الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأحد، نوفمبر 01، 2026

حصلية الثقافة المغربية مسارح جديدة وذاكرة موسيقية وأسئلة السينما والكتاب: عبده حقي


عرف المشهد الثقافي والفني المغربي خلال الأيام الأخيرة من شهر أكتوبر 2026 حركية لافتة يصعب اختزالها في مجرد توالي مهرجانات وحفلات ومعارض. فمن الرباط إلى تطوان، ومن الصويرة إلى آسفي وطنطان وفاس ومراكش، بدا أن الثقافة المغربية تعيش لحظة تتقاطع فيها الرغبة في حماية الذاكرة مع البحث عن أشكال تعبير جديدة، ويتجاور فيها التراث مع التجريب، والموسيقى الشعبية مع الأوركسترا، والمسرح الاحترافي مع مدارس التكوين، والسينما الواقعية مع أفلام الرعب والفانتازيا. إنها صورة لمشهد يتسع جغرافيًا وجماليًا، لكنه يطرح في الوقت نفسه سؤالًا جوهريًا: هل نحن أمام تراكم للمواعيد الثقافية فقط، أم أمام بداية تحول حقيقي في تصور المغاربة لوظيفة الثقافة والفن؟

السينما المغربية تفتح الباب أمام الخيال والرعب في «بوجلود»

من أبرز المستجدات التي ميزت الأيام الأخيرة إطلاق «بوجلود فيلم فست» في الرباط، من خلال نسخة تمهيدية امتدت من 30 أكتوبر إلى فاتح نونبر 2026، وخصصت للسينما الفانتازية وأفلام النوع والرعب والإثارة، مع عروض ونقاشات ولقاءات في عدد من الفضاءات السينمائية والتكوينية بالعاصمة. اللافت هنا ليس فقط ميلاد مهرجان جديد، بل اختياره منذ البداية منطقة سينمائية لا تزال محدودة الحضور في الإنتاج والتظاهرات المغربية. كما يستمد المهرجان اسمه من شخصية «بوجلود» أو «بيلماون» المتجذرة في الثقافة الشعبية المغربية، بما تحمله من أقنعة وجلود ومخاوف واحتفال وسخرية وانتهاك رمزي للمألوف.

وتكمن أهمية هذه المبادرة في أنها تعيد طرح العلاقة بين السينما المغربية ومخزونها الأنثروبولوجي والأسطوري. فقد ظلت السينما الوطنية، في جانب مهم منها، شديدة الالتصاق بالواقعي والاجتماعي، وهو أمر أنتج أعمالًا قوية، لكنه ترك مساحات واسعة من المخيال المغربي غير مستثمرة سينمائيًا. لدينا حكايات الجن والبركة والأولياء والأقنعة والأساطير والطقوس الجبلية والصحراوية والأمازيغية والإفريقية، لكن حضورها في السينما الحديثة لا يزال أقل بكثير من ثرائها. لذلك يمكن أن يصبح «بوجلود» أكثر من مجرد مهرجان للرعب إذا نجح في دفع جيل من المخرجين والكتاب إلى إعادة اكتشاف هذا المخزون، وتحويل الفانتازي المغربي من فولكلور بصري إلى لغة سينمائية تمتلك هويتها الخاصة.

الرباط تتحول إلى مختبر لتكوين أجيال المسرح الجديدة

احتضنت الرباط كذلك الدورة الثانية عشرة للمهرجان الدولي للمدارس العليا للفن الدرامي بين 30 أكتوبر و2 نونبر، بمشاركة طلبة وفنانين ومؤسسات تكوين مسرحي من عدد من البلدان، ضمن برنامج يقوم على العروض والورشات واللقاءات والتبادل المهني. هذا النوع من المهرجانات يختلف في طبيعته عن المهرجانات القائمة على النجوم والأسماء الجاهزة، لأنه يضع في الواجهة فنان الغد، أي الممثل والمخرج والسينوغراف والكاتب الذين ما زالوا في طور اكتشاف أدواتهم وصوتهم الخاص.

وتنبع أهمية هذا الموعد من سؤال التكوين المسرحي نفسه. فالمسرح لا يستمر فقط بالنصوص أو بالدعم المالي، بل بوجود مؤسسات قادرة على إنتاج أجيال تمتلك المعرفة التقنية والثقافة الجمالية والقدرة على التجريب. واللقاء بين مدارس مسرحية من بلدان مختلفة يسمح للطالب المغربي بأن يرى كيف يفكر الآخر في الجسد والفضاء والإضاءة والإخراج، كما يسمح للضيوف باكتشاف تقاليد المشهد المغربي. الثقافة هنا لا تُصنع فقط فوق الخشبة أمام الجمهور، بل تتشكل في المختبرات والورشات والغرف الصغيرة التي يتدرب فيها الشباب على صناعة الصورة والصوت والحركة، وهذا استثمار بعيد المدى قد يكون أكثر أهمية من عشرات العروض العابرة.

«منطقة رمادية»... المسرح المغربي يذهب إلى النفس وارتباك الحقيقة

وفي تطوان، اختتم المهرجان الوطني للمسرح دورته السادسة والعشرين بتتويج مسرحية «منطقة رمادية»، لفرقة «مبدعون ومبدعات» من فاس، بالجائزة الكبرى، إلى جانب تتويج النص المسرحي لشيماء الموزين. والعمل يقوم على أزمة محام يفقد عمله بعد قضية معقدة تترك أثرًا نفسيًا عميقًا في حياته، قبل أن تدخل علاقته الزوجية بدورها إلى منطقة الشك والغيرة واختلاط الواقع بالذاكرة والاحتمال.

والتتويج مهم لأنه يكشف ميلًا متزايدًا لدى المسرح المغربي نحو الاشتغال على الإنسان من الداخل، بدل الاكتفاء بالموضوع الاجتماعي المباشر. ففكرة «المنطقة الرمادية» ذاتها تعبر عن زمن لم تعد فيه الحقيقة سهلة أو مكتملة، بل صارت تتشكل من شظايا الذاكرة والشك والانطباع. وهذا النوع من الكتابة المسرحية يمكنه أن يضع المتلقي في موقع الشريك في بناء المعنى، لا المتفرج الذي يتلقى رسالة جاهزة. وحين يحصل النص نفسه على الاعتراف إلى جانب العرض، فإن ذلك يعيد الاعتبار إلى الكتابة الدرامية بوصفها أساسًا للمسرح، في وقت أخذت فيه بعض التجارب المعاصرة تميل إلى الصورة والأداء على حساب قوة البناء النصي.

مارسيل خليفة والعود يعيدان تطوان إلى قلب المتوسط

وشهدت تطوان أيضًا الدورة السابعة والعشرين للمهرجان الدولي للعود من 29 إلى 31 أكتوبر تحت شعار «المتوسط، حوض الثقافات الثلاث»، وافتتحت التظاهرة بحضور مارسيل خليفة، إلى جانب موسيقيين من المغرب وبلدان متوسطية أخرى. وقد اختار المهرجان آلة العود، بما تحمله من تاريخ عربي وأندلسي ومتوسطي، لتكون نقطة التقاء بين تجارب موسيقية متباينة، في مدينة ارتبط تاريخها طويلًا بالتفاعل الحضاري بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط.

وحضور مارسيل خليفة ليس تفصيلًا بروتوكوليًا، لأن تجربته تمثل منذ عقود نموذجًا لكيف يمكن للآلة التراثية أن تدخل الحداثة من دون أن تفقد جذورها. وهذا تحديدًا أحد التحديات الكبرى أمام الموسيقى المغربية: كيف نحافظ على العود والرباب والكمبري والآلات الشعبية لا باعتبارها مقتنيات متحفية، بل بوصفها أدوات قادرة على إنتاج موسيقى جديدة. وتطوان، وهي تحمل إرثًا أندلسيًا ومتوسطيًا كثيفًا، تبدو فضاء طبيعيًا لهذا الحوار. فالمهرجان في جوهره دفاع عن فكرة أن الهوية الموسيقية لا تحفظ بالعزلة، بل بالتفاعل.

الصويرة... التعدد المغربي يتحول إلى موسيقى

وفي الصويرة، عادت «الأندلسيات الأطلسية» أواخر أكتوبر لتجمع الموسيقى الأندلسية والملحون والفلامنكو والأغنية اليهودية المغربية وفنون كناوة ضمن برنامج متعدد الحساسيات، مع حضور فنانين مغاربة وأجانب. ومن بين اللحظات اللافتة لقاءات فنية تمزج تقاليد موسيقية كانت تاريخيًا تتجاور في المغرب والأندلس وحوض المتوسط، إلى جانب عروض تجمع بين موسيقى كناوة وتعبيرات فنية أخرى.

وتكاد الصويرة اليوم تتحول إلى مختبر مغربي دائم لذاكرة التعدد. فالمدينة لا تقدم التراث اليهودي المغربي أو الأندلسي أو الكناوي كجزر منفصلة، بل تضعها داخل سردية مشتركة. وهذه النقطة لها دلالة تتجاوز الموسيقى، لأنها تقول إن الهوية المغربية ليست صوتًا واحدًا، وإنما طبقات تاريخية عربية وأمازيغية وإفريقية وأندلسية ويهودية ومتوسطية. والتحدي هو ألا يتحول هذا التعدد إلى مجرد واجهة سياحية جذابة، بل أن يبقى ذاكرة حية تنتقل إلى الأجيال الجديدة، وتدخل المدرسة والإعلام والتكوين الموسيقي والبحث الأكاديمي.

آسفي تستعيد العمق الإفريقي لإيقاعات كناوة

واحتضنت آسفي انطلاق الدورة الثانية عشرة للمهرجان الدولي «كناوة سامبا» من 31 أكتوبر إلى 2 نونبر، تحت شعار يربط موسيقى كناوة بإيقاعات بامبارا وبحركة الموسيقى بين القارات والثقافات. ويضع المهرجان التراث الكناوي في سياقه الإفريقي الأوسع، بدل التعامل معه باعتباره لونًا موسيقيًا مغربيًا منعزلًا عن مسارات تاريخية طويلة عبر الصحراء وغرب إفريقيا.

وهذه العودة إلى إفريقيا ضرورية لفهم كناوة نفسها. فنجاح هذا الفن عالميًا خلال العقود الماضية قد يدفع أحيانًا إلى اختزاله في إيقاع احتفالي صالح للمهرجانات والسياحة، بينما يحمل في عمقه ذاكرة الهجرة والعبودية والروحانية والعلاج والعبور بين الثقافات. واستحضار بامبارا والسامبا والإيقاعات العابرة للقارات يذكر بأن الموسيقى ليست مجرد أصوات، بل أيضًا تاريخ للحركة البشرية. ويمكن لمهرجان آسفي، إذا تعمق في هذا البعد، أن يكون مناسبة لإعادة ربط الثقافة المغربية بامتداداتها الإفريقية عبر البحث والندوات والتوثيق، لا عبر الحفل الموسيقي فقط.

موسم طانطان... عندما يصبح التراث الحساني عرضًا حيًا للذاكرة

أما في الجنوب المغربي، فقد انطلقت الدورة التاسعة عشرة لموسم طانطان في 30 أكتوبر وتستمر إلى 3 نونبر، ببرنامج يجمع الموسيقى الحسانية والشعبية والعصرية، والتبوريدة وسباقات الإبل والخيام الموضوعاتية والإنشاد، إلى جانب لقاءات تجمع وفودًا وأعيان قبائل وضيوفًا من داخل المغرب وخارجه. ويحمل الموسم هذه السنة شعارًا يركز على التراث الإنساني والتبادل الثقافي، مستندًا إلى المكانة الدولية التي اكتسبها بوصفه أحد أبرز فضاءات حفظ التراث اللامادي الصحراوي.

والرهان الأكبر هنا هو الانتقال من «عرض التراث» إلى «حماية منظومة التراث». فالخيمة واللباس والإبل والشعر الحساني والموسيقى ليست عناصر منفصلة، بل أجزاء من نمط حياة ومن معرفة بالفضاء والرحلة والضيافة والذاكرة الشفوية. ومع تغير المجتمع وتوسع المدن وهيمنة الوسائط الرقمية، يصبح السؤال: كيف يمكن نقل هذا الرصيد إلى الشباب دون تجميده في صورة فولكلورية؟ إن موسم طانطان قادر، إلى جانب طابعه الاحتفالي، على لعب دور أكبر في التوثيق الرقمي للرواية الشفوية والشعر والأغاني والحرف والأنساب والذاكرة الاجتماعية، بحيث يصبح التراث الصحراوي مادة للمستقبل وليس مجرد مشهد يعاد مرة واحدة كل سنة.

الموسيقى في الفضاء العام... الدار البيضاء تختبر معنى الثقافة للجميع

في الدار البيضاء، عادت فعاليات «ويكازابلانكا» من خلال ثلاث أمسيات موسيقية مجانية بين 29 و31 أكتوبر بساحة الرشيدي، جمعت أنماطًا مختلفة من الموسيقى المغربية، من التراث الأمازيغي وكناوة إلى الشعبي والبوب والتعبيرات الحضرية المعاصرة، بمشاركة فرق وفنانين يمثلون أجيالًا وحساسيات متباينة.

وتكمن القيمة الحقيقية لهذه التظاهرات في مجانية الوصول إليها وفي خروج الفن إلى الفضاء العمومي. فالحق في الثقافة لا يتحقق فقط ببناء المسارح والمتاحف، بل أيضًا بجعل العرض الفني متاحًا لمن لا يستطيع شراء تذكرة أو لا يمتلك عادة ارتياد القاعات. والدار البيضاء، بما هي مدينة كثيفة ومتفاوتة اجتماعيًا، تحتاج إلى هذا النوع من الفضاء الثقافي المشترك. لكن المجانية وحدها لا تكفي؛ المطلوب أن تتحول المدينة نفسها إلى شبكة ثقافية موزعة على أحيائها، لا أن يظل الحدث الموسيقي الكبير موسميًا ومتمركزًا في بعض الساحات.

سعيد يقطين... تكريم مغربي للبحث الذي سبق زمنه الرقمي

ومن أهم الأخبار الثقافية المغربية في الأيام الماضية اختيار الباحث والناقد المغربي سعيد يقطين «شخصية العام الثقافية» للدورة الخامسة والأربعين من معرض الشارقة الدولي للكتاب، المقرر بين 4 و15 نونبر 2026. ويأتي التكريم بعد مسار تجاوز أربعة عقود من الاشتغال على السرد العربي، والرواية، والتراث الحكائي، وصولًا إلى النص المترابط والأدب الرقمي والتحولات التي تفرضها التكنولوجيا على القراءة والكتابة.

وقيمة هذا التكريم أنه يذهب إلى ناقد وباحث، أي إلى ذلك الفاعل الثقافي الذي يعمل غالبًا بعيدًا عن الأضواء. كما أن مسار يقطين يكتسب اليوم أهمية مضاعفة، لأن الأسئلة التي طرحها مبكرًا حول الانتقال من النص الورقي إلى النص الرقمي أصبحت في قلب النقاش العالمي مع الذكاء الاصطناعي والمنصات والخوارزميات. لذلك لا ينبغي قراءة تكريمه بوصفه احتفاءً بماض أكاديمي فقط، بل بوصفه اعترافًا بمشروع كان يرى مبكرًا أن الأدب لا يمكن فصله عن تحولات الوسيط والتكنولوجيا وطرق التلقي. إنها أيضًا رسالة إلى الجامعة المغربية بأن البحث النظري العميق يستطيع أن يصنع حضورًا عربيًا ودوليًا حين يمتلك مشروعًا واستمرارية.

ماهي بنبين و«نكتة»... الأدب المغربي يكتشف قوة الضحك

وفي فاس، قدم الكاتب والفنان التشكيلي ماهي بنبين مجموعته الجديدة «Nokta» في لقاء ثقافي احتضنه مركز نجوم فاس، وهي مجموعة تضم 22 قصة قصيرة تستند إلى النكتة والذاكرة والحكايات اليومية والسخرية، بعد مسار روائي عُرف أساسًا بانشغاله بالمصائر الإنسانية القاسية والمآسي الاجتماعية. ويقدم الكتاب وجهًا مختلفًا للكاتب، يستعيد فيه حكايات ومواقف تراكم بعضها على امتداد عقود.

والتحول نحو السخرية مهم في زمن تبدو فيه الكتابة العربية شديدة الثقل تحت وطأة الأزمات السياسية والاجتماعية والحروب والقلق. فالضحك ليس نقيض الجدية، وقد يكون أحيانًا أكثر أشكالها قدرة على كشف المفارقة البشرية. وللثقافة المغربية رصيد ضخم من الحكاية الساخرة والنكتة والملحون والفكاهة الشعبية والشفوية، لكن هذا الرصيد لم يتحول دائمًا بالقدر الكافي إلى مادة أدبية حديثة. تجربة بنبين الجديدة تفتح بالتالي سؤالًا حول مكانة الفكاهة في الأدب المغربي، وحول إمكان تحويل النكتة من استهلاك عابر إلى أداة لفهم المجتمع والذاكرة.

مشهد متحرك... ولكن ماذا بعد المهرجان؟

إذا جمعنا هذه الوقائع في صورة واحدة، سنجد أننا أمام مشهد ثقافي مغربي متنوع بالفعل. هناك مسرح نفسي وتجريبي، ومدارس للفنون الدرامية، وسينما فانتازية تبحث عن أساطيرها المحلية، وعود يعبر المتوسط، وكناوة تعيد الاتصال بإفريقيا، وموسيقى أندلسية تستحضر التعدد المغربي، وتراث حساني يقاوم النسيان، وكتاب مغاربة يحظون باعتراف عربي، وأدباء يختبرون أشكالًا جديدة من السرد والسخرية. هذه الحيوية مهمة، خصوصًا أنها تتوزع على مدن متعددة ولا تظل حبيسة محور الرباط والدار البيضاء.

لكن الكثرة لا تعني تلقائيًا وجود سياسة ثقافية فعالة. السؤال الذي ينبغي أن يرافق كل مهرجان هو: ماذا يبقى بعد انطفاء المنصة؟ هل ننتج تسجيلًا وأرشيفًا؟ هل نصدر كتابًا؟ هل ندرب شبابًا؟ هل نخلق فرص عمل للفنانين؟ هل تصل الأنشطة إلى المدارس؟ هل نستثمر المواد المنتجة رقميًا؟ وهل يستطيع الفنان أن يعيش من فنه خارج أيام المهرجان؟ إن الثقافة تحتاج إلى الاستمرارية بقدر حاجتها إلى الاحتفال.

كما تكشف حصيلة الأيام الماضية أن التراث أصبح عنصرًا مركزيًا في معظم التظاهرات، من بوجلود إلى كناوة، ومن العود إلى الموسيقى الأندلسية وموسم طانطان. وهذا أمر إيجابي، بشرط ألا نفهم التراث باعتباره العودة إلى الماضي، بل باعتباره مادة يمكن إعادة تركيبها. الثقافة الحية لا تحفظ الماضي في صندوق؛ إنها تفتح الصندوق وتسمح للأجيال الجديدة بإعادة قراءته بلغتها وأسئلتها وأدواتها الرقمية.

ويظل هناك رهان آخر يتعلق بالتوازن بين المركز والهامش. صحيح أن مدنًا مثل آسفي وطنطان والصويرة وتطوان أصبحت حاضرة بقوة، لكن المغرب الثقافي أوسع بكثير من خريطة المهرجانات الكبرى. هناك مدن صغيرة وقرى ومناطق جبلية وصحراوية تحتاج إلى المكتبة وقاعة السينما ودار الثقافة وورشات الفن قبل حاجتها إلى حدث سنوي كبير. العدالة الثقافية تعني أن يكون للمواطن حق حقيقي في الوصول إلى الكتاب والموسيقى والمسرح والسينما أينما كان.

إن الحصيلة الثقافية والفنية لهذه الأيام تقدم، في النهاية، صورة بلد يمتلك مخزونًا هائلًا من الذاكرة ومن الأصوات ومن الإمكانات. لكن مستقبل الثقافة المغربية لن يقاس بعدد المهرجانات وحده، بل بقدرتها على إنتاج معرفة وجمال وأسئلة جديدة، وعلى تحويل الفنان من ضيف موسمي فوق المنصة إلى فاعل دائم داخل المجتمع. حين يصبح الكتاب جزءًا من الحياة اليومية، والمسرح ضرورة تربوية، والموسيقى ذاكرة متجددة، والسينما مختبرًا للمخيال، والتراث قوة لابتكار المستقبل، يمكن عندها القول إننا لم نعد نحتفل بالثقافة فقط، بل بدأنا نعيش بها.

الكاتب المغربي عبده حقي



0 التعليقات: