الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

السبت، أبريل 25، 2026

محنة الكتب الممنوعة اليوم مع رواية "نقد الفكر الديني " ملف من إعداد عبده حقي


يُعَدُّ كتابُ نقد الفكر الديني للفيلسوف السوري صادق جلال العظم واحدًا من أكثر النصوص الفكرية إثارةً للجدل في الثقافة العربية المعاصرة، ليس فقط لما تضمَّنه من أطروحاتٍ جريئة، بل لما كشف عنه من أزمةٍ عميقةٍ في بنية العقل العربي وهو يواجه أسئلة الحداثة والعلم والمعرفة.

صدر هذا الكتاب سنة 1969 في بيروت، في لحظة تاريخية متوترة أعقبت هزيمة 1967، حيث كان السؤال المركزي يدور حول أسباب الانكسار الحضاري، فاختار العظم أن يتجه إلى الجذر الأعمق: الفكر الديني بوصفه بنية ذهنية وثقافية مهيمنة . ومنذ الصفحات الأولى، يضع القارئ أمام مشروع نقدي لا يستهدف الإيمان ذاته، بل يستهدف طريقة التفكير التي تُحَوِّل الدين إلى منظومة مغلقة تمنع السؤال وتُجرِّم الشك.

ينبني الكتاب على مجموعة من الدراسات التي تحاول، بمنهج علمي وعقلاني، تفكيك الأيديولوجيا الدينية السائدة، وكشف حضورها العميق في الوعي الفردي والجماعي، سواء بشكل صريح أو ضمني . وهنا تتجلى جرأة العظم، إذ لا يكتفي بوصف الظاهرة، بل يسعى إلى نقلها من مستوى “اللاوعي الثقافي” إلى مستوى التحليل النقدي المنظم، بما يسمح بإعادة التفكير فيها خارج منطق التقديس.

ومن أبرز أطروحات الكتاب، نقده الحاد لما يسميه “الذهنية الغيبية”، حيث يرى أن إرجاع الظواهر الطبيعية والاجتماعية إلى تفسيرات ميتافيزيقية يعطل العقل ويمنع تطور المعرفة. فالعظم لا يهاجم الدين كعقيدة، بل يهاجم توظيفه كأداة تفسير شاملة تُقصي العقل العلمي، وتحوّل النصوص إلى مرجع نهائي لا يقبل المراجعة أو النقاش .

غير أن قوة الكتاب تكمن أيضًا في طابعه الجدلي؛ إذ لم يكن مجرد عرض نظري، بل كان تدخلًا مباشرًا في معركة فكرية حادة داخل المجتمع العربي. فقد أثار نشره ضجة كبيرة، وصلت إلى حد محاكمة مؤلفه في بيروت بتهمة “الإساءة إلى الدين”، قبل أن يُبرَّأ باعتبار عمله يدخل في إطار حرية الفكر والبحث العلمي . وهذا الحدث وحده يكشف عن طبيعة الإشكال الذي يتصدى له الكتاب: صراع بين العقل النقدي وسلطة المقدس.

على المستوى المنهجي، يتبنى العظم مقاربة عقلانية علمانية تستلهم روح التنوير الأوروبي، حيث يرى أن التقدم لا يمكن أن يتحقق دون تحرير العقل من هيمنة التفسيرات الغيبية. وهو في ذلك يضع الفكر العربي أمام مرآة صادمة: فالتخلف، في نظره، ليس مجرد نتيجة لعوامل سياسية أو اقتصادية، بل هو أيضًا نتاج بنية فكرية ترفض المساءلة وتُقدِّس الموروث.

لكن هذا الطرح، رغم قوته، لم يسلم من النقد. فقد اعتبر بعض الباحثين أن العظم، في اندفاعه النقدي، لم يميز دائمًا بين الدين كإيمان روحي والفكر الديني كإنتاج بشري، بل وقع أحيانًا في تعميمات تُحمِّل الدين ذاته مسؤولية التخلف . كما أُخذ عليه انحيازه الواضح إلى النموذج العلمي الغربي بوصفه البديل الوحيد، دون مساءلة كافية لحدوده أو تناقضاته.

مع ذلك، فإن هذه الانتقادات لا تُنقص من القيمة التاريخية والفكرية للكتاب، بل تؤكد حيويته واستمرارية تأثيره. فـ“نقد الفكر الديني” ليس نصًا مغلقًا، بل هو نص مفتوح على الجدل، يطرح أسئلة أكثر مما يقدم إجابات نهائية، ويُحرِّض القارئ على إعادة التفكير في المسلَّمات.

إن أهمية هذا الكتاب اليوم لا تقل عن أهميته لحظة صدوره، بل ربما تزداد في ظل التحولات الراهنة التي تشهدها المجتمعات العربية، حيث لا يزال الصراع قائمًا بين قوى الحداثة وقوى التقليد، بين العقل والنقل، بين السؤال والإجابة الجاهزة. وفي هذا السياق، يبدو العظم وكأنه يكتب للحاضر أكثر مما كتب للماضي.

في النهاية، يمكن القول إن “نقد الفكر الديني” هو محاولة جذرية لإعادة تأسيس العلاقة بين الإنسان العربي والعقل، بين المعرفة والاعتقاد، بين الحرية والسلطة. إنه كتاب يُقلق، يُزعج، وربما يُستفز، لكنه في الوقت ذاته يُحرِّك المياه الراكدة، ويعيد الاعتبار لوظيفة الفكر بوصفه فعلًا نقديًا لا يخشى الاقتراب من المحرَّمات.

وهكذا، يظل صادق جلال العظم، من خلال هذا العمل، شاهدًا على لحظة فكرية نادرة، لحظة قرر فيها العقل العربي أن ينظر إلى نفسه بجرأة، حتى لو كان الثمن مواجهة الأسئلة التي طالما تم تأجيلها.



0 التعليقات: