الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأحد، يونيو 07، 2026

أفضل 200 رواية عبر التاريخ اليوم مع رِوَايَةُ «مُرْتَفَعَاتُ وُذَرِنْغ» لِلرَّوَائِيَّةِ الإِنْجِلِيزِيَّةِ إِيمِيلِي بْرُونْتِي: إعداد عبده حقي


السَّلامُ عَلَيْكُمْ صَدِيقَاتِي وَأَصْدِقَائِي الأَوْفِيَاءُ.

أُرَحِّبُ بِكُمْ فِي حَلْقَةٍ جَدِيدَةٍ مِنْ بُودْكَاسْتِنَا الأَدَبِيِّ، حَيْثُ نَسَافِرُ الْيَوْمَ إِلَى وَاحِدَةٍ مِنْ أَعْجَبِ رَوَائِعِ الأَدَبِ الْعَالَمِيِّ، وَهِيَ رِوَايَةُ «مُرْتَفَعَاتُ وُذَرِنْغ» لِلرَّوَائِيَّةِ الإِنْجِلِيزِيَّةِ Emily Brontë إِيمِيلِي بْرُونْتِي. وَهِيَ الرِّوَايَةُ الْوَحِيدَةُ الَّتِي كَتَبَتْهَا، وَصَدَرَتْ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ سَنَةَ 1847

تَحْتَ اسْمٍ مُسْتَعَارٍ هُوَ «إِلِّيس بِل». وَرَغْمَ أَنَّهَا لَمْ تَلْقَ تَرْحِيبًا كَبِيرًا عِنْدَ صُدُورِهَا، فَإِنَّهَا أَصْبَحَتْ فِيمَا بَعْدُ مِنْ أَعْظَمِ الرِّوَايَاتِ فِي تَارِيخِ الأَدَبِ الإِنْجِلِيزِيِّ.

مُلَخَّصٌ سَرْدِيٌّ جَذَّابٌ

تَدُورُ أَحْدَاثُ الرِّوَايَةِ فِي الْمَرَاعِي وَالْمُرْتَفَعَاتِ الْبَرِّيَّةِ فِي مِنْطَقَةِ يُورْكْشِيرَ بِشَمَالِ إِنْجِلْتَرَا. هُنَاكَ يَعُودُ رَجُلٌ يُدْعَى لُوكْوُودْ لِيَسْتَأْجِرَ بَيْتًا قَرِيبًا مِنْ قَصْرٍ غَامِضٍ يُسَمَّى «مُرْتَفَعَاتُ وُذَرِنْغ». وَمِنْ خِلَالِ الْخَادِمَةِ نِيلِي دِينْ، يَكْتَشِفُ تَارِيخًا مُظْلِمًا مِنَ الْحُبِّ وَالْكَرَاهِيَةِ وَالانْتِقَامِ.

يَبْدَأُ الْأَمْرُ عِنْدَمَا يَجْلِبُ السَّيِّدُ إِيرْنْشُو طِفْلًا يَتِيمًا غَامِضَ الأَصْلِ يُدْعَى هِيثْكْلِيف. يَنْشَأُ الطِّفْلُ مَعَ ابْنَتِهِ كَاثْرِين، فَتَتَشَكَّلُ بَيْنَهُمَا عَلاقَةٌ مُعَقَّدَةٌ تَتَجَاوَزُ الصَّدَاقَةَ وَالْحُبَّ الْعَادِيَّ. لَكِنَّ الْفَوَارِقَ الطَّبَقِيَّةَ تَدْفَعُ كَاثْرِين إِلَى الزَّوَاجِ مِنَ الشَّابِّ الثَّرِيِّ إِدْغَار لِينْتُون، فَيَهْرُبُ هِيثْكْلِيف مُحَطَّمَ الْقَلْبِ.

وَعِنْدَمَا يَعُودُ بَعْدَ سَنَوَاتٍ، يَعُودُ مُحَمَّلًا بِالرَّغْبَةِ فِي الانْتِقَامِ. وَمِنْ هُنَا تَبْدَأُ مَأْسَاةٌ مُرَوِّعَةٌ تَمْتَدُّ إِلَى جِيلٍ كَامِلٍ، حَيْثُ يَتَحَوَّلُ الْحُبُّ إِلَى قُوَّةٍ تَدْمِيرِيَّةٍ تَأْكُلُ كُلَّ شَيْءٍ حَوْلَهَا.

الْخَلْفِيَّةُ التَّارِيخِيَّةُ وَالْفِكْرِيَّةُ

كَتَبَتْ إِيمِيلِي بْرُونْتِي رِوَايَتَهَا فِي الْعَصْرِ الْفِيكْتُورِيِّ، وَهُوَ عَصْرٌ كَانَ يُمَجِّدُ الأَخْلَاقَ وَالانْضِبَاطَ الاجْتِمَاعِيَّ. لَكِنَّ الرِّوَايَةَ جَاءَتْ صَادِمَةً لِمُعَاصِرِيهَا، لأَنَّهَا قَدَّمَتْ شَخْصِيَّاتٍ مُمَزَّقَةً وَعَوَاطِفَ مُتَطَرِّفَةً وَمَشَاهِدَ مِنَ الْقَسْوَةِ وَالانْتِقَامِ لَمْ يَكُنِ الْقُرَّاءُ مُعْتَادِينَ عَلَيْهَا.

وَتَنْتَمِي الرِّوَايَةُ إِلَى تَيَّارِ الأَدَبِ الْقُوطِيِّ، الَّذِي يَعْتَمِدُ عَلَى الأَجْوَاءِ الْغَامِضَةِ وَالطَّبِيعَةِ الْمُخِيفَةِ وَالصِّرَاعَاتِ النَّفْسِيَّةِ الْعَمِيقَةِ. وَفِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ تَحْمِلُ أَثَرًا وَاضِحًا مِنَ الرُّومَانْسِيَّةِ الَّتِي تَحْتَفِي بِالْعَاطِفَةِ الْجَيَّاشَةِ وَالطَّبِيعَةِ الْمُتَوَحِّشَةِ.

كَذَلِكَ تَأَثَّرَتِ الرِّوَايَةُ بِحَيَاةِ الْكَاتِبَةِ نَفْسِهَا، فَقَدْ عَرَفَتْ أُسْرَةُ بْرُونْتِي مَآسِيَ مُتَعَدِّدَةً وَفَقْدَانًا مُبَكِّرًا لِلأَقَارِبِ، وَهُوَ مَا يَفْسِّرُ حُضُورَ الْمَوْتِ وَالْوَحْدَةِ وَالْحِنِينِ فِي أَغْلَبِ صَفَحَاتِ الرِّوَايَةِ.

لِمَاذَا اعْتُبِرَتْ رِوَايَةً خَالِدَةً؟

لأَنَّهَا لَا تُقَدِّمُ قِصَّةَ حُبٍّ تَقْلِيدِيَّةً، بَلْ تُقَدِّمُ تَشْرِيحًا عَمِيقًا لِلنَّفْسِ الْبَشَرِيَّةِ. فَهِيثْكْلِيف وَكَاثْرِين لَيْسَا بَطَلَيْنِ مِثَالِيَّيْنِ، بَلْ شَخْصِيَّتَانِ مُمْتَلِئَتَانِ بِالتَّنَاقُضَاتِ وَالضَّعْفِ وَالْجُنُونِ.

كَذَلِكَ تَتَنَاوَلُ الرِّوَايَةُ قَضَايَا مَا زَالَتْ حَيَّةً إِلَى الْيَوْمِ: الْهُوِيَّةُ، وَالصِّرَاعُ الطَّبَقِيُّ، وَالانْتِقَامُ، وَتَوَارُثُ الصَّدَمَاتِ عَبْرَ الأَجْيَالِ. وَلِهَذَا يَجِدُ فِيهَا كُلُّ جِيلٍ مَعْنًى جَدِيدًا وَقِرَاءَةً مُخْتَلِفَةً.

أَثَرُهَا فِي الأَدَبِ وَالسِّينِمَا وَالْفَلْسَفَةِ

لَقَدْ أَثَّرَتْ «مُرْتَفَعَاتُ وُذَرِنْغ» فِي أَجْيَالٍ مِنَ الرُّوَائِيِّينَ وَالنُّقَّادِ. وَيَرَى كَثِيرُونَ أَنَّهَا سَبَقَتْ زَمَنَهَا فِي تَصْوِيرِهَا لِلتَّعْقِيدِ النَّفْسِيِّ وَلِلعَلاقَاتِ السَّامَّةِ وَالْمُدَمِّرَةِ

أَمَّا فِي السِّينِمَا، فَقَدْ تَحَوَّلَتِ الرِّوَايَةُ إِلَى عَدَدٍ كَبِيرٍ مِنَ الأَفْلَامِ وَالْمُسَلْسَلَاتِ فِي بُلْدَانٍ مُخْتَلِفَةٍ. وَمَا زَالَ الْمُخْرِجُونَ يَعُودُونَ إِلَيْهَا بَحْثًا عَنْ ذَلِكَ الْمَزِيجِ النَّادِرِ مِنَ الْعِشْقِ وَالظَّلَامِ وَالْمَأْسَاةِ.

وَفِي الْفَلْسَفَةِ وَعِلْمِ النَّفْسِ، تُقْرَأُ الرِّوَايَةُ بَوْصْفِهَا دِرَاسَةً لِقُوَّةِ الرَّغْبَةِ وَالْهَوِيَّةِ وَالانْتِقَامِ، وَكَيْفَ يُمْكِنُ لِلْحُبِّ أَنْ يَتَحَوَّلَ إِلَى سِجْنٍ نَفْسِيٍّ يُدَمِّرُ صَاحِبَهُ.

اقْتِبَاسٌ شَهِيرٌ مِنَ الرِّوَايَةِ

مِنْ أَشْهَرِ الْعِبَارَاتِ الَّتِي وَرَدَتْ فِي الرِّوَايَةِ عَلَى لِسَانِ كَاثْرِين:

«إِنَّهُ أَكْثَرُ شَبَهًا بِي مِنِّي أَنَا نَفْسِي. وَمَهْمَا تَكُنِ الْمَادَّةُ الَّتِي صُنِعَتْ مِنْهَا أَرْوَاحُنَا، فَإِنَّ رُوحَهُ وَرُوحِي وَاحِدَةٌ

وَهِيَ جُمْلَةٌ اخْتَزَلَتْ جَوْهَرَ الرِّوَايَةِ كُلَّهَا، ذَلِكَ الاتِّحَادَ الْغَامِضَ بَيْنَ رُوحَيْنِ لَا تَسْتَطِيعَانِ الْعَيْشَ مَعًا وَلَا الاسْتِغْنَاءَ عَنْ بَعْضِهِمَا.

رَأْيِي الشَّخْصِيُّ كَكَاتِبٍ

كُلَّمَا عُدْتُ إِلَى «مُرْتَفَعَاتِ وُذَرِنْغ» أَشْعُرُ أَنَّنِي أَمَامَ عَاصِفَةٍ أَدَبِيَّةٍ لَا تَهْدَأُ. فَهِيَ لَيْسَتْ رِوَايَةً لِلْقِرَاءَةِ السَّرِيعَةِ، بَلْ تَجْرِبَةٌ وُجْدَانِيَّةٌ عَمِيقَةٌ تُجْبِرُ الْقَارِئَ عَلَى مُوَاجَهَةِ أَسْئِلَتِهِ عَنِ الْحُبِّ وَالْغَيْرَةِ وَالانْتِقَامِ وَالْمَصِيرِ.

وَمَا يُبْهِرُنِي فِيهَا أَنَّ إِيمِيلِي بْرُونْتِي، وَهِيَ شَابَّةٌ مَغْمُورَةٌ تَعِيشُ فِي عُزْلَةٍ رِيفِيَّةٍ، اسْتَطَاعَتْ أَنْ تَكْتُبَ نَصًّا مَا زَالَ بَعْدَ أَكْثَرَ مِنْ قَرْنٍ وَنِصْفٍ يُثِيرُ الْجَدَلَ وَالإِعْجَابَ وَالتَّأْوِيلَ.

أَعِزَّائِي الْمُسْتَمِعِينَ، أَتَمَنَّى أَنْ تَكُونُوا قَدِ اسْتَمْتَعْتُمْ بِهَذِهِ الرِّحْلَةِ فِي عَالَمِ «مُرْتَفَعَاتِ وُذَرِنْغ». وَفِي الْحَلْقَةِ الْمُقْبِلَةِ سَنَسَافِرُ إِلَى رِوَايَةٍ أُخْرَى مِنْ رَوَائِعِ الأَدَبِ الْعَالَمِيِّ، لِنَكْتَشِفَ مَعًا أَسْرَارَهَا وَحِكَايَاتِهَا وَظِلَالَهَا الْخَالِدَةَ.

إِلَى اللِّقَاءِ.
تَوْقِيع: الكاتب المغربي عَبْدُو حَقِّي

 

0 التعليقات: