الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأحد، نوفمبر 01، 2026

زيد مطيع دمّاج جائزة جديدة للقصة القصيرة تستعيد ذاكرة السرد : عبده حقي


ليست كل جائزة أدبية مجرد مسابقة تنتهي بإعلان ثلاثة أسماء وصورة جماعية وشهادات تقدير. بعض الجوائز تولد وفي داخلها سؤال ثقافي أكبر من قيمتها المالية، وبعضها يأتي ليعيد فتح ملف أدبي ظل سنوات في الظل. ومن هذا النوع تبدو لي «جائزة زيد مطيع دمّاج للقصة القصيرة»، التي أُطلقت دورتها الأولى في 28 أكتوبر 2026، لا باعتبارها مجرد تكريم لكاتب يمني كبير، بل بوصفها محاولة لإعادة القصة القصيرة نفسها إلى مركز المشهد السردي بعد سنوات طويلة استحوذت فيها الرواية على الحيز الأكبر من الجوائز والنشر والإعلام والاهتمام النقدي.

إن اختيار اسم زيد مطيع دمّاج ليس اختيارًا احتفاليًا فحسب. نحن أمام أحد الأسماء التي صنعت للسرد اليمني نافذة عربية واسعة، خصوصًا من خلال روايته الشهيرة «الرهينة»، لكن شهرة الرواية حجبت أحيانًا حقيقة أساسية في تجربته، وهي أن دمّاج كان أيضًا قاصًا أصيلًا، وأن فن القصة القصيرة كان أحد المكونات الجوهرية في عالمه الأدبي. ولهذا تبدو الجائزة، وهي تخصص نفسها للنص القصصي المنفرد، كأنها تعيد الكاتب إلى بيته الأول، وتعيد في الوقت نفسه فتح النقاش حول الفن الذي بدأت شهرته منه قبل أن يصبح اسمه مرتبطًا لدى كثيرين بالرواية.

الموقع الرسمي للجائزة يعرّفها بوصفها جائزة أدبية سنوية مخصصة لقصة قصيرة واحدة غير منشورة، هدفها تشجيع الكتابة السردية، واكتشاف أصوات جديدة، ودعم حضور القصة القصيرة، إلى جانب الاحتفاء بإرث زيد مطيع دمّاج من خلال مشروع ثقافي مستدام، لا من خلال احتفال عابر. وهذه النقطة الأخيرة، في تقديري، هي أهم ما يميز المبادرة في مرحلتها التأسيسية. فالمشروع لا يتوقف عند منح جوائز مالية، بل يتضمن إنشاء منصة توثيقية، وإصدار كتاب سنوي يضم أفضل القصص، وبناء ذاكرة للجائزة ودوراتها وفائزيها.

وتبدأ الجائزة بدايتها الأولى من اليمن. فالدورة التأسيسية 2026–2027 مخصصة للكتّاب اليمنيين في الداخل والخارج، على أن تتوسع في الدورات التالية لتشمل الأدباء العرب. ومن وجهة نظري، فإن هذا الاختيار يحمل دلالة تتجاوز البعد التنظيمي. فأن تبدأ الجائزة من اليمن يعني أن تمنح هذا البلد، المثقل بالحروب والانقسامات والمآسي الإنسانية، نافذة أخرى لرواية نفسه بعيدًا عن نشرات الأخبار وصور الخراب. الأدب هنا ليس ترفًا، والقصة القصيرة ليست تمرينًا لغويًا، بل ربما تصبح إحدى الوسائل القليلة التي يستطيع بها الإنسان اليمني أن يستعيد فرديته وذاكرته وصوته أمام خطاب الحرب الذي يحوله غالبًا إلى رقم.

لقد كانت علاقة الأدب اليمني بالإنسان والأرض والذاكرة إحدى السمات التي ميزت تجربة زيد مطيع دمّاج، ولذلك فإن استدعاء اسمه اليوم من أجل اكتشاف أصوات جديدة يحمل معنى رمزيًا واضحًا: الكاتب الراحل لا يعود بوصفه تمثالًا أدبيًا نضعه في واجهة الماضي، بل بوصفه جسرًا نحو المستقبل. وهذا بالضبط ما أشارت إليه الجهات المؤسسة للجائزة، التي أعلنت رغبتها في أن تكون المبادرة مساحة لكتّاب جدد يشقون طرقهم الخاصة، لا مجرد مقلدين لتجربة صاحب الاسم.

وما يثير اهتمامي أكثر هو أن هذه الجائزة تأتي في زمن تعاني فيه القصة القصيرة عربيًا من مفارقة غريبة. فهي ما تزال تُكتب بغزارة، وما تزال تمتلك كتّابًا ممتازين وقراء أوفياء، لكنها فقدت جزءًا كبيرًا من المساحة الرمزية والإعلامية التي كانت تحتلها خلال عقود سابقة. تحولت الرواية، خلال السنوات الأخيرة، إلى ما يشبه «النوع الأدبي المهيمن»؛ تستقطب الجوائز الكبرى، وتحظى بالترجمة، ويلاحقها الإعلام، وتتحول إلى أفلام ومسلسلات، بينما بقيت القصة القصيرة في كثير من الأحيان محصورة داخل المجلات الثقافية والملاحق الأدبية والمجموعات التي لا تحظى بالتوزيع الذي تحظى به الروايات.

لكن هل يعني ذلك أن القصة القصيرة فقدت قدرتها على التعبير عن عصرنا؟ أعتقد أن العكس هو الصحيح.

فنحن نعيش زمنًا سريعًا، متقطعًا، ومملوءًا بالشظايا. انتباه الإنسان أصبح موزعًا بين الهاتف والمنصات والإشعارات والصور والمقاطع القصيرة. والحياة نفسها تبدو أحيانًا كأنها سلسلة من المشاهد المنفصلة. ومن المفارقات أن القصة القصيرة، بفن التكثيف والاختزال واللحظة والمفارقة، قد تكون أحد أكثر الأشكال الأدبية قدرة على التقاط هذا العالم الجديد.

القصة القصيرة لا تحتاج إلى مئات الصفحات حتى تصنع عالمًا. أحيانًا تكفي صفحة واحدة كي تقلب معنى حياة كاملة. وقد تكفي شخصية عابرة أو نافذة مفتوحة أو مقعد فارغ أو رسالة لم تصل لكي ينهض عالم سردي كامل. قوتها ليست في الامتداد وإنما في التركيز، وليست في كثرة الأحداث وإنما في القدرة على الوصول إلى لحظة إنسانية حادة تجعل القارئ يشعر أن شيئًا ما تغير فيه بعد انتهاء القراءة.

ولهذا أرى أن الحديث عن إعادة الاعتبار للقصة القصيرة ليس حنينًا إلى شكل أدبي قديم، بل هو استشراف لإمكانات جديدة. إن أزمة القصة القصيرة العربية ليست بالضرورة أزمة كتابة، وإنما ربما هي أزمة مؤسسات ونشر وتسويق وتداول. نحن نمتلك كتّابًا، لكننا لا نمتلك دائمًا المنصات الكافية لاكتشافهم. ونمتلك نصوصًا، لكننا نفتقر أحيانًا إلى الجسور التي تنقلها من الملفات الشخصية وصفحات التواصل الاجتماعي إلى فضاء أدبي أكثر احترافًا واستدامة.

هنا تحديدًا يمكن لجائزة زيد مطيع دمّاج أن تؤدي دورًا مختلفًا إذا حافظت على فلسفتها المعلنة. فالجوائز لا تكتسب قيمتها التاريخية من قيمة مكافآتها وحدها، وإنما من قدرتها على صناعة تقاليد أدبية. وقد يكون إصدار كتاب سنوي يضم القصص العشر المتأهلة إلى القائمة القصيرة أكثر أهمية على المدى الطويل من الجوائز المالية الثلاث نفسها، لأن هذا الكتاب سيخلق أرشيفًا متراكمًا، ويمكن بعد سنوات أن يتحول إلى سجل لتحولات القصة اليمنية ثم العربية وأجيال كتّابها.

وقد وضعت الجائزة مسارًا واضحًا لذلك: اختيار قائمة طويلة تضم عشرين قصة، ثم قائمة قصيرة من عشر قصص تُجمع في إصدار سنوي ورقي وإلكتروني، على أن تمنح الجوائز الثلاث الأولى بقيمة ألف دولار للمركز الأول، وسبعمائة للثاني، وأربعمائة للثالث. كما تعتمد آلية تحكيم سري تقدم فيها النصوص إلى المحكمين بأرقام لا بأسماء أصحابها، وهي آلية ضرورية لأي جائزة تطمح إلى بناء ثقة أدبية حقيقية.

وتلفت الانتباه كذلك صرامة بعض شروط التقديم. فالقصة يجب أن تكون أصلية وغير منشورة، ويقتصر حجمها على ما بين 300 و3000 كلمة، ويقدم النص خاليًا من اسم صاحبه ضمانًا لسرية التحكيم. وتفرض الجائزة أيضًا إقرارًا بأن النص من كتابة المشارك نفسه، وبأنه لم يستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي في كتابته أو في إنتاج أي جزء منه.

وهذا الشرط الأخير يفتح، في حد ذاته، سؤالًا ثقافيًا كبيرًا يستحق أن يناقش مستقبلًا. فنحن ندخل مرحلة لم يعد فيها السؤال يتعلق فقط بمن يكتب النص، بل بكيفية تعريف فعل الكتابة نفسه في عصر الذكاء الاصطناعي. وعندما تصر جائزة للقصة القصيرة على مفهوم «النص البشري»، فهي لا تتخذ موقفًا تقنيًا فحسب، وإنما تعلن ضمنيًا أن القيمة التي تبحث عنها في هذه المرحلة هي فرادة التجربة الإنسانية والصوت الشخصي والذاكرة الفردية وقدرة الكاتب على تحويل حياته وخياله إلى لغة.

لكن نجاح الجائزة لن يقاس بعدد المشاركات في دورتها الأولى فقط، ولا بحجم الضجة الإعلامية التي يمكن أن ترافق إعلان الفائزين. الامتحان الحقيقي يبدأ بعد ذلك. هل تستطيع الاستمرار عشر سنوات أو عشرين؟ هل يمكن أن تحافظ على استقلالية لجان التحكيم؟ هل ستتمكن من اكتشاف أسماء تتحول لاحقًا إلى أصوات أدبية معروفة؟ وهل تستطيع عندما تفتح أبوابها عربيًا أن تتجنب التحول إلى واحدة أخرى من المسابقات التي تستقبل آلاف النصوص ثم تختفي نتائجها من الذاكرة بعد أسابيع؟

إن المشروع الثقافي الحقيقي يبدأ عندما تصبح الجائزة مؤسسة للذاكرة وليس مجرد مناسبة للنتائج.

وأعتقد أن اختيار موعد إعلان الفائزين في 20 مارس، بالتزامن مع ذكرى رحيل زيد مطيع دمّاج، يمنح المشروع بعدًا رمزيًا إضافيًا. فبدل أن تكون ذكرى الكاتب مناسبة للرثاء واستعادة الصور القديمة فقط، تتحول إلى موعد سنوي يولد فيه كتّاب جدد. وهذه أجمل طريقة، في رأيي، للاحتفاء بالمبدعين الراحلين: ألا نجعل أسماءهم أحجارًا تذكارية، بل أبوابًا يدخل منها المستقبل.

زيد مطيع دمّاج نفسه يستحق هذه العودة.

لقد استطاع في تجربته السردية أن يأخذ المكان اليمني المحلي إلى أفق إنساني واسع. كان قادرًا على تحويل القرية والسلطة والخوف والعلاقات الاجتماعية والذاكرة إلى مادة سردية تتجاوز حدود الجغرافيا. وهذا ما جعل أعماله قابلة للقراءة عربيًا وخارج العالم العربي. لم تكن محلية المكان عنده انغلاقًا، بل كانت طريقه إلى الكونية، لأن الأدب الحقيقي لا يصبح عالميًا بتخليه عن تربته، وإنما بقدرته على جعل التجربة المحلية قابلة لأن يتعرف الإنسان البعيد على نفسه داخلها.

ومن هنا يمكن للجائزة التي تحمل اسمه أن تنقل درسًا مهمًا إلى الأجيال الجديدة: لا يحتاج الكاتب العربي إلى أن يقلد أشكالًا أدبية بعيدة عن حياته حتى يصبح حديثًا أو عالميًا. يستطيع أن يبدأ من قريته ومدينته وذاكرته ولهجته وأسئلته الصغيرة، ثم يحولها بالأدب إلى معنى إنساني يتجاوز الحدود.

وأنا أنظر إلى هذه المبادرة أيضًا باعتبارها فرصة لاستعادة تقليد أدبي عربي كاد يتراجع: تقليد القاص الكبير.

لقد عرف الأدب العربي الحديث أجيالًا كان فيها كاتب القصة القصيرة نجمًا ثقافيًا حقيقيًا، وكانت المجموعة القصصية حدثًا ينتظره القراء والنقاد. ثم حدث تحول تدريجي جعل الكاتب يشعر أحيانًا أن الاعتراف الأدبي الكبير يمر حتمًا عبر الرواية. كثير من القصاصين تحولوا إلى الرواية، ليس لأن تجربتهم القصصية انتهت بالضرورة، بل لأن منظومة النشر والجوائز والاهتمام الإعلامي دفعتهم في ذلك الاتجاه.

لهذا فإن أي جائزة تضع القصة القصيرة وحدها في قلب المنافسة تطرح اعتراضًا ثقافيًا هادئًا على هذا الاختلال.

ليس المطلوب إعلان حرب بين القصة والرواية. فالأدب لا يحتاج إلى صراع بين أجناسه. المطلوب فقط استعادة التوازن والاعتراف بأن لكل شكل سردي منطقه وجمالياته ووظيفته. الرواية قادرة على بناء العوالم الممتدة، لكن القصة تستطيع أن تضرب كالبرق. الرواية قد تمنحنا عمرًا كاملًا لشخصية، أما القصة فقد تمنحنا ثانية واحدة من حياتها، وتكون تلك الثانية كافية لفهمها كلها.

ومن هنا تكمن قيمة إطلاق جائزة تحمل اسم زيد مطيع دمّاج في هذا التوقيت. إنها لا تستعيد كاتبًا فقط، بل تستعيد السؤال عن جنس أدبي كامل: أين القصة القصيرة اليوم؟ من يكتبها؟ من ينشرها؟ من يقرأها؟ ومن يكتشف أصواتها الجديدة؟

إذا استطاعت الجائزة أن تجيب عمليًا عن جزء من هذه الأسئلة، فستكون قد تجاوزت منذ سنواتها الأولى حدود التكريم إلى صناعة فعل ثقافي حقيقي.

وإذا نجحت دورتها اليمنية الأولى، ثم تحولت كما هو معلن إلى فضاء عربي أوسع، فقد نجد أمامنا بعد سنوات خريطة جديدة لأصوات قصصية جاءت من صنعاء وعدن وتعز، ثم من المغرب ومصر والعراق وسوريا ولبنان والسودان وتونس والجزائر والخليج وبقية الجغرافيا العربية. وحينها ستكون القيمة الأهم للجائزة أنها لم تكتف بحراسة إرث زيد مطيع دمّاج، بل سمحت لهذا الإرث بأن يتحول إلى طاقة لإنتاج أدب جديد.

هكذا فقط يصبح الوفاء للمبدعين فعلًا للمستقبل.

فالأديب الكبير لا يحتاج منا إلى أن نكرر اسمه كل عام، بل أن نفتح باسمه بابًا لكاتب لم يُعرف بعد.

وربما يكون بين مئات القصص التي ستصل إلى الدورة الأولى نص يكتبه شاب أو شابة في مدينة يمنية بعيدة، لم ينشر صاحبه شيئًا من قبل، ولا يعرفه أحد خارج دائرة صغيرة. قد يصل ذلك النص إلى لجنة التحكيم بلا اسم، ثم يجد طريقه إلى القائمة القصيرة والكتاب السنوي، ومنه إلى القراء.

عندها تكون الجائزة قد أدت وظيفتها الأجمل.

لن يكون زيد مطيع دمّاج قد عاد لأن صورته عُلقت على إعلان ثقافي، بل لأن كاتبًا جديدًا وجد، بفضل الاسم الذي تركه لنا، الطريق إلى الأدب.

عبده حقي


0 التعليقات: