في نهاية الأسبوع الثقافي المنصرم، بدا المشهد الفني في المغرب والعالم العربي وكأنه يكتب فصلًا جديدًا من التحول الثقافي الهادئ. فالأخبار المتفرقة التي ظهرت خلال الأيام الماضية، من مراكش إلى الصويرة ومن الرياض إلى القاهرة، لا تعكس مجرد أنشطة فنية معزولة، بل تشير إلى حركة أوسع تعيد رسم دور الثقافة في المجال العام العربي: ثقافة تتجاوز حدود العرض والاحتفال، لتتحول إلى مشروع حضاري يربط الفن بالمدينة والتعليم والاقتصاد الرمزي.
فما الذي جرى خلال الأسبوع الماضي في الحقل الثقافي المغربي والعربي؟ وأي إشارات يمكن استخلاصها من هذه الأخبار المتفرقة التي تكشف في العمق عن تحولات أعمق في معنى الإبداع نفسه؟
الرقص المعاصر يفتح فضاءً روحياً في مراكش
من أبرز الأحداث الثقافية التي طبعت الأسبوع الماضي في المغرب استمرار أصداء الدورة التاسعة عشرة من مهرجان “أون مارش” للرقص المعاصر في مدينة مراكش. فقد امتدت فعاليات هذا المهرجان من 6 إلى 14 مارس، واختارت هذه الدورة أن تجعل من الروحانية محورًا فكريًا وفنيًا لها، في تجربة فريدة تربط بين الفن المعاصر وأجواء شهر رمضان.
هذا المهرجان، الذي أسسه مصمم الرقص المغربي طوفيق إيزيديو، لم يعد مجرد تظاهرة فنية محلية، بل تحول إلى منصة دولية للرقص المعاصر تجمع فنانين من المغرب وأوروبا وإفريقيا. وما يميز التجربة هو خروج العروض من قاعات المسارح المغلقة إلى الفضاءات العامة، حيث يصبح الرقص لغةً للحوار بين الفن والمدينة.
إن هذه التجربة تكشف عن تحول عميق في المشهد الثقافي المغربي: فالفنون الحركية التي كانت في الماضي محدودة الانتشار بدأت تجد لنفسها جمهورًا أوسع، كما أصبحت جزءًا من النقاش الجمالي حول علاقة الجسد بالفضاء الاجتماعي.
الصويرة تتحول إلى مختبر عالمي للموسيقى
ومن الأخبار الثقافية المهمة أيضًا إعلان فتح باب التسجيل في الدورة الثالثة من برنامج “Berklee at the Gnaoua and World Music Festival” الذي سيقام في مدينة الصويرة من 22 إلى 27 يونيو 2026 قبل انطلاق الدورة السابعة والعشرين من مهرجان كناوة وموسيقى العالم.
هذا البرنامج، الذي تنظمه كلية بيركلي للموسيقى بالتعاون مع مهرجان كناوة، أصبح خلال سنوات قليلة أحد أهم برامج التكوين الموسيقي العابر للثقافات. فهو يجمع موسيقيين محترفين وشبه محترفين من مختلف أنحاء العالم ليتعلموا تقنيات الموسيقى الإفريقية والعربية ويختبروا إمكانات المزج بين الإيقاعات التقليدية والأنماط الحديثة.
وقد استقبل البرنامج منذ إطلاقه سنة 2024 أكثر من مائة موسيقي من ثلاثين دولة، وهو ما يعكس المكانة المتزايدة التي يحتلها المغرب في خريطة الموسيقى العالمية.
إن الصويرة، التي كانت يومًا ميناءً صغيرًا على الساحل الأطلسي، تحولت اليوم إلى عاصمة روحية للموسيقى الكناوية وإلى منصة عالمية للحوار الموسيقي بين إفريقيا وأوروبا وأمريكا.
المشهد الثقافي المغربي بين التراث والتجريب
هذه الأخبار مجتمعة تعكس معادلة ثقافية جديدة في المغرب تقوم على ركيزتين أساسيتين.
الركيزة الأولى هي الانفتاح على التجريب الفني، وهو ما يظهر في مهرجانات الرقص المعاصر والعروض البصرية والسينما المستقلة.
أما الركيزة الثانية فهي إعادة اكتشاف التراث، كما يتجلى في الاهتمام المتزايد بفن كناوة وتحويله من موروث محلي إلى مادة للبحث الأكاديمي والتكوين الموسيقي.
ومن خلال هذه المعادلة، ينجح المغرب في بناء نموذج ثقافي يقوم على الجمع بين الذاكرة والتحديث، وهو ما يفسر حضور البلاد المتزايد في الأجندات الثقافية الدولية.
الفن العمومي يعيد تشكيل مدن الخليج
أما في العالم العربي، فقد برز خلال الأسبوع الماضي خبر مهم يتعلق بالفنون البصرية في السعودية، حيث أعلن برنامج “Riyadh Art” عن تثبيت 25 عملاً نحتياً في الفضاءات العامة بمدينة الرياض بعد انتهاء الدورة السابعة من ملتقى طويق للنحت.
هذا الملتقى، الذي يجمع فنانين من مختلف أنحاء العالم، يتيح للجمهور متابعة عملية نحت الأعمال مباشرة في الهواء الطلق، وهو ما يحول الفن إلى تجربة يومية يعيشها سكان المدينة. كما أن الأعمال المنجزة تُنصب لاحقًا في الشوارع والحدائق لتصبح جزءًا دائمًا من المشهد الحضري.
وتكمن أهمية هذه المبادرة في أنها تمثل تحولًا في تصور الثقافة في المدن العربية: فالفن لم يعد مجرد نشاط نخبة ثقافية محدودة، بل أصبح عنصرًا من عناصر التخطيط الحضري وإعادة تشكيل الفضاء العام.
صناعة السينما العربية تدخل مرحلة جديدة
وفي المجال السينمائي، شهد الأسبوع الماضي أيضًا إعلان اختيار 12 مشروعًا سينمائيًا في برنامج Red Sea Labs الذي تنظمه مؤسسة البحر الأحمر السينمائي في جدة.
هذا البرنامج يهدف إلى دعم مشاريع الأفلام الروائية من مرحلة الكتابة إلى الإنتاج، من خلال توفير الإرشاد الفني والتمويل والتدريب للمخرجين الشباب من العالم العربي وخارجه.
ويشير هذا التطور إلى أن السينما العربية لم تعد تعتمد فقط على الإنتاجات الفردية، بل بدأت تبني منظومة مؤسساتية متكاملة تشمل التطوير والتمويل والتوزيع.
وفي السياق نفسه، يواصل عدد من الأفلام العربية الجديدة حصد الاهتمام العالمي، مثل الفيلم التونسي “صوت هند رجب” الذي حاز جوائز دولية ورُشِّح لجوائز سينمائية عالمية، وهو ما يعكس الحضور المتزايد للسينما العربية في المهرجانات الكبرى.
الثقافة العربية بين الاستثمار والهوية
ما يكشفه هذا الأسبوع الثقافي هو أن العالم العربي يعيش مرحلة انتقالية في فهمه للثقافة.
ففي الماضي، كانت الثقافة غالبًا نشاطًا هامشيًا يعتمد على المبادرات الفردية أو على الدعم الحكومي المحدود. أما اليوم، فقد أصبحت الثقافة قطاعًا استراتيجيًا يربط بين الاقتصاد الإبداعي والسياحة والتعليم والهوية الوطنية.
ومن الصويرة التي تستقطب موسيقيين من القارات الخمس، إلى الرياض التي تحوّل الشوارع إلى متحف مفتوح للنحت المعاصر، ومن السينما العربية التي تبحث عن جمهور عالمي إلى المهرجانات التي تجمع فنانين من الشرق والغرب، يبدو أن الثقافة العربية بدأت تعيد اكتشاف نفسها بوصفها قوة ناعمة قادرة على التأثير في العالم.
خريطة ثقافية عربية جديدة
في نهاية هذا الأسبوع الثقافي، يمكن القول إن المشهد الفني في المغرب والعالم العربي يتحرك في اتجاهين متكاملين.
الاتجاه الأول يتمثل في العودة إلى الجذور، أي إعادة قراءة التراث الموسيقي واللغوي والفني بوصفه مصدرًا للإلهام.
أما الاتجاه الثاني فهو الانفتاح على العالمية، سواء عبر الشراكات الأكاديمية أو المهرجانات الدولية أو برامج دعم السينما والفنون البصرية.
وهكذا تتشكل تدريجيًا خريطة ثقافية عربية جديدة: خريطة لا تقوم فقط على الماضي، بل تسعى أيضًا إلى ابتكار مستقبل جمالي يربط بين المدن العربية والعالم.
وفي هذه الخريطة المتحركة، تبدو الثقافة العربية وكأنها تكتب روايتها الخاصة من جديد — رواية عنوانها أن الفن ما يزال قادرًا على فتح نوافذ الأمل في زمن الاضطرابات.







0 التعليقات:
إرسال تعليق