الفصـــل 25 من دستورالمملكة :حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر
والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي,والتقني مضمونة.
في الغرفة التي كانت تتنفس ببطء مثل حيوانٍ عجوز، كان الرجلُ يلمّعُ الصمتَ كلَّ مساءٍ بقطعة قماشٍ مبللة بالخوف.
لم يكن الصمتُ صوتاً غائباً، بل كان مرآةً معلقةً فوق الجدار، كلما اقترب منها رأى وجهه يتحول إلى زجاجٍ شفاف.
كان يكنسُ حزنهُ من الأرض كما تُكنَسُ بقايا طيورٍ محترقة بعد عاصفة كهربائية، ثم يطوي خوفهُ بعنايةٍ داخل مربعات صغيرة ويخبئها في درجٍ خشبيٍّ قرب السرير، حيث تنامُ العناكبُ على أحلامٍ غير مكتملة.
قِصَصٌ قَصِيرَةٌ غرائبية وسوريالية وسخرية سوداء ـ عَبْدُهُ حَقِّي
هذا المشروع القصصي يفتح أبواب الغرابة والسخرية السوداء على عالم تتكلم فيه الظلال، وتُصادر الأحلام، وتصفق الآلات، وتتحول السياسة إلى مسرح كابوسي تسكنه الكائنات والرموز.
تنهض هذه القصص القصيرة على تخييل غرائبي وسوريالي، حيث تتحول السياسة إلى قاعة مرايا، ويتحول الضمير إلى مادة قابلة للاحتراق، وتصبح الكوابيس وثائق رسمية. إنها كتابة ساخرة تستعمل المفارقة السوداء لكشف هشاشة الإنسان داخل عالم يبتلع المعنى ويعيد إنتاج العبث.
استيقظ الناس ذات صباح فوجدوا ظلالهم ناقصة، كأن الليل قضمها بأسنان باردة. في السوق صار الرجال يمشون بأقدام خفيفة، والنساء يخبئن الأرض تحت عباءاتهن، والأطفال يطاردون بقايا ظل يهرب مثل قط أسود. وحده الحارس العجوز رأى المدينة تفتح فمها الحجري عند الفجر وتبتلع الظلال المتعبة.
هذا العمل يعيد تشكيل القصص القصيرة في هيئة نسيج رقمي مترابط: كل حكاية مرآة لحكاية أخرى، وكل رابط بابٌ يفضي إلى انزياحٍ جديد في المعنى والصورة والذاكرة.
🪞
مرآة تبتلع ظلالها
في صباحٍ بلا وجه، استيقظتُ لأجد مرآتي فارغة إلا من ضوءٍ يتنفس.
في صباحٍ بلا وجه، استيقظتُ لأجد مرآتي فارغة إلا من ضوءٍ يتنفس. كلما اقتربتُ منها، اختفى ظلي شيئًا فشيئًا، كأنها تتغذى عليه في صمتٍ مهيب. حاولتُ أن أصرخ، لكن صوتي انعكس إلى الداخل، فصار صدىً يلتهم ذاته.
عند المساء، لم يعد لي ظلٌّ أتبعه، بل صرتُ أنا الظلَّ الذي تبحث عنه المرآة. وعندما لامستُ سطحها، ابتلعتني برفق، وتركت خلفها إنسانًا آخر لا يعرف أنه مجرد انعكاس.
وصلتُ إلى المدينة التي لا تستقر على الأرض، بل تطفو على كتف غيمةٍ بيضاء.
وصلتُ إلى المدينة التي لا تستقر على الأرض، بل تطفو على كتف غيمةٍ بيضاء. كانت الشوارع تنحني مع الريح، والمباني تتنفس ببطء، كأنها كائنات حية تخاف السقوط من السماء.
وفي الليل، حين تثقل الغيمة من تعبها، تسقط المدينة قليلًا ثم تعود لترتفع. أما أنا، فبقيتُ عالقًا بين سماءين، لا أعرف هل أنا زائر أم جزء من حلمٍ يتأرجح.
اشتريتُ كتابًا بلا عنوان، وعندما فتحته، وجدتُ اسمي مكتوبًا في الصفحة الأولى.
اشتريتُ كتابًا بلا عنوان، وعندما فتحته، وجدتُ اسمي مكتوبًا في الصفحة الأولى. مع كل صفحة أقلبها، كانت تفاصيل حياتي تُكتب أمامي، حتى الأفكار التي لم أفكر بها بعد.
في الصفحة الأخيرة، توقفتُ عن القراءة، لأن الكتاب بدأ يكتب نهايتي. لكن الحبر لم يتوقف، بل واصل، وكأنني لم أعد سوى قصةٍ تُروى دون إذني.
في صباحٍ بلا وجه، استيقظتُ
لأجد مرآتي فارغة إلا من ضوءٍ يتنفس. كلما اقتربتُ منها، اختفى ظلي شيئًا فشيئًا،
كأنها تتغذى عليه في صمتٍ مهيب. حاولتُ أن أصرخ، لكن صوتي انعكس إلى الداخل، فصار
صدىً يلتهم ذاته.
في زقاقٍ ضيّقٍ منسيّ، كانت الظلالُ تمشي وحدها، تسبق أصحابها بخطوتين، وتهمس بأسرارٍ لا يجرؤ الجسد على قولها. كلما حاول أحدهم اللحاق بظلّه، انكمش الظلّ وضحك، كأنّه كائنٌ يعرف أكثر مما ينبغي.
ذات مساء، قررت امرأةٌ أن تترك ظلّها خلفها وتمضي. لكن الظلّ لم يبكِ، بل تمدّد وصار امرأةً أخرى، تشبهها تمامًا، وعاد إلى البيت ليعيش حياتها بدلًا عنها.
كنتُ أُفتِّش في جيبِ الصباح عن مصادفةٍ صغيرةٍ تُشبهُ حبّةَ قمحٍ سقطتْ من ذاكرةِ الأرض، فوجدتُ العالمَ كلَّه يتدحرجُ في كفّي ككرةٍ من زجاجٍ مُشوَّش. لم أكن أبحث عن شيءٍ بعينه، بل عن ذلك الخيط الخفي الذي يربطُ بين سقوطِ ملعقةٍ على أرض المطبخ واندلاعِ
في صباحٍ لا يشبه الصباحات، استيقظتُ على رائحة صابونٍ تخرج من جدران الغرفة، كأن الحائط يغتسل من أسراره، وكلما اقتربتُ منه رأيتُ طفولتي تنزلق في فقاعات صغيرة، تبتسم ثم تنفجر بلا صوت.
(نصّ يُقرأ كأنه خرج من دفتر جيب قديم، حبره أزرق يتردد أحيانًا ويبهت أحيانًا أخرى)
لم أفهم العار يومًا بوصفه خطيئة، بل بوصفه نافذة فُتحت في جدارٍ لا يحتمل الهواء. كان هناك جدارٌ داخل صدري، قديم مثل درج مهجور في بيت جدتي، وكلما حاولت أن أسمّي شيئًا عزيزًا انشقّ الجدار قليلًا ودخلت ريح باردة لا أعرف من أين جاءت، ريحٌ تُفسد ترتيب الأشياء وتعيدها إلى حالتها الأولى، إلى ما قبل اللغة، إلى ما قبل أن يُخترع الفم أصلاً.
استيقظتُ فوجدتُ ساعي البريد نائمًا داخل ظرفٍ على طاولتي، يتنفس ببطء كأنه ينتظر طابعًا بريديًا ليواصل الحلم، وحين فتحت الرسالة خرجت منها مدينةٌ صغيرة تدور حول إصبعي، قالت إنني مرسلها الوحيد وإنني منذ سنوات أتنقل بين صناديق البريد بحثًا عن عنواني الحقيقي.
في صباحٍ رماديٍّ هادئ،
بدا مشغل الأزياء في شارع «السنابل» كخلية نحلٍ لا تهدأ. الهواتف ترنّ، والمقصّات تلمع،
وأصوات ماكينات الخياطة تبتلع القلق. عند العاشرة تمامًا، تلقّت صاحبة المشغل اتصالًا
عاجلًا من زبونةٍ معروفة بنفوذها الاجتماعي، السيدة لينا القيسي. الفستان جاهز، لكن
لا بدّ من تسليمه خلال نصف ساعة.
حينَ يفيضُ النهرُ في ذاكرتي لا أبتلّ، بل أتحوّل. الماء لا يمرّ عليّ، أنا الذي أمرّ فيه، كجملةٍ نُزِعَت منها الفواصل. القصر الكبير لا تقف على الضفّة؛ القصر الكبير هي الضفّة التي تحلم بأنها مدينة. أراها تمشي في الماء، لا لأنّها غارقة، بل لأنّ الأرض تخلّت عنها فجأة كما يتخلّى المعنى عن الكلمة حين تُقال كثيرًا.
لا أعرف لماذا أكتب الآن، ولا كيف تسلّلت إليّ هذه الرغبة التي تشبه يدًا حائرة تبحث عن شيء تسنده. كل ما أعرفه أنني لم أعد قادراً على التمييز بين ما أراه وما يخطر في رأسي، وكأنّ الجدار الذي كان يفرّق بين الاثنين قد ذاب فجأة مثل شمعة تُركت قرب نافذة مفتوحة.