الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأربعاء، أبريل 29، 2026

الجغرافيا الحقوقية الجديدة تُعيدُ تعريفَ الألم الإنساني بلا حدود: إعداد عبده حقي

 


في سياق عالمي يتسم بتزايد التوترات السياسية والأمنية، تكشف التقارير الحقوقية الصادرة خلال الأسبوع الأخير من أبريل 2026 عن صورة مقلقة لوضعية حقوق الإنسان في مناطق متعددة، خاصة في الجزائر وتونس، إلى جانب مناطق إفريقية وأوروبية. ويبرز من خلال متابعة تقارير منظمات مثل منظمة العفو الدولية (Amnesty International) وهيومن رايتس ووتش (Human Rights Watch)، فضلاً عن تغطيات إعلامية حديثة، أن الانتهاكات لم تعد مجرد حوادث معزولة، بل أصبحت في كثير من الأحيان جزءاً من أنماط ممنهجة تتعلق بتقييد الحريات، واستهداف المعارضين، وانتهاك حقوق المهاجرين.

في الجزائر، تشير تقارير حديثة إلى استمرار ما وصفته منظمات حقوقية بـ”التآكل المستمر للحريات الأساسية”، حيث وثّق تقرير حديث لمنظمة هيومن رايتس ووتش استمرار التضييق على حرية التعبير واستهداف النشطاء والصحفيين، مع استخدام القضاء كأداة للضغط السياسي . ومن الأمثلة البارزة على ذلك قضية الناشط عبد الكريم زغليشة، الذي خضع لسلسلة محاكمات متتالية في فترة قصيرة، ما أثار مخاوف جدية بشأن ضمانات المحاكمة العادلة وحق الدفاع . كما دعت منظمات حقوقية دولية، قبيل زيارة دبلوماسية دولية إلى الجزائر، إلى إثارة ملف حقوق الإنسان، خاصة ما يتعلق بحرية الصحافة والتجمع . وتبرز هذه الحالات استمرار نمط من القيود التي تستهدف الفضاء العام، وتحد من قدرة المجتمع المدني على التعبير الحر.

أما في تونس، فقد شهد الأسبوع الماضي تطورات لافتة تعكس تسارعاً في مسار التراجع الحقوقي، خاصة بعد قرار السلطات تعليق نشاط الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، وهي من أعرق المنظمات الحقوقية في البلاد، في خطوة اعتبرها مراقبون جزءاً من حملة أوسع لتقييد المجتمع المدني . كما وثّقت تقارير حديثة اعتقال صحفيين وتضييقاً متزايداً على وسائل الإعلام، مع تصنيف تونس ضمن الدول “غير الحرة” وفق تقرير “فريدوم هاوس” لعام 2026، بسبب سجن المعارضين وتراجع استقلال القضاء . وتؤكد منظمة العفو الدولية أن السلطات التونسية كثّفت من ملاحقة المعارضين السياسيين، وأصدرت أحكاماً قاسية بحق قيادات سياسية، ضمن ما يعرف بقضية “التآمر”، في سياق حملة أوسع لقمع المعارضة .

وفي ما يتعلق بحقوق المهاجرين في تونس، تكشف تقارير دولية عن انتهاكات خطيرة، تشمل الطرد الجماعي والاحتجاز التعسفي وسوء المعاملة، فضلاً عن اعتراض القوارب في البحر بطريقة تعرض حياة المهاجرين للخطر . كما أثارت حادثة إعادة معارض تونسي قسراً من الجزائر إلى تونس انتقادات أممية، حيث اعتُبرت خرقاً لالتزامات حقوق الإنسان الدولية المتعلقة بحماية اللاجئين .

على المستوى الإفريقي، تتواصل الانتهاكات في مناطق النزاعات المسلحة، كما في إثيوبيا، حيث أفادت تقارير حديثة باستمرار اضطهاد سكان إقليم تيغراي، مع توثيق شهادات عن انتهاكات جسيمة تشمل التمييز والاعتقالات التعسفية . كما تشير تقارير إعلامية إلى المخاطر الكبيرة التي يواجهها المهاجرون الأفارقة أثناء محاولتهم الوصول إلى أوروبا، حيث لقي المئات حتفهم في البحر الأبيض المتوسط نتيجة سياسات الهجرة الصارمة .

وتكشف إحدى أبرز المحطات الحقوقية في هذا السياق عن حكم صادر عن “محكمة الشعوب الدائمة” في مارس 2026، الذي اعتبر أن دول المغرب الكبير والاتحاد الأوروبي متورطة في “انتهاكات ممنهجة” لحقوق المهاجرين، تشمل الإعادة القسرية والاحتجاز التعسفي والتعذيب، في إطار سياسات الهجرة المشتركة . ويعكس هذا الحكم تصاعد الانتقادات الدولية لما يُعرف بسياسات “تصدير الحدود”، حيث يتم نقل مسؤولية ضبط الهجرة إلى دول الجنوب مقابل دعم مالي وسياسي.

أما في الاتحاد الأوروبي، فرغم الخطاب الرسمي الداعم لحقوق الإنسان، إلا أن الواقع يكشف تناقضات واضحة، خاصة في ما يتعلق بسياسات الهجرة واللجوء، حيث تتهم منظمات حقوقية الاتحاد بالتواطؤ في انتهاكات خارج حدوده، من خلال دعم أنظمة تنتهك حقوق المهاجرين . كما شهدت أوروبا انتقادات تتعلق بحرية الدين، بعد إدانة البرلمان الأوروبي لسياسات طرد جماعي تستهدف أقليات دينية في دول مجاورة، ما يعكس هشاشة بعض المبادئ الحقوقية في سياق التوترات الجيوسياسية .

وفي المجمل، تؤكد تقارير منظمة العفو الدولية الصادرة في أبريل 2026 أن العالم يشهد تراجعاً عاماً في احترام حقوق الإنسان، مع تصاعد القمع السياسي، وتوسيع استخدام التكنولوجيا في المراقبة، وتفاقم الأزمات المرتبطة بالهجرة والنزاعات المسلحة . وتبرز هذه المعطيات أن التحديات الحقوقية لم تعد محصورة في دول بعينها، بل أصبحت ظاهرة عابرة للحدود، تتطلب استجابة دولية أكثر جدية وفعالية.

إن الأمثلة الواقعية التي تم عرضها، من محاكمات النشطاء في الجزائر، إلى قمع المجتمع المدني في تونس، مروراً بمآسي المهاجرين في إفريقيا وسياسات الاتحاد الأوروبي، تكشف عن مشهد حقوقي معقد، تتداخل فيه الاعتبارات السياسية والأمنية مع المبادئ القانونية. وبينما تستمر المنظمات الدولية في توثيق هذه الانتهاكات، يبقى السؤال مطروحاً حول مدى قدرة المجتمع الدولي على فرض احترام حقوق الإنسان في ظل تزايد النزعات السلطوية وتراجع الالتزام بالقانون الدولي.


0 التعليقات: