الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الخميس، يونيو 11، 2026

المنفى والغربة في شعر يحيى السماوي بقلم: عبد اللطيف الأرناؤوط


 لست أدري ـ على رغم ولعي بقراءة نتاج الشعر المعاصر ومتابعة الحركة الشعرية على دروب التقليد والحداثة ـ كيف شدّني شعر "يحيى السماوي" منذ صدور دواوينه الأولى، وأرغمني على الإعتراف بإبداعه، إذ من النادر أن أستسلم بيسر لشاعر أقرأ له للمرة الأولى. فمنذ قراءتي بواكير قصائده في مجموعته"قلبي على وطني "عام 1992 م وأنا أتابع مجموعاته الشعرية بشغف وإعجاب، وقد سيطر على وجداني معترفا أن العبقرية الشعرية تعلن عن نفسها دون أن تحتاج إلى مَن يمنحها صكّ الشهادة.. وربما تعود هذه القناعة التي توافرت لديّ إلى سببين... فالشاعر السماوي يُعَدُّ بجدارة، وارثا ً أصيلا ً لديباجة الشعر العربي القديم، وقد تمكن من فهم واستيعاب أسرار صنعتها الخفية وطبـّقها في شعره دون أن يجمد عند حدود القديم. فقد استعار من الحداثة جوهرها، وأبرز مقوماتها التي لا تجور على طبيعة الشعر العربي الموروث، ولا تهدر رسالة الشاعر في الإيصال لوضوحها وجلائها وبُعدها عن الشطط والتعقيد والتعتيم.. فكان شعره يمثل ما يمكن أن يرجوه القارئ من الدعوة إلى تحديث الشعر الذي كثر الجدل فيه تنظيرا، وأساء بعض مَن جارى تلك الدعوة فقلـّدَ الشعر الغربي مرتديا ثوبا مستعارا ـ والعارية مهما تزيّت فإنها تبقى غريبة نافرة عن ثوب الشعر العربي.

أما السبب الثاني فيعود إلى صدق الشاعر في كل ما أبدع، فقد عكس شعره حياته إنسانا ً مشردا هاربا من الديكتاتورية، لاجئا بعيدا عن وطنه المثخن بالجراح، ورمته وطنيته المخلصة على شواطئ الغربة، فلم يكتب إلآ بما يتصل بحياته ومحنة وطنه"العراق"، حتى عُدّتْ كل هذه العوامل محنته الذاتية، فكان في منفاه صورة عن وطنه المنفيّ من خريطة العالم.

يكفي أن نقرأ عناوين دواوينه لنعرف تفاصيل المحنة.. من هذه العناوين مثلا ً:"قلبي على وطني".."من أغاني المشرد".."جرح باتساع الوطن".."عيناك لي وطن ومنفى".."هذه خيمتي.. فأين الوطن؟ ".." أطبقت أجفاني عليك".."ألأفق نافذتي".."البكاء على كتف الوطن"فهي توحي بمضامينها كيف استحال الوطن وتجسّد في روحه حتى باتا معا ً وحدة ً لا انفصام فيها.ولا شك أن أدب المنافي ليس حكرا على السماوي أو بقية شعراء هذا العصر، فهو قديم في التراث العربي بصورتيه: المنفى الروحي النفسي، والمنفى الحياتي الجسدي والجغرافي كما هو ماثل في أدب المهاجر، وشعر شعراء القضية الفلسطينية. لكنه يتخذ عند السماوي تفرّدا ً خاصا ً لأن كل شعره وقفٌ عليه، ولم يُتـَحْ لشاعر أن يتناول ظاهرة المنفى وعذاباته بهذا العمق والإتساع، إذ استطاعت قريحته أن تعبر عن مأساة الغربة بمعنييها النفسي والجغرافي بأربع عشرة مجموعة شعرية دون أن يجترَّ ذاته أو يكرر صدى ترجيعها في نفسه. ومع أن هذه المجموعات تبدو كسيمفونية تعزف على نغم واحد، لكن يوجد في كل قصيدة من التنوّع والتلوين ما يمنحها جدّة وابتكارا، لأنها تنبع من معطيات نفسه الحزينة المكلومة ومن محنة شعب مضطهد، وتحكي سيرة عمر ٍ منذور لمحنة الوطن الذي أحبَّه، فأسلمه حبه العجيب إلى أكثر من منفى.

وكما رفض الشاعر الديكتاتورية والإستبداد والنظام الشمولي، فقد بقي مناضلا وطنيا رافضا الإذعان لمشيئة المحتلين الذين جعلوا من وطنه خربة ينعب فيها البوم ويمرع فيها الإرهاب. فالعراق مبدع الكتابة ووارث عظمة فكر الحضارات التي تعاقبت عليه، أمسى اليوم مسرحا ً لأكبر وأبشع عَـبَـث ٍ سياسي إجرامي تمارسه أقوى دولة في العالم.

لقد آثر الشاعر أن يعيش منفيا ً باختياره، يكتوي بالنار ذاتها التي يكتوي بها وطنه على أن يعود إليه ليعانق موتا ً لا معنى له... يقول:

تتمة المقال


0 التعليقات: