الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأربعاء، أبريل 22، 2026

من القصيدة إلى الزنزانة تتقلص المسافة بين التعبير والعقاب: إعداد عبده حقي

 


بدا مشهد حقوق الإنسان، بين الجزائر وتونس وإفريقيا والاتحاد الأوروبي، وكأنه خريطة واحدة تتكرر فيها الأسئلة نفسها بأسماء مختلفة: من يملك الحق في الكلام؟ من يحمي المجتمع المدني؟ وأين تقف المؤسسات حين تصبح الحرية نفسها موضوع نزاع سياسي وقضائي؟ وإذا كانت الوقائع متباعدة جغرافياً، فإنها تتقاطع في معنى واحد تقريباً: اتساع التوتر بين خطاب الدولة، بمنطق الأمن أو السيادة أو الأخلاق العامة، وبين خطاب الحقوق، بمنطق الكرامة والحرية والمساءلة. وما يلي ليس حصراً لكل ما وقع، بل قراءة مركزة لأبرز التطورات التي برزت خلال الأيام السبعة الماضية في هذه المناطق الأربع.

في الجزائر، عاد ملف حرية التعبير إلى الواجهة من خلال تحذير جديد أصدرته منظمة العفو الدولية بشأن الشاعر محمد تجاديت، المعروف في الذاكرة السياسية الجزائرية باسم “شاعر الحراك”. المنظمة قالت إن الرجل محتجز تعسفياً منذ يناير 2025 بسبب ممارسته السلمية لحقه في التعبير والتجمع، وإنه ينتظر المحاكمة مع 12 ناشطاً آخرين في 30 أبريل 2026 على خلفية تهم تمس “أمن الدولة”، وهي تهم قد تفضي إلى عقوبات ثقيلة تصل، بحسب المنظمة، إلى الإعدام. أهمية هذا الخبر لا تكمن فقط في مصير شاعر بعينه، بل في رمزيته: فحين يصل الضغط إلى القصيدة، فهذا يعني أن السلطة لم تعد تخاف من التنظيم السياسي فقط، بل من اللغة نفسها حين تتحول إلى ذاكرة جماعية أو إلى شكل من أشكال الشهادة. وفي الجزائر، حيث ظل الحراك الشعبي واحداً من أهم التحولات السياسية في العقد الأخير، يبدو أن المعركة لم تعد فقط حول الشارع، بل حول من يملك حق تسمية ما جرى وما يجري.

أما في تونس، فقد قدم الأسبوع الماضي مثالاً جديداً على هشاشة حرية التعبير في المجالين الإعلامي والثقافي. فقد أفادت رويترز في 17 أبريل 2026 بأن محكمة تونسية أصدرت حكماً غيابياً بالسجن 18 شهراً على الممثل والكوميدي لطفي العبدلي بتهم شملت إهانة موظفين عموميين والإخلال بالأخلاق العامة، على خلفية عرض مسرحي قديم. العبدلي اعتبر الحكم استهدافاً لحرية الرأي والسخرية السياسية، في سياق أوسع يتسم، منذ 2021، بتنامي ملاحقة المعارضين والصحفيين والنشطاء. هذا التطور لا يُقرأ كقضية فنية معزولة، بل كجزء من مناخ يضيق فيه هامش النقد، حتى لو صدر في صيغة فكاهية أو ساخرة. ففي البلدان التي تفقد حساسية التمييز بين التهكم والجريمة، وبين الاعتراض والإساءة، يصبح المسرح نفسه ملفاً أمنياً، وتتحول الكلمة الساخرة إلى مادة قضائية.

وعلى المستوى الإفريقي، كانت الصورة أكثر اتساعاً وأشد قتامة. ففي بوركينا فاسو، أعلنت السلطات في 15 أبريل حل 118 منظمة وجمعية غير حكومية ومنع أنشطتها، من دون تقديم تبريرات مفصلة، وفق ما أكدته منظمة العفو الدولية بعد أيام قليلة من القرار. المنظمة وصفت الخطوة بأنها اعتداء صارخ على الحقوق الأساسية، وربطتها بسياق أوسع من التضييق، خصوصاً بعد حل الأحزاب السياسية مطلع هذا العام. ما يلفت في هذه الواقعة ليس عدد المنظمات فقط، بل طبيعة الرسالة: حين يُدفع المجتمع المدني كله إلى الهامش، لا يُغلق باب جمعية واحدة، بل يُغلق فضاء الوساطة بين المواطن والدولة، ويُترك المجال العام أقل قدرة على التنفس والمراقبة والاحتجاج.

وفي جنوب إفريقيا، دان خبراء أمميون في 15 أبريل مقتل المدافع عن حقوق الإنسان زويلي “خابازيلا” مخيزي، مؤكدين أن اغتياله يندرج ضمن نمط مستمر من العنف ضد نشطاء حركة “أباهلالي بيس مجوندولو” المدافعة عن حقوق السكان الفقراء في السكن والأرض. ووفق بيان الأمم المتحدة، كان مخيزي قد تعرض سابقاً لتهديدات بالقتل بسبب موقفه الرافض للبيع غير القانوني للأراضي المحلية. هذا الخبر يذكر بأن التهديدات الحقوقية في إفريقيا لا تأتي فقط من قاعات المحاكم أو نصوص القوانين، بل أحياناً من الرصاص نفسه. وحين يصبح المدافع عن الحق في الأرض هدفاً للتصفية، فإن المسألة تتجاوز الجريمة الفردية إلى بنية أعمق يكون فيها الدفاع عن الفقراء عملاً محفوفاً بالموت.

وفي السودان، ومع الذكرى الثالثة لاندلاع الحرب، أصدرت بعثتا تقصي الحقائق التابعتان للأمم المتحدة واللجنة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب تحذيراً مشتركاً من تصاعد العنف وارتفاع خطر ارتكاب مزيد من الجرائم الفظيعة. وأشارت الأمم المتحدة أيضاً إلى أن السودان يعيش إحدى أكبر أزمات النزوح في العالم، مع ملايين النازحين واللاجئين، في مشهد بات يختصر المأساة الإفريقية الكبرى: انهيار الحماية القانونية والإنسانية معاً في زمن الحرب الطويلة. لذلك، فإن الحديث عن إفريقيا في الأسبوع الماضي لا يمكن أن يُختزل في ملف واحد؛ إنه قوس يمتد من قمع الجمعيات إلى اغتيال المدافعين إلى الحرب التي تلتهم المدنيين وتنهك كل معنى للحق.

وفي الاتحاد الأوروبي، حمل الأسبوع الماضي تطورين بارزين. الأول قضائي ومفصلي: فقد قضت محكمة العدل الأوروبية في 21 أبريل بأن القيود المجرية على المحتوى المتعلق بمجتمع الميم تنتهك قانون الاتحاد الأوروبي وقيمه الأساسية، بما في ذلك الكرامة والمساواة وحرية التعبير. أهمية هذا الحكم أنه لا يخص هنغاريا وحدها، بل يضع معياراً أوروبياً أوضح في مواجهة التشريعات الوطنية التي تستعمل خطاب “حماية الأطفال” لتبرير التمييز والإقصاء. وهو أيضاً تذكير بأن حقوق الإنسان داخل الاتحاد الأوروبي ليست ملفاً خارجياً موجهاً إلى العالم فحسب، بل اختبار داخلي دائم لمدى التزام أوروبا بما تعلنه عن نفسها.

أما التطور الثاني فتمثل في تصاعد الضغط على الاتحاد الأوروبي لمراجعة، أو حتى تعليق، اتفاقه مع إسرائيل على خلفية الانتهاكات الحقوقية في غزة والضفة الغربية. وقد دعا خبراء أمميون في 20 أبريل إلى التعليق الفوري للاتفاق باعتباره “الحد الأدنى المطلوب”، مشيرين إلى اجتماع وزراء خارجية الاتحاد في لوكسمبورغ وإلى تنامي الضغط الشعبي والحقوقي داخل أوروبا. صحيح أن هذا الملف يتجاوز الحدود الجغرافية للاتحاد، لكنه يكشف وجهاً آخر من معضلة حقوق الإنسان الأوروبية: هل تستطيع بروكسل أن تكون حازمة في الداخل والخارج معاً، أم أن حسابات السياسة والمصالح ستظل تُنتج ازدواجية المعايير؟

الخلاصة أن حصيلة الأسبوع الماضي لا توحي بانفراج واسع، بل تكشف عن عالم حقوقي مضغوط من جهات متعددة: شاعر في الجزائر يواجه ثقلاً أمنياً بسبب كلماته، فنان في تونس يُحاكم لأن السخرية صارت شبهة، جمعيات تُحل في بوركينا فاسو، مدافعون يُقتلون في جنوب إفريقيا، حرب تُحطم السودان، وأوروبا نفسها تُختبر بين مبادئها وأزماتها. ما يجمع هذه الملفات كلها هو أن حقوق الإنسان لم تعد موضوعاً قانونياً محضاً، بل باتت مقياساً يومياً لصدقية السلطة وصدقية المؤسسات وصدقية المجتمع الدولي أيضاً.

 

0 التعليقات: