الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

السبت، مايو 02، 2026

قصص قصيرة جدا : عبده حقي

 


المدينة التي أكلت ظلال سكانها

استيقظ الناس ذات صباح فوجدوا ظلالهم ناقصة، كأن الليل قضمها بأسنان باردة. في السوق صار الرجال يمشون بأقدام خفيفة، والنساء يخبئن الأرض تحت عباءاتهن، والأطفال يطاردون بقايا ظل يهرب مثل قط أسود. وحده الحارس العجوز رأى المدينة تفتح فمها الحجري عند الفجر وتبتلع الظلال المتعبة.

لم يصدقه أحد، لأن الجدران كانت صامتة، والمآذن ترفع أذانها كأن شيئا لم يحدث. في المساء، وقف الحارس أمام باب المدينة وسألها عن ذنب الناس. ضحكت الحجارة، وقالت: “لقد أثقلتم الأرض بأحلام ميتة، فأخذت ما كان يربطكم بها.” ومنذ ذلك اليوم صار السكان يطيرون قليلا كلما كذبوا، حتى اختفى الكاذبون في السحب، وبقي الصادقون يمشون بلا ظلال، لكن بقلوب أثقل من الجبال.

لرجل الذي باع ذاكرته للبحر

كان يملك ذاكرة واسعة مثل مقبرة مضيئة، لكنه تعب من وجوه الراحلين ومن أصوات الندم التي تسكن الوسادة. ذهب إلى البحر، حاملا صندوقا صغيرا وضع فيه طفولته، أول حب، رائحة الخبز، وصفعة أبيه، ورسالة لم يقرأها قط. قال للبحر: “خذ كل شيء، وأعطني نوما بلا أحلام.” مد البحر موجة طويلة كيد عجوز، وابتلع الصندوق. عاد الرجل إلى بيته خفيفا، لكنه لم يعرف الباب، ولا اسمه، ولا وجهه في المرآة. في الليل سمع هدير الماء تحت سريره، فرأى البحر يصعد إلى الغرفة مرتديا ذاكرته. جلس البحر على الكرسي، وبكى بدلا منه. أما الرجل، فنام أخيرا بلا أحلام، لكنه صار كل صباح يستيقظ على شاطئ لا يعرفه، يبحث عن نفسه بين الأصداف.

نافذة تطل على قلب غريب

في غرفته الضيقة كانت هناك نافذة لا تطل على الشارع، بل على قلب إنسان مجهول. كلما فتحها رأى أروقة حمراء، أبوابا ترتجف، وطيورا صغيرة محبوسة في أقفاص من النبض. ظن في البداية أنه يحلم، لكنه ذات يوم رأى داخل القلب امرأة تبكي فوق كرسي مكسور، ورأى طفلا يكتب اسمه على جدار من دم. حاول إغلاق النافذة، فسمع طرقا من الداخل. قال الصوت: “لا تغلقني، فأنت تسكن هنا منذ سنوات.” ارتجف الرجل، ووضع يده على صدره، فلم يجد قلبه. بحث في الأدراج، تحت السرير، بين الكتب، فلم يعثر إلا على مفتاح صدئ. فتح به النافذة مرة أخرى، فدخل إلى القلب الغريب، وهناك وجد صورته معلقة فوق باب كتب عليه: “البيت الحقيقي للمنفيين من أجسادهم.”

حصان زجاجي يعبر مقبرة الوقت

كان الحصان مصنوعا من زجاج شفاف، تجري في عروقه ساعات صغيرة بدل الدم. ظهر في القرية بعد عاصفة صفراء، واقفا قرب المقبرة، يضرب الأرض بحوافر ترن كالأجراس. قال الفقيه إنه نذير، وقال الأطفال إنه لعبة تركها ملاك عابر. أما الأرملة العمياء، فقد وضعت يدها على عنقه وبكت، لأنها سمعت داخله صوت زوجها الراحل يضحك. في الليل، امتطاه الموتى واحدا واحدا، وعبروا به مقبرة الوقت، حيث تنام السنوات القديمة ككلاب متعبة. رآهم الحارس يسافرون نحو تل بعيد، وهناك كانوا يستعيدون أعمارهم المفقودة، لكن وجوههم تنقلب إلى مرايا. مع الفجر عاد الحصان وحيدا، وفي داخله ساعة جديدة تحمل وجه الحارس. فهم الرجل أنه التالي، فخلع حذاءه، وصعد فوق ظهر الزجاج، مبتسما للقرية التي لم تكن تعرف أنها ماتت منذ زمن.

امرأة تخيط الغيم بخيط أسود

كانت المرأة تجلس كل مساء فوق سطح بيتها، تخيط الغيم بخيط أسود طويل، كي لا يتسرب المطر إلى أحلامها. سخر منها الجيران، وقالوا إن الجنون يلبس أحيانا ثوب الحكمة. لكنها لم ترد، لأنها كانت تسمع الغيم يئن مثل ثوب ممزق. في الشتاء توقفت الأمطار، وجفت الآبار، وصارت الأشجار ترفع أغصانها كأيد متهمة. جاء الناس إليها طالبين الرحمة، فسألوها أن تقص الخيط. قالت لهم: “كل قطرة حزنتموها صعدت إلى السماء، وأنا فقط رتقت جراحها.” ثم تناولت مقصا صغيرا، وقطعت غرزة واحدة. انفتح الغيم، فسقطت من السماء رسائل قديمة، وصور موتى، ودموع لا تخص أحدا. شربت الأرض كل ذلك، واخضرت فجأة. أما المرأة، فقد تحولت إلى إبرة فضية، ما زالت تلمع ليلا فوق رأس القرية.

طفل يربي شجرة داخل عينه

ولد الطفل وفي عينه اليمنى بذرة خضراء. خافت أمه، لكن الطبيب قال إن الأمر نادر وجميل، كأن الطبيعة نسيت غصنا في جسده. كبر الطفل، وكبرت الشجرة داخل عينه، حتى صار يرى العالم من خلال أوراقها. كان يرى الناس جذورا تمشي، والبيوت أعشاشا، والكلمات ثمارا تسقط قبل نضجها. في المدرسة اتهموه بالشرود، لأنه كان يسمع عصافير صغيرة تغني في جمجمته. ذات يوم، جاء الحطابون إلى الغابة القريبة، وقطعوا أشجارها كلها. صرخ الطفل، فسقط من عينه مطر أخضر، وامتدت أغصان الشجرة خارج وجهه، ثم غطت القرية. لم يستطع الناس الخروج من بيوتهم، لكنهم تعلموا أخيرا التنفس ببطء. صار الطفل عجوزا صغيرا، يجلس في الساحة، وكل من ينظر في عينه يرى غابة كاملة تطالبه بالاعتذار.

ساعة تلد نهارا بلا شمس

في بيت مهجور وسط المدينة كانت ساعة حائط عاقر، لا تدق ولا تشير إلى زمن. دخلها صانع ساعات فضولي، فوجد داخلها امرأة صغيرة نائمة فوق سرير من المسننات. لما لمس عقرب الدقائق، صرخت الساعة، وولدت نهارا كاملا بلا شمس. خرج النهار إلى الشوارع شاحبا، يوقظ الناس من نومهم، لكنهم لم يجدوا ضوءا ولا ظلا. كل شيء صار واضحا وغامضا في الوقت نفسه: الوجوه بلا ملامح، الأشجار بلا خضرة، والطيور تطير من غير سماء. اتهم الناس صانع الساعات بسرقة الشمس، لكنه أقسم أنه لم يفعل سوى تحرير زمن مسجون. في آخر النهار، عاد إلى البيت المهجور، فوجد الساعة ترضع المساء من صدرها المعدني. فهم أن الزمن كائن حي، وأننا لا نعيش داخله، بل يعيش هو داخل خوفنا.

مكتبة تنبت فوق ظهر سلحفاة

كانت السلحفاة تسير منذ قرون، وعلى ظهرها تنبت مكتبة كاملة، رفوفها من عظام الأشجار وكتبها تتنفس مثل نيام. لا أحد يعرف أصلها، لكنها كانت تمر بالمدن المنسية، فتسقط منها كتب صغيرة في أيدي الحالمين. من يقرأ كتابا منها ينسى لغة البشر، ويتعلم لغة الأشياء: بكاء الحجر، سعال النوافذ، ضحك الغبار. جاء ملك جشع وأراد امتلاك المكتبة، فأمر جنوده بتقييد السلحفاة. لكنها توقفت فقط، ونظرت إليه بعينين أقدم من الخرائط. في تلك اللحظة فتحت الكتب صفحاتها، وخرجت منها حروف سوداء تحولت إلى نمل، أكل عرش الملك وتاجه وذاكرته. تاب الجنود، وتركوا السلحفاة تمضي. ومنذ ذلك اليوم، كلما تأخر كتاب عن الوصول إلى قارئه، يقال إن السلحفاة أخذت طريقا أطول كي تنضج الحكاية.

رأس من طين يحلم بالسماء

صنع الخزاف رأسا من طين، ووضعه قرب النافذة ليجف. لكنه سمعه ليلا يتنهد، ثم يقول: “أريد جسدا كي أمشي إلى السماء.” ظن الخزاف أن الوحدة تخدعه، غير أن الرأس كرر طلبه كل ليلة، حتى رسمت الدموع أخاديد على خديه الطينيين. أشفق عليه، فصنع له جسدا ناقصا بذراع واحدة وقلب أجوف. خرج الكائن إلى الحقل، وبدأ يبني سلما من أنفاسه. كلما صعد درجة، سقطت قطعة من جسده، لكنه لم يتوقف. عند الفجر وصل إلى الغيمة الأولى، فمد رأسه نحوها، فإذا بالسماء تهمس: “كنت أبحث عن طين يتذكرني.” ذاب الجسد في الضوء، وبقي الرأس معلقا بين الأرض والسماء. أما الخزاف، فصار يصنع أواني بلا أفواه، خوفا من أن تطلب هي أيضا مصيرا مستحيلا.

مرآة ترفض إعادة الوجوه القديمة

في محل الحلاق كانت مرآة عجيبة ترفض إعادة الوجوه كما دخلت. يجلس الزبون أمامها بوجه متعب، فيخرج منها بوجه كان يخفيه عن نفسه: جبان يظهر بأسنان ذئب، عاشق بوجه نافذة، شاعر بملامح طائر مذبوح. غضب الناس وطلبوا كسرها، لكن الحلاق دافع عنها، قائلا إنها لا تكذب. ذات مساء جلس أمامها حاكم المدينة، فرأى بدلا من وجهه صحراء واسعة تتدحرج فيها جماجم صغيرة. ارتعب، وأمر بتحطيم المرآة. لما ضربها الجندي، لم تنكسر، بل انفتحت كباب أسود، وخرجت منها وجوه الناس القديمة، تلك التي تخلوا عنها كي ينجوا. انتشرت الوجوه في الشوارع تبحث عن أصحابها، ومن وجد وجهه الحقيقي التصق به وبكى. أما الحاكم، فقد ظل بلا وجه، يحكم مدينة صارت ترى كل شيء.



0 التعليقات: