الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

السبت، سبتمبر 12، 2026

متى أصبحت تجارة الملابس النسائية امتحانًا للأخلاق والتدين؟ عبده حقي


لا أعرف متى تحوّل متجر صغير للملابس الداخلية النسائية في المغرب إلى ساحة امتحان للأخلاق والعقيدة والرجولة والحياء، ولا أعرف متى أصبح الرجل الذي يقف خلف طاولة يبيع حمالات الصدر والسراويل الداخلية مطالبًا بأن يبرهن للمجتمع على سلامة نياته قبل أن يفتح صندوق النقود. لكنني أعرف شيئًا واحدًا: نحن بارعون، إلى حد يثير الدهشة، في تحويل أبسط تفاصيل الحياة اليومية إلى معارك هوية، وفي نقل النقاش من الاقتصاد والعمل والبطالة والكرامة إلى مراقبة الناس في أرزاقهم، وقياس تدينهم انطلاقًا من السلعة التي يبيعونها.

الجدل الذي اندلع أخيرًا حول بيع الرجال للملابس الداخلية النسائية قد يبدو للوهلة الأولى موضوعًا هامشيًا، وربما مضحكًا عند البعض، لكنه في الحقيقة يكشف طبقة عميقة من التوتر داخل مجتمعنا. فنحن ما زلنا عاجزين عن الفصل بين ما هو شخصي وما هو عام، وبين ما هو ديني وما هو مهني، وبين ما يدخل في باب الاختيار الفردي وما نريد أن نحوله إلى قاعدة أخلاقية ملزمة للجميع.

أنا أتفهم تمامًا امرأة تقول إنها تشعر بالحرج عندما تشتري ملابس داخلية من رجل. هذا شعورها، ولا أحد يملك الحق في السخرية منه أو انتزاعه منها. بل من حقها أن تبحث عن متجر تديره نساء، وأن تختار المكان الذي يمنحها مزيدًا من الخصوصية والراحة. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا الشعور الفردي إلى فتوى اجتماعية، وعندما يصبح المطلوب ليس فقط أن تختار المرأة متجرًا آخر، بل أن يُدان الرجل لأنه يبيع هذه السلع أصلًا.

هنا أطرح السؤال ببساطة: ما الجريمة في أن يبيع رجل منتجًا نسائيًا؟ هل تختفي الأخلاق بمجرد أن يدخل الرجل محل ملابس داخلية؟ وهل يصبح التدين موضع شك إذا كان مصدر الرزق يتصل بجسد المرأة؟ ثم ماذا نقول عن الرجل الذي يبيع مستحضرات التجميل النسائية؟ وعن الصيدلي الذي يبيع الأدوية المتعلقة بصحة النساء؟ وعن الطبيب الرجل الذي يعالج مريضة؟ وعن الخياط الذي يفصل فستانًا نسائيًا؟ وعن العامل في مصنع ينتج هذه الملابس؟ وعن السائق الذي ينقلها، والمحاسب الذي يحسب أثمانها، وصاحب الشركة الذي يستوردها؟

إذا فتحنا هذا الباب، فلن نعرف أين نغلقه.

إنني أرى أن أخطر ما في هذا النقاش ليس موضوع الملابس الداخلية نفسه، بل تلك الرغبة المتنامية في تحويل التدين إلى شرطة اجتماعية صغيرة تراقب تفاصيل حياة الآخرين. بعضنا لا يكتفي بأن يكون متدينًا بالطريقة التي يراها مناسبة له، بل يريد أن يقيس تدين الآخرين أيضًا: هذا عمله يناسب المظهر الذي يضعه على وجهه، وذاك عمله لا يناسب لحيته، وهذا متجره ينسجم مع لباسه، وذاك لا ينسجم. وكأن الدين بطاقة مهنية تحدد للإنسان لائحة السلع التي يجوز له أن يبيعها.

وهذا في رأيي منزلق خطير، لأننا حين نحول المظهر الديني إلى معيار لتقييم النشاط الاقتصادي فنحن لا نخدم الدين، بل نحوله إلى أداة رقابة اجتماعية وتشهير. الرجل الذي يحمل سمات تدين ظاهرة ليس مطالبًا بأن يعيش وفق الصورة التي رسمها له الآخرون في أذهانهم. ومن حقه أن يعمل في تجارة قانونية، ما دام يحترم الزبونات ويتصرف بلياقة ولا ينتهك خصوصيتهن.

ثم هناك الجانب الاقتصادي الذي لا ينبغي تجاهله. نحن بلد يعاني البطالة والهشاشة وصعوبة الحصول على فرص الشغل، ونعرف جيدًا أن آلاف الأسر تعيش من تجارة صغيرة أو محل متواضع أو بسطة في سوق شعبي. فهل أصبح المطلوب من صاحب المحل، بعدما واجه الغلاء والضرائب والكراء وضعف القدرة الشرائية والمنافسة الإلكترونية، أن يضيف إلى قائمة مشكلاته اختبارًا اجتماعيًا جديدًا: هل السلعة التي يبيعها مناسبة لجنسه أم لا؟

أي منطق هذا؟

أنا أفضل أن أرى رجلًا يعمل ويكسب رزقه من تجارة مشروعة على أن أراه عاطلًا ينتظر الإعانة أو يستدين من الناس. وأفضل أن يكون السوق مفتوحًا للكفاءة والعمل بدل أن نقسم المهن إلى محظورة اجتماعيًا على الرجال أو النساء بناء على حساسيات شخصية.

هذا لا يعني تجاهل راحة الزبونة. على العكس، التجارة الذكية تعرف أن الزبون ليس مجرد محفظة نقود، بل إنسان له خصوصيته وتفضيلاته. ولذلك من الطبيعي أن تفكر متاجر الملابس الداخلية النسائية في تشغيل بائعات، خصوصًا في الأقسام التي تتطلب شرح المقاسات أو تفاصيل أكثر حساسية. وهذا ليس انتصارًا للأخلاق على التجارة، بل هو ببساطة حسن تدبير تجاري.

يمكن للمحل أن يوفر بائعة، ويمكنه أن يضع جداول واضحة للمقاسات، ويمكنه أن يجعل اختيار المنتجات أكثر استقلالية، ويمكنه أن يوفر فضاء يضمن للمرأة الراحة. كل ذلك حلول عملية ومحترمة. لكن أن ننتقل من تحسين الخدمة إلى تجريم البائع أخلاقيًا، فهذه قفزة لا أراها مقبولة.

والأغرب أن بعض النقاشات حول هذه المسألة تتعامل مع الملابس الداخلية كأنها شيء يقع خارج الحياة الطبيعية، مع أنها سلعة مثل آلاف السلع، لها مصانع وشركات وأسواق وعمال ومصممون وموزعون. الفرق الوحيد أنها مرتبطة بخصوصية الجسد، وهذا يفرض آدابًا في البيع والشراء، لا حظرًا على جنس البائع.

المشكلة في رأيي أننا أحيانًا نعاني من انفصام غريب. نقبل أن تقتحم الإعلانات أجساد النساء في الشوارع والهواتف والشاشات، ونتعامل يوميًا مع تجارة إلكترونية عالمية تعرض كل شيء بلا حرج، ثم نستيقظ فجأة لنعتبر وجود بائع رجل داخل متجر محلي أزمة أخلاقية تهدد المجتمع. أليس هذا تناقضًا؟

إذا كنا حقًا نريد حماية كرامة المرأة، فهناك ملفات أكثر استعجالًا: التحرش في الشارع، العنف، التمييز في العمل، صعوبة الوصول إلى بعض الخدمات، الابتزاز الإلكتروني، الاستغلال الاقتصادي. هذه معارك حقيقية تستحق كل هذا الغضب. أما اختزال كرامة المرأة في جنس الشخص الذي يبيع لها قطعة قماش، فهو في نظري تبسيط شديد لمسألة الكرامة.

أنا لا أطالب امرأة بأن تتخلى عن حيائها، ولا أطالبها بأن تتعامل مع بائع لا ترتاح إليه. أطالب فقط بأن نحترم الاختيار في الاتجاهين: للمرأة حق اختيار المحل الذي ترتاح إليه، وللتاجر حق ممارسة عمل قانوني من دون أن يوضع إيمانه وأخلاقه على طاولة المحاكمة كل صباح.

لقد أصبحنا في زمن تتغير فيه المهن بسرعة. النساء دخلن مجالات كانت تعتبر قبل عقود حكرًا على الرجال، والرجال يعملون اليوم في مجالات كانت مرتبطة اجتماعيًا بالنساء. وهذا طبيعي في مجتمع يتحول اقتصاديًا وثقافيًا. وإذا بدأنا نرسم حدودًا جندرية لكل وظيفة، سنعود إلى سوق يقسم البشر لا على أساس الكفاءة، بل على أساس تصورات جامدة عما «يناسب» الرجل وما «يناسب» المرأة.

والسؤال الذي يزعجني أكثر: لماذا نصر دائمًا على البحث عن الأخلاق في التفاصيل الصغيرة ونغفل عنها في القضايا الكبرى؟ نسأل عن أخلاق بائع ملابس داخلية، لكننا لا نسأل بالحدة نفسها عن أخلاق الاحتكار، والغش، ورفع الأسعار، واستغلال العمال، والتهرب الضريبي، والرشوة. أليس من المفارقة أن يصبح نوع السلعة أخطر في نظر البعض من طريقة تحصيل المال؟

بالنسبة إلي، الأخلاق في التجارة بسيطة: لا تغش، لا تتحرش، لا تخدع، لا تستغل حاجة الناس، احترم الزبون، احترم الخصوصية، واحصل على رزقك بعمل مشروع. بعد ذلك لا يهمني إن كنت تبيع قميصًا أو حذاء أو عطرًا أو ملابس داخلية.

قد يبدو العنوان ساخرًا: «سروال داخلي يشعل المغرب». لكنه يلخص شيئًا من واقعنا: نحن قادرون على إشعال معارك هائلة حول أشياء صغيرة لأن الأشياء الصغيرة تصبح أحيانًا ذريعة لمناقشة من يملك حق تعريف الأخلاق.

وأنا أرفض أن يحتكر أحد هذا الحق.

الأخلاق ليست نوع السلعة على الرف، والتدين ليس قائمة بالمهن المسموح بها، والحياء لا يحتاج إلى وصاية جماعية. ما نحتاجه هو مجتمع يمنح الناس حق الاختيار ويحمي الخصوصية ويحترم العمل.

أما تحويل كل متجر إلى محكمة وكل بائع إلى متهم وكل تفصيل شخصي إلى قضية رأي عام، فلن يجعلنا أكثر تدينًا ولا أكثر احترامًا للمرأة.

سيجعلنا فقط أكثر انشغالًا بمراقبة بعضنا بعضًا، وأقل اهتمامًا بالمشكلات التي تستحق فعلًا أن نغضب من أجلها.



0 التعليقات: