المرحلة الجديدة ينبغي أن تفتح الطريق أمام مغرب موحد من طنجة إلى الكويرة. وفي الخطاب ذاته أعلن أن المغرب سيعمل على تحيين وتفصيل مبادرة الحكم الذاتي لتقديمها في المفاوضات باعتبارها، من منظور الدولة المغربية، الحل الواقعي والقابل للتطبيق.

والكويرة هنا ليست مجرد نقطة جغرافية في أقصى الجنوب، بل تحمل في الوجدان المغربي معنى اكتمال الخريطة. وعندما يتحدث المغرب عن تنمية أقاليمه الجنوبية وربطها بالموانئ والطرق والاستثمارات الكبرى وبمشاريع الطاقة والتجارة الإفريقية، فإنه يحاول تحويل مفهوم الوحدة الترابية من مجرد ملف دبلوماسي إلى واقع اقتصادي واجتماعي. فالسيادة في عالم اليوم لا تعيش بالخرائط وحدها؛ تحتاج أيضًا إلى طرق ومدارس ومستشفيات وجامعات وفرص عمل ومؤسسات منتخبة وحياة اقتصادية تجعل المواطن يشعر بأن الأرض التي يسكنها ليست هامشًا بعيدًا عن المركز، بل جزء من المستقبل الوطني.

وهنا تكمن، في تقديري، القوة الحقيقية التي يستطيع المغرب أن يضيفها إلى موقفه الدبلوماسي. إن نجاح الحكم الذاتي لن يقاس فقط بعدد الدول التي تؤيده أو بالعبارات الواردة في قرارات مجلس الأمن، بل بقدرة النموذج المغربي نفسه على إقناع سكان المنطقة بأن المستقبل داخل فضاء مغربي مستقر ومزدهر ومفتوح على إفريقيا والعالم يوفر لهم إمكانات أكبر من استمرار نزاع عمره نصف قرن.

لقد أنهك هذا النزاع المنطقة المغاربية طويلًا. أضاع فرصًا تاريخية للتكامل بين شعوب ترتبط بالجغرافيا والتاريخ والثقافة والمصالح الاقتصادية. كان يمكن للمغرب والجزائر وموريتانيا وبقية بلدان المغرب الكبير أن تبني فضاءً اقتصاديًا وسياسيًا قادرًا على التفاوض مع أوروبا وإفريقيا وآسيا من موقع أكثر قوة، لكن النزاع ظل واحدًا من أكبر الحواجز أمام ذلك الحلم. ولذلك فإن إنهاء ملف الصحراء ليس مصلحة مغربية فقط؛ إنه مفتاح لإعادة ترتيب مستقبل المغرب الكبير كله.

ومن وجهة النظر المغربية، تقدم مبادرة الحكم الذاتي مخرجًا يحاول التوفيق بين متطلبات الوحدة الترابية وبين إدارة السكان لشؤونهم المحلية من خلال مؤسساتهم المنتخبة. وفي نص المبادرة المغربية الأصلية، تحصل الجهة على مؤسسات تشريعية وتنفيذية وقضائية وصلاحيات واسعة في الإدارة المحلية والتنمية والاقتصاد والثقافة والشؤون الاجتماعية، بينما تبقى الاختصاصات السيادية للدولة في مجالات مثل الدفاع والعلاقات الخارجية والعملة.

لهذا يصبح من الضروري، إذا أريد للمبادرة أن تنتقل من قوة دبلوماسية إلى أفق سياسي نهائي، أن تتحول تفاصيل الحكم الذاتي نفسها إلى موضوع للنقاش الجاد: طبيعة البرلمان الجهوي، صلاحيات الحكومة المحلية، الموارد المالية، ضمانات المشاركة السياسية، حماية الخصوصية الحسانية، توزيع الثروات، استقلال القضاء الجهوي، وعلاقة المؤسسات المحلية بالمؤسسات المركزية. وكلما أصبح المشروع أكثر وضوحًا وتفصيلًا، أمكن تقييمه بوصفه نموذجًا سياسيًا قابلًا للتطبيق لا مجرد عنوان دبلوماسي.

والمغرب، وهو يدافع عن وحدته الترابية، لا يحتاج في رأيي إلى اختزال القضية في الشعارات وحدها. فالتحولات الدولية الراهنة تمنحه فرصة لكي يجعل التنمية والديمقراطية والجهوية المتقدمة ودولة المؤسسات جزءًا من حجته السياسية أمام العالم. كلما كانت الأقاليم الجنوبية فضاءً مفتوحًا للاستثمار والجامعة والثقافة والإبداع وحرية المبادرة والمشاركة السياسية، أصبحت الوحدة الوطنية واقعًا يوميًا محسوسًا قبل أن تكون مادة في قرارات مجلس الأمن.

كما أن الدفاع عن مغربية الصحراء لا يحتاج إلى تحويل الخلاف مع الجزائريين أو الصحراويين المؤيدين للبوليساريو إلى عداوة بين الشعوب. النزاعات السياسية تتغير، أما الجغرافيا فتبقى. المغرب والجزائر سيظلان جارين مهما طال الخلاف، والشعوب المغاربية ستبقى مرتبطة بمصالح لا يمكن لأي حدود سياسية أن تلغيها. التسوية الدائمة هي التي تسمح للجميع بالخروج من منطق الصراع إلى منطق التعاون، ومن استنزاف الموارد في نزاع قديم إلى بناء فضاء مغاربي قادر على مواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين.

لقد أصبح واضحًا أن الدبلوماسية المغربية تراهن اليوم على تراكم المواقف أكثر من انتظار انقلاب مفاجئ في الملف. الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا ودول أخرى تستخدم بدرجات مختلفة لغة داعمة للحكم الذاتي المغربي، وبعض الدول تعترف صراحة بالسيادة المغربية، بينما تتخذ دول أخرى مواقف أكثر تحفظًا. وهذا التفاوت مهم، لأن القول إن هناك إجماعًا دوليًا مكتملًا سيكون مبالغة؛ لكن القول إن الموقف الدولي لم يتغير خلال السنوات الأخيرة سيكون بدوره تجاهلًا لتحولات موثقة داخل مجلس الأمن وخارجه.

ولهذا تبدو الأيام التي تسبق تصويت مجلس الأمن الجديد مهمة. ليس لأن قرارًا واحدًا سيُنهي نزاعًا عمره عقود في ليلة واحدة، بل لأن كل قرار يضيف لبنة إلى البناء السياسي والقانوني والدبلوماسي الذي سيحدد شكل التسوية المقبلة. وإذا انتهى القرار الجديد إلى تعزيز موقع الحكم الذاتي في العملية السياسية، فإن المغرب سيقرأ ذلك باعتباره استمرارًا لمسار بدأ منذ تقديم المبادرة سنة 2007 وتعزز تدريجيًا في السنوات الأخيرة.

ومن طنجة المطلة على ملتقى البحرين إلى الداخلة المفتوحة على الأطلسي، وصولًا إلى الكويرة في أقصى الجنوب، تبقى الوحدة الترابية في الوعي السياسي المغربي قضية تتجاوز التداول الحكومي والاختلافات الحزبية. لكن قوة هذه الوحدة في المستقبل ستقاس أيضًا بقدرتها على احتضان التعدد وتحقيق العدالة المجالية وربط الجنوب بمشروع وطني شامل لا يشعر فيه أي مواطن بأنه يعيش في الأطراف.

لقد دخل ملف الصحراء مرحلة تتغير فيها المفردات والموازين ببطء ولكن بصورة واضحة. والحكم الذاتي أصبح حاضرًا في صميم العملية الأممية أكثر مما كان عليه قبل سنوات. ولا يزال الطريق نحو التسوية النهائية بحاجة إلى مفاوضات وإرادة سياسية واتفاق مقبول في الإطار الذي تحدده الأمم المتحدة، لكن المغرب يعتبر أن اتجاه هذا الطريق أصبح أكثر وضوحًا: حكم ذاتي واسع داخل سيادته ووحدته الوطنية.

إن أكبر انتصار يمكن للمغرب أن يحققه ليس أن تبقى الصحراء نزاعًا يربحه في كل اجتماع دبلوماسي، بل أن يأتي يوم لا تعود فيه الصحراء أصلًا ملفًا مفتوحًا على طاولة مجلس الأمن، وأن يتحول الجنوب إلى جسر للتعاون المغاربي والإفريقي بدل أن يبقى عنوانًا لنزاع مزمن. وعندها فقط ستأخذ عبارة «المغرب من طنجة إلى الكويرة» معناها الأوسع: وطن موحد في جغرافيته، متنوع في ثقافته، متضامن بين جهاته، واثق من حدوده، ومتجه نحو المستقبل بدل البقاء أسير نزاعات الماضي.

الكاتب المغربي عبده حقي


0 التعليقات: