لم يكن ما طفا إلى السطح أخيرًا مجرّد خلاف عابر على منصّات التواصل الاجتماعي في الجزائر ، ولا نزاعًا شخصيًا بين وجوه إعلامية هامشية، بل كان كاشفًا صريحًا لطريقة اشتغال سلطة اختارت أن تجعل من مؤسسات الدولة أدوات تصفية حسابات، ومن العدالة مسرحًا لإرضاء نزوات النفوذ، ومن الأمن غطاءً لحروب صغيرة لا تليق بدولة تزعم السيادة.
ما جرى يعكس نمطًا راسخًا: تحويل الوقائع التافهة إلى “قضايا كبرى”، ونفخ الشائعات حتى تبدو تهديدًا للأمن العام، ثم الزجّ بأجهزة يفترض أن تُعنى بالأخطار الاستراتيجية في ملاحقة منشورات وتعليقات وخصومات افتراضية. هنا لا يعود السؤال عمّا كُتب على فيسبوك، بل عمّن قرر أن يجرّ الدولة كلها إلى هذا المستنقع.
لقد استُخدمت شهرة بعض الوجوه المعروفة في المشهد الفني أو الإعلامي كوقود لإشعال قضية مصطنعة، فقط لأن تلك الوجوه تنتمي – شاءت أم أبت – إلى دائرة الضوء. لم يكن الهدف حماية المجتمع من التشهير، بل استعراض القوة، وتوجيه رسالة مفادها أن كل من يخرج عن الطاعة، أو يرفض الانضواء تحت سلطة “المرشدين الجدد”، يمكن أن يتحول في لحظة إلى خطر على “المؤسسات”.
المفارقة الفادحة أن أطراف هذا الصراع ينتمون جميعًا إلى المنظومة نفسها. لا صحافة هنا بالمعنى المهني، ولا إعلام مستقل، بل شبكة علاقات دعائية تشكّلت عبر سنوات، وتغذت على خدمة خطاب السلطة، وتبادل المنافع، وتلميع الرموز، والهجوم المنظم على الخصوم. من يقدَّمون كـ“إعلاميين” ليسوا سوى ناطقين غير رسميين، يخلطون الاتصال السياسي بالتحقيق الصحفي، ويستبدلون البحث والتعدد بالتوجيه والإملاء.
هذه المنظومة الدعائية تعمل وفق ثلاث دوائر متكاملة:
أولها الإعلام الرسمي بأدواته الثقيلة، حيث الخطاب الواحد والنبرة الواحدة.
ثانيها وسائل خاصة في الشكل، تابعة في الجوهر، تتحرك وفق التعليمات والهواتف والضغوط.
أما الدائرة الثالثة، وهي الأخطر، فتتمثل في جيوش الحسابات والصفحات والمؤثرين، حيث تُشترى المتابعات، وتُدار الحملات، وتُصنع السمعة أو تُهدم مقابل المال والحماية.
في هذا السياق، تصبح “القضية” مجرد ذريعة. لا أحد مهتم فعلًا بالأخلاق العامة أو بكرامة الأفراد. الدليل أن الممارسات نفسها – من سبّ وتشويه وانتهاك للحياة الخاصة – تُعدّ مباحة ومشروعة ما دامت موجهة ضد المعارضين، وتتحول فجأة إلى جريمة كبرى إذا طالت أحد أركان الدائرة الحاكمة أو حلفاءها.
الأدهى أن بعض المستشارين والوسطاء، الذين لم يكونوا في زمن قريب سوى أسماء باهتة بلا وزن، باتوا اليوم يتصرفون كأنهم تجسيد للدولة نفسها. النقد الموجّه إليهم يُصنَّف تلقائيًا كاعتداء على “المؤسسات”، والاختلاف معهم يُفسَّر كخيانة، والتشهير بهم يستدعي تدخل أجهزة يفترض أنها بعيدة عن هذا العبث.
لقد أُقحمت أجهزة أمنية حساسة في تتبع منشورات وتعليقات، في سابقة تكشف اختلال ميزان الأولويات. كأن دولة بكاملها لم تعد تواجه تحديات اقتصادية أو اجتماعية أو سيادية، ولم يبقَ أمامها سوى مطاردة خصومات افتراضية. هذا الاستخدام العبثي للقوة لا يسيء فقط إلى الضحايا، بل يفرغ المؤسسات من معناها، ويحوّلها إلى أدوات في يد من يملكون القرب لا الكفاءة.
أما “صناعة الدعاية” نفسها، فقد وقعت في الفخ الذي نصبته للآخرين. فالتناقض صار فاضحًا: من يموّل الصفحات، ويشتري الولاءات، ويُغدق الإعلانات، ويشرف على حملات التشهير، هو ذاته من يرفع اليوم راية الأخلاق، ويتحدث عن المؤامرات، ويتهم خصومه بالعمالة. إنها الازدواجية في أوضح صورها: ما يُسمح به للموالين يُجرَّم عند غيرهم.
لا يمكن لأي سلطة أن تُقنع الناس بنزاهتها وهي تمارس الشيء ونقيضه. ولا يمكنها أن تطلب احترام القانون وهي أول من يلوّيه لخدمة الثأر الشخصي. ولا يحق لها أن تتحدث عن أخطار خارجية، بينما الخلل الحقيقي يكمن في الداخل، في طريقة إدارة النفوذ، وفي تحويل الدولة إلى شبكة علاقات، لا إلى مؤسسة تحكمها القواعد.
ما كُشف ليس حربًا على التشهير، بل حرب تشهير بين أطراف المنظومة نفسها. وهو دليل إضافي على أن السلطة التي تبني نفوذها على الدعاية، ستُفضَح يومًا بالدعاية ذاتها، وأن من يربّي أدوات التشويه، قد يكون أول من تطاله أنيابها.







0 التعليقات:
إرسال تعليق