حينَ يفيضُ النهرُ في ذاكرتي لا أبتلّ، بل أتحوّل. الماء لا يمرّ عليّ، أنا الذي أمرّ فيه، كجملةٍ نُزِعَت منها الفواصل. القصر الكبير لا تقف على الضفّة؛ القصر الكبير هي الضفّة التي تحلم بأنها مدينة. أراها تمشي في الماء، لا لأنّها غارقة، بل لأنّ الأرض تخلّت عنها فجأة كما يتخلّى المعنى عن الكلمة حين تُقال كثيرًا.
أنا والفيض… لسنا حادثةً طبيعيّة، نحن سوء تفاهم قديم بين الجغرافيا والذاكرة. الفيض يعرف اسمي قبل أن أنطقه، يناديني بلا صوت، يشدّني من كاحلي إلى الداخل، إلى حيث لا فرق بين النجاة والغرق. سيرة نجاتي مؤجّلة لأنّ الزمن نفسه مبلّل، لأنّ الساعات تطفو مقلوبة، ولأنّ الغد يختبئ داخل الأمس مثل سمكة تخاف الضوء.
المياه تكتب اسمي على الجدران، لا بالحروف بل بالارتعاش. أقرأ اسمي ثم أراه يتحوّل إلى أسماء أخرى: اسم نافذةٍ لم تُغلق، اسم درجٍ يصعد إلى لا شيء، اسم يدٍ خرجت من الماء ثم نسيت لماذا. الجدران لا تحفظ، الجدران تحلم. وكلّ حلمٍ رطب يمحو صاحبه فورًا كي لا يُحاسَب على المعنى.
حين تعلّمتُ السباحة في الحنين، لم أحرّك ذراعيّ، بل تخلّيت عن وزني. الحنين ليس إلى الوراء، الحنين تيّار جانبيّ، يسرقك من المسار وأنت تظنّ أنّك تسير مستقيمًا. كلّ ذكرى حجرٌ مربوط بالقلب، وكلّ قلبٍ يكتشف فجأة أنّه قاع. السباحة هنا ليست مهارة، بل خيانة خفيفة للثقل.
المدينة التي غرقت فيَّ لم تطلب إذنًا. دخلتني من فمي، استقرّت في صدري، وأخذت تنمو مثل عضوٍ إضافيّ. أسمع شوارعها حين أنام، أرى مآذنها تنحني داخل جمجمتي، وأشمّ طينها في كلماتي. لا أقول: أنا فيها، بل أقول: هي تكتبني. وكلّ محاولة للخروج منها تتحوّل إلى بابٍ يقود إلى باب.
ليس المطر ما أغرق القصر الكبير. المطر بريء، يجيء ويذهب. الذي أغرقها هو ما لم يُقَل، ما أُجِّل، ما تُرِك يتخمّر في الصمت. الذي أغرقها هو الخرائط التي تظاهرت بالمعرفة، والخرسانة التي صدّقت نفسها، واللغة التي سمّت النهر «مجرًى» ونسيت أنّه كائن حيّ له ذاكرة وانتقام بطيء.
في حضرة الماء أقدّم اعترافات ناجٍ لا يريد الخروج. أعترف أنّي أحببت هذا الانكشاف. الماء لا يكذب، لا يجامِل، لا يحترم الأقنعة. يخلع المدينة قطعة قطعة، يضعها عارية أمام نفسها، ثم يقول: هذا أنتِ. وأنا، مثلكِ، أتعرف إلى وجهي حين يغيب وجهي.
النهر الذي صحّح أخطاء الخرائط لا يحمل ممحاة، بل سخرية. يعيد ترتيب الأشياء بلا إذن: يجعل الشارع أطول، والبيت أثقل، والذاكرة أقرب. يخطئ عمدًا ليعلّمنا. أراه يضحك حين تنهار الإشارات، وحين تتساوى الاتجاهات، وحين يصبح الأعلى هو ما تحت. أتبعه لأنّ الخطأ الوحيد هو أن أظلّ في مكاني.
القصر الكبير تخرج من الطين حيّة، لا كمدينة نجت، بل كفكرة أعادت تركيب نفسها. الطين ليس نهاية، الطين هو الحالة الأولى. كلّ بيت جزيرة، وكلّ جزيرة سؤال، وكلّ سؤال قارب بلا مجاديف. وأنا أتنقّل بينها بلا خريطة، لأنّ الخرائط تغرق، أمّا التيه فيطفو.
فيضانات لا تُغرق القصيدة، بل تحرّرها من اليابسة. الكلمات التي لم تعرف الماء كانت قاسية، مستقيمة أكثر من اللازم. الآن تتعلّم الانحناء، التكسّر، الاختفاء المؤقّت. القصيدة لا تريد أن تُفهم، تريد أن تُبتلّ. وأنا أكتب لا لأشرح، بل لأترك أثري المائيّ على الصفحة.
الماء أعلى من الصوت، لذلك أصمت بصوتٍ مرتفع. أترك للماء أن يتكلّم عنّي، أن يقول ما لا تحتمله الجملة. كلّما ارتفع منسوبه، انخفض يقيني، وكلّما غمرني أكثر، صرت أخفّ. أفهم أخيرًا أنّ الغرق ليس فقدان الهواء، بل فقدان الحاجة إليه.
هذه سيرة مدينة غسلتها الفيضانات من معناها القديم. وهذه سيرتي أنا، لا كساكنٍ ولا كناجٍ، بل كابنٍ غير شرعيّ للنهر حين يغضب. وحين يهدأ، لا يعتذر، يتركني معلّقًا بين ضفّتين، بلا وعد، بلا خاتمة، وبقصيدةٍ تواصل السباحة بعدي.







.jpg)
0 التعليقات:
إرسال تعليق