الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الثلاثاء، يوليو 28، 2026

وصفة لعلاج الإسهال في النشر على فيسبوك: عبده حقي


يستيقظ بعض الناس في الصباح، فيغسلون وجوههم ويشربون قهوتهم ويذهبون إلى أعمالهم. أما المصابون بحمّى الظهور على «فيسبوك» فيستيقظون ليتأكدوا أولًا من أن العالم ما زال قادرًا على رؤية صورهم وآرائهم وحِكمهم التي لا تنتهي. وقبل أن يغادر الواحد منهم فراشه، يكون قد نشر تحية الصباح، وصورة فنجان القهوة، ودعاءً منقولًا، ومقولة فلسفية لا يعرف صاحبها، وخبرًا لم يقرأ منه سوى العنوان، ثم ختم هذه المأدبة الرقمية بسؤال وجودي عميق من قبيل: «أين الأصدقاء الأوفياء؟».

هذه الظاهرة التي يمكن تسميتها، بلا كثير من المجاملة، «الإسهال في النشر»، لا علاقة لها بغزارة الإبداع ولا بفيض المعرفة، بل هي اندفاع قهري نحو ملء الشاشة بأي شيء، ولو كان الشيء لا يقول شيئًا. المهم أن يظهر الاسم، وأن تتحرك صورة الحساب، وأن يتذكر الناس أن صاحب الصفحة لا يزال حيًّا، حاضرًا، مستعدًّا للتعليق على كل قضية من أسعار الطماطم إلى مستقبل الذكاء الاصطناعي، ومن نتائج كرة القدم إلى أسرار السياسة الدولية.

صاحب الإسهال الرقمي لا يحتاج إلى فكرة كي يكتب، بل يحتاج فقط إلى اتصال بالإنترنت. الفكرة عنده ترف يمكن الاستغناء عنه، أما النشر فواجب يومي مقدّس لا يجوز تأجيله. فإذا لم يجد موضوعًا، نشر أنه لا يجد موضوعًا. وإذا لم يكن لديه رأي، نشر رأي شخص آخر من دون ذكر اسمه. وإذا عجز عن إنتاج جملة مفيدة، التقط صورة لقدميه أو لطبق الطعام، وأضاف إليها عبارة غامضة مثل: «الصمت أبلغ من الكلام»، ثم انتظر التعليقات متظاهرًا بأنه لا ينتظر شيئًا.

إنه كائن شديد الحساسية تجاه الغياب؛ يخشى أن يمرّ نصف يوم من دون أن يظهر في الصفحة الرئيسية للآخرين، وكأن انقطاعه عن النشر سيؤدي إلى تعطّل دوران الأرض أو انهيار البورصات العالمية. لذلك يواصل ضخ المنشورات بلا رحمة، لا رحمة بنفسه ولا بأصدقائه ولا باللغة العربية التي تتحمّل منه يوميًّا ما لم تتحمّله من قرون الغزو والاستعمار.

تراه في الصباح واعظًا يحدّث الناس عن الزهد والتواضع، ثم ينشر بعد ساعة عشر صور له من زوايا مختلفة. وفي الظهيرة يتحوّل إلى محلل سياسي يمتلك معلومات سرية لا تعرفها أجهزة الاستخبارات، ثم يصير مساءً ناقدًا أدبيًّا يصدر الأحكام على الشعر والرواية، قبل أن يختم يومه بصورة قطة نائمة وعبارة: «تصبحون على وطن». إنه مؤسسة إعلامية متكاملة، لكن من دون محررين، ومن دون مصادر، ومن دون مسؤولية، وفي كثير من الأحيان من دون موضوع.

ولا يكتفي صاحبنا بأن ينشر مرة واحدة. فالمنشور عنده يشبه المنشور الانتخابي؛ يجب توزيعه في كل مكان. يكتبه على صفحته، ثم ينسخه في عشرين مجموعة، ويرسله إلى أصدقائه عبر الرسائل الخاصة، ويضع رابطه في التعليقات تحت منشورات لا علاقة لها به، ثم يسأل مستغربًا: لماذا أصبح الناس يتجاهلونني؟

الجواب بسيط، لكنه مؤلم: لأن الناس لم يعودوا يرون في منشوراته كلامًا يستحق القراءة، بل يرون حنفية مكسورة لا تتوقف عن التسريب.

فالإفراط في النشر لا يصنع حضورًا، بل يصنع نوعًا من العمى لدى المتلقي. عندما يرى القارئ اسم الشخص نفسه عشرات المرات في اليوم، يتعلم تلقائيًّا أن يتجاوزه. يصبح الاسم مثل إعلان مزعج يحفظه الناس من كثرة تكراره، لكنهم لا يرغبون في معرفة ما يقدمه. وهكذا يتحوّل صاحب الحساب، وهو يظن نفسه نجمًا رقميًّا، إلى جزء من أثاث المنصّة؛ موجود دائمًا، لكن لا أحد ينتبه إليه.

المفارقة أن هؤلاء يعتقدون أن كثرة المنشورات دليل على كثرة الأفكار. والحقيقة أن الفكرة الجيدة تحتاج إلى وقت، أما الكلام الفارغ فيتكاثر بسرعة مذهلة. الأفكار الناضجة تشبه الأشجار؛ تنمو ببطء وتحتاج إلى رعاية. أما المنشورات المتعجلة فتشبه الأعشاب الطفيلية؛ تظهر في كل زاوية ولا ينتفع بها أحد.

هناك من ينشر خمسين تدوينة في يوم واحد، ثم يعرّف نفسه في سيرته بأنه «كاتب ومفكر وباحث». وأمام هذا السيل الجارف، لا يملك القارئ إلا أن يتساءل: متى يفكر هذا المفكر؟ متى يقرأ هذا الباحث؟ ومتى يراجع هذا الكاتب ما يكتب، ما دام منشغلًا طوال النهار بتصوير حياته وإحصاء الإعجابات والرد على القلوب الحمراء؟

الكتابة الحقيقية تحتاج إلى شيء يكرهه ناشر «فيسبوك» المحترف: الصمت. تحتاج إلى أن تبقى الفكرة في الرأس قليلًا، وأن تُختبر وتُراجع وتُحذف منها الزوائد. لكن صاحبنا يرى الحذف جريمة، ويرى المسودّة إهانة لكرامته الإبداعية. كل ما يخطر بباله صالح للنشر الفوري، من ذكرياته العائلية إلى خلافاته الشخصية، ومن نصائحه الطبية إلى توقعاته السياسية. إنه لا يمتلك مسودّات، لأن الجمهور عنده هو المسودّة.

وقد ساهمت خوارزميات المنصّة في صناعة هذا النموذج من الإنسان الذي يكتب ليراه النظام لا ليقرأه البشر. فالخوارزمية تكافئ الحركة، ولا تسأل عن القيمة. هي لا تميّز بين قصيدة عظيمة وإشاعة سخيفة، ولا بين تحليل عميق وصورة شخص يخرج لسانه أمام المرآة. كل ما يهمها أن يبقى المستخدم نشيطًا، وأن يستمر الآخرون في التحديق داخل الشاشة.

وهكذا تحوّل بعض الناس إلى عمّال مجانيين في مصانع المحتوى؛ ينتجون طوال اليوم مواد تساعد المنصّة على جني الأرباح، ثم يحتفلون بحصولهم على مئة إعجاب كأنهم نالوا جائزة «نوبل». ينشر الواحد منهم أسراره وصوره وغضبه ومصالحاته وخصوماته، بينما تجمع المنصّة البيانات وتحصد المال، ويعود هو إلى فراشه سعيدًا لأن شخصًا مجهولًا كتب له: «كلام راقٍ».

أما الكارثة الكبرى فتقع عندما ينتقل الإسهال في النشر إلى الأدب. فبعض الكتّاب الجدد لا يكتبون نصوصًا، بل يديرون خطوط إنتاج. قصيدة عند الفجر، وقصة قصيرة بعد الإفطار، وتأمل فلسفي في الظهيرة، ونقد للرواية العربية بعد العصر، ثم فصل من رواية قبل النوم. وفي نهاية الشهر يجمعون هذا الركام في كتاب، ويضعون على غلافه صورة متجهّمة، ويكتبون تحته: «الطبعة الأولى».

الأدب عندهم ليس بحثًا عن اللغة والمعنى، بل سباق في عدد الصفحات والمنشورات والإصدارات. لا وقت للمراجعة، ولا للحذف، ولا لإعادة الكتابة؛ فهناك جمهور افتراضي يجب إطعامه كل ساعة. وإذا أشار ناقد إلى ضعف النص، اتُّهم بالحسد والمؤامرة ومحاربة المواهب الصاعدة. فالمؤلف الرقمي لا يريد قارئًا يناقشه، بل يريد جمهورًا يصفق له ويكتب تحت كل منشور: «أبدعت»، حتى لو كان المنشور إعلانًا عن انقطاع الماء.

إن عبارة «أبدعت» نفسها صارت من ضحايا هذه الظاهرة. تُكتب تحت القصيدة الرديئة والصورة المشوشة والخبر الكاذب والطرفة المسروقة. ولم تعد تعني أن صاحب المنشور أبدع فعلًا، بل تعني غالبًا: «لقد مررت من هنا، وعليك الآن أن تزور صفحتي وتردّ المجاملة». إنها تجارة إعجابات لا علاقة لها بالنقد أو التقدير، سوق عكاظ رقمي يبيع فيه الناس المديح مقابل المديح.

ومن أكثر مشاهد هذه الظاهرة طرافة أن يكتب أحدهم منشورًا طويلًا يهاجم فيه الباحثين عن الشهرة، ثم يضع صورته في أعلى المنشور، ويشير إلى عشرات الأصدقاء، وينشر النص في جميع المجموعات، ويغضب إذا لم يحصل على التفاعل الكافي. إنه يكره الشهرة حقًّا، لكنه يكره أكثر أن يشتهر غيره.

هناك أيضًا ذلك النوع الذي يكتب كل ساعتين أنه سيغادر «فيسبوك» نهائيًّا. يودّع أصدقاءه بحرارة، ويطلب منهم الصفح، ويعلن أن المنصّة أصبحت مكانًا مسمومًا لا يليق بروحه النبيلة. ثم يعود بعد ثلاثين دقيقة بمنشور يقول فيه: «عدت نزولًا عند رغبة الأحبة». والحقيقة أنه لم يذهب إلى أي مكان؛ كان طوال الوقت يراقب التعليقات ليتأكد من أن غيابه المعلن أحدث الزلزال المنتظر.

ولا تكتمل المأساة إلا بمنشورات الشكوى من قلة التفاعل. يكتب الشخص: «أين اختفى الأصدقاء؟ لماذا لا تدعمون المحتوى الهادف؟». وكأن المتابعين موظفون في وزارته، يتقاضون أجورهم مقابل وضع الإعجابات. لا يخطر بباله أن المشكلة ربما تكون في المحتوى نفسه، أو في تكراره، أو في أنه استهلك صبر الناس إلى آخر قطرة. فهو يرى أن منشوراته ممتازة بحكم صدورها عنه، وأن القارئ مذنب حتى تثبت براءته.

ليس المطلوب أن يصمت الناس، ولا أن يتحوّل «فيسبوك» إلى أكاديمية فلسفية مغلقة. المنصّات فضاءات حرة، ومن حق أي شخص أن ينشر فطوره وغداءه وأفكاره وحتى لحظات ملله. لكن الحرية لا تلغي الذوق، والنشر لا يلغي المسؤولية، والحضور المستمر لا يعني التأثير.

يمكن للمرء أن يكون حاضرًا بمنشور واحد جيد أكثر من شخص ينشر مئة مرة في اليوم. فالكلمة ليست طابورًا عسكريًّا تنتصر بكثرة جنوده، بل طاقة تقاس بقدرتها على النفاذ إلى العقل والوجدان. وكلما كثرت الكلمات بلا ضرورة، ضعفت هيبتها، وصار القارئ يتعامل معها كما يتعامل مع أصوات أبواق السيارات: ضجيج يسمعه لكنه لا يصغي إليه.

نحن بحاجة إلى شيء من الحمية الرقمية، وإلى صيام اختياري عن النشر، لا لمعاقبة أنفسنا، بل لإنقاذ ما تبقى من قيمة الكلام. نحتاج إلى أن نسأل قبل الضغط على زر «نشر»: هل في هذا المنشور ما يستحق وقت الآخرين؟ هل أضيف فكرة، أم أكرر ما قيل آلاف المرات؟ هل أكتب لأن لدي شيئًا أقوله، أم لأنني لا أحتمل أن أكون غائبًا عن الأنظار؟

ليس كل خاطر حكمة، وليس كل صورة حدثًا، وليس كل انفعال موقفًا سياسيًّا، وليس كل من يملك حسابًا كاتبًا. كما أن الصمت لا يعني الإفلاس الفكري؛ فقد يكون أحيانًا آخر دليل على أن العقل ما زال يعمل.

إن «الإسهال في النشر» ليس غزارة، بل عجز عن التوقف. وليس تواصلًا، بل خوف من النسيان. وليس إبداعًا، بل استعراض يومي للذات أمام مرآة رقمية تمنح صاحبها قلبًا أحمر كلما اقترب منها.

والحقيقة التي يصعب على مدمني النشر قبولها هي أن العالم يستطيع أن يواصل يومه من دون معرفة نوع قهوتهم، ومكان جلوسهم، وآخر خلافاتهم، ورأيهم العاجل في كل شيء. بل لعل العالم، في بعض الحالات، يصبح أكثر هدوءًا واتزانًا وجمالًا إذا أخذوا استراحة قصيرة، وتركوا الكلمات تتنفس، وسمحوا للمتابعين بأن يشتاقوا إليهم قليلًا.

فمن يكتب دائمًا لا يُقرأ دائمًا، ومن يصرخ طويلًا يتحوّل صوته إلى خلفية، ومن ينشر كل شيء لا يترك في النهاية شيئًا يستحق التذكّر.

عبده حقي


0 التعليقات: