فِي صَبَاحٍ بَاكِرٍ مِنْ خَرِيفٍ قَاتِمٍ، دُقَّتْ أَبْوَابُ مَرْكَزِ شُرْطَةِ «الْمَدِينَةِ الْقَدِيمَةِ» بِبَلَاغٍ غَرِيبٍ. دَخَلَ الكَاهِنُ «رَامِي بَسَّام» وَجْهُهُ شَاحِبٌ، وَعَيْنَاهُ مُتَجَمِّدَتَانِ فِي نَظَرَةٍ مَرْعُوبَةٍ، وَقَالَ بِصَوْتٍ مُتَرَدِّدٍ:
«اِمْرَأَتَانِ عُثِرَ عَلَيْهِمَا… مَقْتُولَتَيْنِ فِي دَارِ الضِّيَافَةِ الْمَهْجُورَةِ… لَا أَثَرَ لِعِرَاكٍ، وَلَا عَلَامَةَ صِرَاعٍ جَسَدِيٍّ!»
كَانَ ضَابِطُ التَّحْقِيقِ «زِيَاد شَاهِين» يُنْصِتُ بِتَرْكِيزٍ شَدِيدٍ، وَهُوَ يُدْرِكُ أَنَّ هُنَاكَ شَيْئًا يَتَجَاوَزُ مَا تَعَوَّدَ عَلَيْهِ فِي بَلَاغَاتِ الْقَتْلِ. فَالْجُثَّتَانِ وُجِدَتَا فِي غُرْفَةٍ مُغْلَقَةٍ مِنَ الدَّاخِلِ، بِبَابٍ وَاحِدٍ مُحْكَمِ الإِغْلَاقِ، وَلَمْ تَكُنْ عَلَى أَجْسَادِهِمَا أَيَّةُ آثَارٍ لِعُنْفٍ ظَاهِرٍ، سِوَى تَعَابِيرَ وَجْهِهِمَا الْمُتَجَمِّدَةِ عَلَى دَهْشَةٍ مُمْتَزِجَةٍ بِالرُّعْبِ.
تَقَدَّمَ «شَاهِين» خُطْوَةً خُطْوَةً فِي مَكَانِ الْجَرِيمَةِ، وَفَحَصَ الجُدْرَانَ وَالأَرْضِيَّةَ بِعَيْنَيْ مُحَقِّقٍ خَبِيرٍ. كُلُّ شَيْءٍ كَانَ فِي مَوْضِعِهِ، كَأَنَّ الْمَوْتَ دَخَلَ بِهُدُوءٍ، وَغَادَرَ بِالصَّمْتِ نَفْسِهِ. لَكِنَّ نَافِذَةً صَغِيرَةً فِي أَعْلَى السَّقْفِ كَانَتْ مُشَرَّعَةً، تَسْمَحُ لِلرِّيحِ أَنْ تَتَسَلَّلَ، وَلِلأَسْئِلَةِ أَنْ تَتَكَاثَرَ.
تَذَكَّرَ «شَاهِين» مَلَفًّا قَدِيمًا كَانَ قَدْ أُغْلِقَ دُونَ حَلٍّ، يَتَعَلَّقُ بِمَا سُمِّيَ آنَذَاكَ «جَرَائِمَ الظِّلِّ». جَرَائِمُ لَا تَتْرُكُ أَثَرًا، وَلَا تُفْصِحُ عَنْ قَاتِلٍ، كَأَنَّ الْجَانِيَ لَا يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ، بَلْ يَنْسَلُّ فِي الزَّوَايَا كَانْسِلَالِ الظِّلَالِ.
أَثْنَاءَ تَفْتِيشِهِ الدَّقِيقِ، لَفَتَ اِنْتِبَاهَهُ نَقْشٌ دَقِيقٌ عَلَى قِطْعَةٍ زُجَاجِيَّةٍ مَهْشُورَةٍ فِي إِحْدَى الزَّوَايَا، كُتِبَ عَلَيْهَا:
«لِمَنْ عَلِمَ الْمَخْفِيَّ… لَا يَزَالُ يُرَاقِبُكَ.»
اِرْتَعَشَتْ يَدُهُ، وَشَعَرَ بِبُرُودَةٍ تَسْرِي فِي أَطْرَافِهِ. لَقَدْ كَانَ هَذَا التَّوْقِيعُ مَعْرُوفًا فِي أَرْشِيفِ القَضَايَا غَيْرِ الْمَحْلُولَةِ. إِنَّهُ تَوْقِيعُ «الْمُتَبِّع»، قَاتِلٌ غَامِضٌ لَا يَسْتَهْدِفُ أَشْخَاصًا بِأَعْيَانِهِمْ، بَلْ يَصِيدُ ضَحَايَاهُ فِي لَحَظَاتِ الضَّعْفِ القُصْوَى، ثُمَّ يَتَلَاشَى كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ.
وَقَفَ «شَاهِين» أَمَامَ النَّافِذَةِ الْمُشَرَّعَةِ، وَنَظَرَ إِلَى الظِّلِّ الْمُنْسَابِ عَلَى الجِدَارِ. أَدْرَكَ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ أَنَّ هَذِهِ الْجَرِيمَةَ لَنْ تَكُونَ الأَخِيرَةَ، وَأَنَّ الظِّلَّ الَّذِي قَتَلَ لَيْسَ سِوَى بَدَايَةٍ لِسِلْسِلَةٍ أَكْثَرَ غُمُوضًا وَخُطُورَةً.







0 التعليقات:
إرسال تعليق