الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

السبت، أبريل 25، 2026

الجزائر الغارقة في وهم الوصاية على القضايا العادلة : عبده حقي


برزت واقعةُ مشاركة محاميةٍ جزائريةٍ في أنشطةٍ مرتبطة بجبهة البوليساريو بوصفها لحظةً كاشفةً عن تعقيدات الخطاب الرسمي الجزائري، وتناقضاته الداخلية، وحدود تماسكه أمام أسئلة الشرعية والسيادة. فهذه الحكاية، التي تبدو في ظاهرها مجرد مشاركةٍ مدنيةٍ في مؤتمرٍ نسوي، سرعان ما تنقلب إلى مادةٍ سياسيةٍ كثيفة، تكشف عن هشاشة البنية التي تُدار بها قضايا إقليمية حساسة، وعلى رأسها قضية الصحراء.

لقد انطلقت المحامية، وفق ما ورد في شهادتها، بدعوةٍ رسميةٍ للمشاركة في مؤتمرٍ نسوي داخل مخيمات تندوف، وهي مخيماتٌ تحتضنها الأراضي الجزائرية وتخضع، في جزءٍ كبير من إدارتها، لسلطة البوليساريو. وقد قدمت نفسها بوصفها فاعلةً مدنيةً تدافع عن “القضايا العادلة”، واضعةً القضية الفلسطينية إلى جانب القضية الصحراوية في سلةٍ واحدة، في محاولةٍ لإضفاء مشروعيةٍ أخلاقيةٍ على مشاركتها . غير أن هذا الربط، الذي يبدو للوهلة الأولى انسجاماً مع خطابٍ تضامنيٍ عام، يطرح في العمق سؤالاً حرجاً حول طبيعة هذه “العدالة” ومن يحدد معاييرها، خاصة عندما تتحول إلى أداةٍ في خدمة أجنداتٍ سياسيةٍ ضيقة.

داخل أروقة المؤتمر، لم تكتفِ المحامية بالحضور الرمزي، بل سعت إلى تقديم مقترحاتٍ قانونية، مستندةً إلى خبرتها الحقوقية، ومستلهمةً تجاربها السابقة في الدفاع عن قضايا دولية. غير أن هذا الحضور “النخبوي” سرعان ما اصطدم بواقعٍ مغاير، حيث وجدت نفسها في قلب تجربةٍ غامضة، تبدأ بدعوةٍ للقاءٍ خارج المخيمات، وتنتهي بانتظارٍ طويلٍ في غرفة فندقٍ بمدينة تندوف دون أن يتحقق أي لقاءٍ فعلي . وهنا تتحول القصة من سردٍ احتفائي إلى سردٍ إشكالي، يكشف عن غياب الشفافية، وربما عن وجود ترتيباتٍ غير واضحة الأهداف.

هذه الواقعة، في بعدها الرمزي، تتجاوز حدود الشخص المعني، لتطرح تساؤلاتٍ أوسع حول طبيعة العلاقة بين الدولة الجزائرية والبوليساريو. فإذا كانت المخيمات تقع فوق التراب الجزائري، فكيف تُدار شؤونها الأمنية والسياسية بشكلٍ يسمح لجهاتٍ غير سيادية بالتحكم في حركة الأشخاص وتنظيم اللقاءات؟ وإذا كانت الجزائر تعلن رسمياً دعمها لحق تقرير المصير، فهل يعني ذلك التنازل عن جزءٍ من سيادتها الميدانية داخل حدودها؟

الأكثر إثارةً في هذه القصة هو التحول من خطاب الثقة إلى خطاب الشك. فالمحامية، التي دخلت التجربة بروحٍ “نضالية”، وجدت نفسها تتساءل عن هوية الجهات التي استدعتها، وعن طبيعة اللقاء الذي لم يتم، وعن معنى هذا الغموض الذي أحاط بتحركاتها. وهنا يتكشف البعد النفسي للواقعة: انتقالٌ من اليقين إلى الارتياب، ومن الانخراط إلى الانسحاب الرمزي، وهو انتقالٌ يعكس، في جوهره، أزمة ثقةٍ أعمق داخل الفضاء السياسي الجزائري.

في المقابل، يكشف الخطاب النقدي المصاحب لهذه الواقعة عن تيارٍ داخليٍ متنامٍ في الجزائر، يرفض الخلط بين الدولة والنظام، ويدعو إلى التمييز بين الولاء للوطن والولاء للسلطة. هذا التيار يرى أن الدفاع غير المشروط عن مواقف رسمية، دون مساءلةٍ أو نقد، قد يتحول إلى شكلٍ من أشكال التواطؤ، أو على الأقل إلى غيابٍ للوعي السياسي. ومن هنا، فإن قضية المحامية لا تُقرأ فقط بوصفها حادثةً فردية، بل بوصفها مرآةً لصراعٍ أوسع بين خطابٍ رسميٍ يسعى إلى تثبيت سرديةٍ معينة، وخطابٍ نقديٍ يحاول تفكيك هذه السردية وإعادة طرح الأسئلة المؤجلة.

كما تطرح الواقعة إشكالية استعمال المجتمع المدني في الصراعات الجيوسياسية. فحين تُستدعى منظماتٌ نسوية أو حقوقية للمشاركة في فعالياتٍ ذات طابعٍ سياسي، فإنها تتحول، عن قصدٍ أو غير قصد، إلى أدواتٍ ضمن لعبةٍ أكبر، حيث يُستثمر حضورها لإضفاء طابعٍ إنسانيٍ على مشاريع سياسية. وهنا يصبح السؤال مشروعاً: إلى أي حدٍ يمكن للفاعل المدني أن يحافظ على استقلاليته داخل فضاءاتٍ مشحونةٍ بالصراع؟

في العمق، تكشف هذه القصة عن مفارقةٍ جوهرية: دولةٌ تدعم كياناً غير معترفٍ به دولياً، وتمنحه مساحةً للتحرك داخل أراضيها، وفي الوقت نفسه تعاني من انتقاداتٍ داخليةٍ حول ضعف مؤسساتها وغياب الشفافية. هذه المفارقة تضع الخطاب الرسمي أمام اختبارٍ صعب، حيث يصبح مطالباً بتقديم إجاباتٍ مقنعةٍ ليس فقط للخارج، بل أيضاً لمواطنيه.

إن ما جرى للمحامية، بكل تفاصيله، ليس مجرد حادثةٍ عابرة، بل هو نصٌ سياسيٌ مفتوح، يمكن قراءته من زوايا متعددة: زاوية السلطة، زاوية المعارضة، زاوية المجتمع المدني، وزاوية المواطن العادي. وفي كل قراءةٍ، تتكشف طبقةٌ جديدة من المعنى، تؤكد أن القضايا الكبرى لا تُحسم بالشعارات، بل بالقدرة على بناء مؤسساتٍ قوية، وضمان شفافية القرار، واحترام سيادة الدولة بكل أبعادها.

وهكذا، تتحول الحكاية من سردٍ شخصيٍ إلى سؤالٍ جماعي: أيُّ سياسةٍ هذه التي تجعل من الحدود فضاءً ملتبساً، ومن القضايا العادلة موضوعاً للشك، ومن الفاعل المدني أداةً في لعبةٍ أكبر؟ سؤالٌ يبقى مفتوحاً، ينتظر إجابةً تتجاوز الخطاب، وتلامس جوهر الفعل السياسي في منطقةٍ لا تزال تبحث عن توازنها بين السيادة والتأثير، بين الداخل والخارج، وبين الحقيقة والتمثيل.


0 التعليقات: