الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الاثنين، مارس 16، 2026

واجهات الأخبارعلى حافة الشاشة: إعداد عبده حقي


 أبرز خبر إعلامي في المغرب خلال الأسبوع الماضي تمثل في إعادة تحريك ملف إصلاح المجلس الوطني للصحافة، بعد أن أحالت الحكومة مشروع القانون الجديد رقم 09.26 على البرلمان في صيغة معدلة. ويأتي هذا المشروع التشريعي بعد الجدل الذي أثاره قرار المحكمة الدستورية بشأن بعض مواد القانون السابق، وهو ما دفع الحكومة إلى تقديم نسخة جديدة تهدف – حسب التفسير الرسمي – إلى تعزيز استقلالية المجلس وضمان توازن تمثيل الفاعلين في قطاع الصحافة والنشر.

هذا التطور لا يمثل مجرد تعديل قانوني تقني، بل يعكس صراعاً أعمق حول طبيعة تنظيم المهنة في المغرب: هل ينبغي أن يقوم المجلس على مبدأ التنظيم الذاتي للصحافيين، أم على نموذج تشاركي يضم الدولة والناشرين والمهنيين؟ وقد أدى الجمود المؤسساتي الذي شهده المجلس في السنوات الأخيرة إلى تعطيل بعض مهامه الأساسية مثل تنظيم المهنة وتجديد بطاقات الصحافة، وهو ما جعل إصلاحه أولوية في النقاش الإعلامي المغربي.

نقاش مهني حول مستقبل الصحافة المغربية

في موازاة الجدل التشريعي، شهدت الرباط خلال الأسبوع الماضي نقاشات مهنية حول سبل تعزيز استقلالية الصحافة وتحسين شروط العمل الصحافي. فقد خلصت إحدى الموائد المستديرة التي شارك فيها صحافيون وباحثون في الإعلام إلى ضرورة إصلاح منظومة التسيير المهني وتحصين أخلاقيات المهنة في مواجهة الضغوط الاقتصادية والسياسية.

ويرى عدد من المتخصصين أن الصحافة المغربية تعيش اليوم لحظة انتقالية بين نموذجين: نموذج الصحافة التقليدية المرتبطة بالمؤسسات الإعلامية الكبرى، ونموذج الإعلام الرقمي السريع الذي يعتمد على المواقع الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي. هذا التحول جعل الصحافي المعاصر مطالباً بامتلاك مهارات متعددة تتجاوز الكتابة والتحرير إلى التحقق الرقمي وإدارة المحتوى المرئي والتفاعل مع الجمهور عبر الشبكات الاجتماعية.

مواقع التواصل الاجتماعي بين الخبر والشائعة

من جهة أخرى، كشفت الأحداث المتداولة عبر منصات التواصل الاجتماعي خلال الأسبوع الماضي عن استمرار مشكلة التضليل الرقمي في الفضاء الإعلامي المغربي والعربي. فالفيديوهات والمقاطع القصيرة التي تنتشر على منصات مثل فيسبوك وإكس وتيك توك أصبحت أحياناً المصدر الأول للأخبار بالنسبة للجمهور، لكنها في الوقت نفسه قد تتحول إلى وسيلة لنشر معلومات غير دقيقة أو مبتورة.

وتزداد خطورة هذه الظاهرة في زمن الذكاء الاصطناعي، حيث أصبح من الممكن إنتاج صور ومقاطع فيديو تبدو واقعية لكنها مفبركة بالكامل. وقد حذر خبراء الإعلام مؤخراً من أن هذه التقنيات يمكن أن تخلق حالة من التشكيك العام في الصور والأخبار، بحيث يصعب على الجمهور التمييز بين الحقيقة والخيال الرقمي.

وهذا التحدي يضع الصحافة المهنية أمام مسؤولية جديدة تتمثل في تطوير آليات التحقق الرقمي وتكريس ثقافة التثبت قبل النشر.

الإعلام العربي في مواجهة التضليل الرقمي

في العالم العربي، برز خلال الأسبوع الماضي تحذير من اتحاد الإعلام العربي من انتشار الأخبار المضللة والحسابات الوهمية في شبكات التواصل الاجتماعي. وقد دعا الاتحاد الصحافيين والمؤسسات الإعلامية إلى اليقظة والتدقيق في المعلومات قبل نشرها، محذراً من أن الشائعات قد تستخدم أحياناً كأداة لإثارة الفتن أو زعزعة الاستقرار الاجتماعي.

ويعكس هذا التحذير اتجاهاً متزايداً في المنطقة نحو التعامل مع التضليل الإعلامي باعتباره قضية أمن معلوماتي وليس مجرد مشكلة صحفية. فالدول العربية بدأت تدرك أن المعركة الإعلامية لم تعد تجري فقط في صفحات الجرائد أو شاشات التلفزيون، بل في فضاء الإنترنت الذي تتحرك فيه الأخبار بسرعة هائلة.

تشديد الرقابة على المحتوى الرقمي في الخليج

ومن أبرز التطورات المرتبطة بالإعلام الرقمي في المنطقة قيام بعض الدول الخليجية باتخاذ إجراءات صارمة ضد نشر مقاطع فيديو أو أخبار غير موثقة تتعلق بالتوترات الإقليمية. فقد أعلنت السلطات في الإمارات مثلاً اعتقال عدد من الأشخاص بسبب نشر مقاطع فيديو مفبركة أو غير دقيقة حول الأحداث العسكرية في المنطقة، مؤكدة أن نشر معلومات مضللة عبر الإنترنت قد يعرض صاحبه لعقوبات قانونية.

كما شددت عدة دول خليجية القيود على تداول الصور أو الفيديوهات المرتبطة بالهجمات أو العمليات العسكرية، معتبرة أن نشر مثل هذه المواد قد يؤدي إلى نشر الذعر أو التضليل الإعلامي.

هذه الإجراءات تعكس توجهاً إقليمياً نحو ضبط الفضاء الإعلامي الرقمي في أوقات الأزمات، لكنها في الوقت نفسه تثير نقاشاً حول التوازن بين الأمن المعلوماتي وحرية التعبير.

الذكاء الاصطناعي يدخل معركة الإعلام

إحدى القضايا الجديدة التي ظهرت بوضوح في النقاش الإعلامي خلال الأسبوع الماضي هي دور الذكاء الاصطناعي في صناعة الأخبار والمعلومات. فقد أصبحت أدوات الذكاء الاصطناعي قادرة على إنتاج مقالات وصور وفيديوهات بسرعة هائلة، وهو ما يفتح آفاقاً جديدة للإبداع الإعلامي، لكنه في الوقت نفسه يطرح تحديات أخلاقية ومهنية.

ففي الوقت الذي تستخدم فيه بعض المؤسسات الإعلامية هذه الأدوات لتحليل البيانات أو إنتاج تقارير تفاعلية، تستخدمها جهات أخرى لصناعة محتوى مضلل أو دعائي. وهذا ما دفع عدداً من الخبراء إلى التحذير من أن الإعلام في العقد القادم قد يصبح ساحة مواجهة بين الصحافة المهنية والآلة الخوارزمية.

تحولات في علاقة الجمهور بالإعلام

التحول الأعمق الذي كشفه الأسبوع الماضي لا يتعلق بالمؤسسات الإعلامية وحدها، بل بعلاقة الجمهور نفسه بالخبر. فالمتلقي العربي لم يعد قارئاً سلبياً ينتظر الخبر من الصحيفة أو التلفزيون، بل أصبح فاعلاً أساسياً في إنتاجه وتداوله عبر الشبكات الاجتماعية.

هذه الظاهرة خلقت ما يسميه بعض الباحثين “الصحافة الجماهيرية الرقمية”، حيث يشارك المستخدمون في توثيق الأحداث عبر هواتفهم المحمولة، ثم تتحول تلك المقاطع إلى مادة إعلامية تنتشر على نطاق واسع. غير أن هذا التحول يطرح سؤالاً جوهرياً: من يضمن دقة هذه المعلومات؟

الصحافة العربية أمام منعطف تاريخي

إن قراءة حصيلة الأسبوع الماضي في مجال الصحافة والإعلام في المغرب والعالم العربي تقود إلى نتيجة واضحة: نحن أمام مرحلة انتقالية تعيد تعريف مفهوم الإعلام نفسه. فالقوانين الجديدة، وصعود منصات التواصل الاجتماعي، وانتشار تقنيات الذكاء الاصطناعي، كلها عوامل تعيد رسم خريطة السلطة الإعلامية.

وفي هذه الخريطة الجديدة لم تعد الصحافة التقليدية هي اللاعب الوحيد في صناعة الرأي العام، بل أصبحت جزءاً من منظومة إعلامية واسعة تضم المؤثرين والمنصات الرقمية والشركات التكنولوجية الكبرى.

ومن هنا يمكن القول إن مستقبل الإعلام في المنطقة لن يتحدد فقط بقدرة الصحف والقنوات على البقاء اقتصادياً، بل بقدرتها أيضاً على استعادة الثقة العامة عبر التحقق الدقيق من الأخبار وتقديم محتوى مهني قادر على منافسة سيل المعلومات المتدفقة في الفضاء الرقمي.

ذلك هو الدرس الأبرز الذي يقدمه الأسبوع الإعلامي الأخير: في زمن الشبكات، لم تعد المعركة حول من ينشر الخبر أولاً، بل حول من يستطيع أن يثبت أنه ينشر الحقيقة.


0 التعليقات: