الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

السبت، سبتمبر 12، 2026

حان وقت معركة المعرفة حول سبتة ومليلية: عبده حقي


حين تعلن مؤسسة فكر للتنمية والثقافة والعلوم عن تنظيم ندوة وطنية حول سبتة ومليلية والجزر المتوسطية بعيون أكاديمية، فأنا لا أرى في الأمر مجرد موعد ثقافي جديد يضاف إلى رزنامة الندوات والمؤتمرات، بل أراه إشارة إلى بداية تحول ضروري في طريقة تعاطينا مع واحد من أكثر الملفات حساسية وتعقيدًا في العلاقات المغربية الإسبانية. لقد ظل موضوع سبتة ومليلية والجزر المتوسطية طويلًا أسير البلاغات السياسية، وردود الفعل الإعلامية، والمواقف الظرفية التي تشتعل عند الأزمات ثم تخفت بمجرد استعادة العلاقات الدبلوماسية هدوءها. وهذه في تقديري واحدة من أكبر نقاط الضعف التي ينبغي للمغرب أن يتجاوزها.

أنا أعتقد أن القضايا السيادية الكبرى لا تُدار فقط داخل وزارات الخارجية، ولا تُحسم فقط في اللقاءات المغلقة بين المسؤولين، ولا يكفي فيها أن نكرر المواقف الرسمية نفسها كلما اندلع خلاف مع مدريد. المعركة الحديثة حول الأرض والتاريخ والشرعية والسيادة أصبحت كذلك معركة كتب، وخرائط، وأرشيفات، وأبحاث جامعية، ومراكز تفكير، ومقالات علمية، ومؤتمرات دولية، وشبكات من الباحثين القادرين على نقل القضية من الخطاب الوطني الداخلي إلى فضاء النقاش الأكاديمي الدولي.

ومن هنا أرى أن أهمية الندوة تتجاوز كثيرًا حدود الحدث نفسه. فمجرد وضع سبتة ومليلية والجزر المتوسطية تحت مجهر البحث الأكاديمي يعني أن الملف لم يعد ينبغي أن يُعامل فقط باعتباره رد فعل على موقف إسباني أو مادة للاستهلاك السياسي العابر. إنه ملف يحتاج إلى تراكم معرفي منظم، لأن من لا ينتج معرفة حول قضيته سيجد الآخرين ينتجون هذه المعرفة نيابة عنه، وربما ضد روايته ومصالحه.

إسبانيا لا تدير وجودها في سبتة ومليلية بالعسكر والإدارة فقط، بل تديره أيضًا عبر خطاب تاريخي وقانوني وأكاديمي متراكم. الجامعات الإسبانية تنتج دراسات، والمؤرخون ينشرون أبحاثًا، ومراكز التفكير تؤطر النقاش، ووسائل الإعلام تعيد إنتاج مفردات أصبحت بمرور الوقت تبدو وكأنها حقائق طبيعية غير قابلة للنقاش. حين تتكرر عبارة "المدينتان الإسبانيتان في شمال إفريقيا" آلاف المرات في الدراسات والصحف والتقارير الدولية، فإن اللغة نفسها تتحول إلى أداة سياسية ناعمة.

وهنا بالضبط أرى مسؤولية الجامعة المغربية. الجامعة ليست قاعة امتحانات ومكانًا لتوزيع الشهادات فقط. الجامعة، في الدول التي تعرف معنى القوة الناعمة، مؤسسة من مؤسسات السيادة. المؤرخ حين ينقب في الأرشيف يمارس فعلًا سياسيًا بالمعنى الحضاري للكلمة، والجغرافي حين يعيد قراءة الخرائط القديمة يسهم في بناء الحجة الوطنية، والباحث في القانون الدولي حين يفكك الوضع القانوني لسبتة ومليلية يقدم للدبلوماسية ما لا تستطيع الشعارات أن تقدمه.

لذلك أتمنى ألا تكون هذه الندوة مجرد كلمات افتتاحية وصور جماعية ومداخلات تنتهي بانتهاء الجلسة الختامية. المغرب بحاجة إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير. نحن بحاجة إلى برنامج وطني دائم للبحث في تاريخ سبتة ومليلية والجزر المتوسطية، وإلى جمع الأرشيفات المغربية والإسبانية والبرتغالية والفرنسية والبريطانية المرتبطة بهذه المناطق، وترجمتها وتحقيقها وإتاحتها للباحثين. نحن بحاجة إلى رسائل دكتوراه، ودراسات مقارنة، وكتب جماعية، وأطالس تاريخية، ومنصات رقمية متعددة اللغات، لأن الصراع على الذاكرة اليوم لا يقل أهمية عن الصراع على الأرض.

ومن المفيد جدًا أن تفتح الندوة باب المقارنة مع حالات دولية مثل هونغ كونغ وماكاو وجبل طارق، لأن الملفات السيادية لا تُفهم في العزلة. المقارنة لا تعني نسخ التجارب الأخرى، لكنها تسمح لنا بفهم كيف تُدار النزاعات الترابية عبر الزمن، وكيف تتغير موازين القوى، وكيف تؤثر التنمية الاقتصادية والمصالح المشتركة والشرعية الدولية والرأي العام في مستقبل مناطق متنازع حولها أو ذات وضع تاريخي استثنائي.

وأنا أرى أن المغرب يمتلك اليوم ورقة لم يكن يمتلكها بالقوة نفسها قبل عقود، وهي ورقة التنمية في الشمال. طنجة لم تعد المدينة الطرفية التي تنظر عبر المضيق إلى أوروبا بشعور بالفارق الحضاري والاقتصادي الساحق. طنجة المتوسط، والموانئ، والمناطق الصناعية، والبنيات التحتية، وشبكات الطرق والقطار، والاستثمارات المتراكمة، كلها غيرت المشهد الجيوسياسي للمنطقة. وكلما أصبحت الضفة المغربية أكثر قوة وجاذبية واندماجًا في الاقتصاد الدولي، تغيرت تلقائيًا الطريقة التي يُنظر بها إلى سبتة ومليلية.

وهذا بعد مهم يجب أن يشتغل عليه الأكاديميون أكثر: السيادة ليست مجرد ذاكرة تاريخية، بل هي أيضًا قدرة اقتصادية وحضور بشري وجاذبية مستقبلية. حين يكون المجال المغربي المحيط بسبتة ومليلية قويًا اقتصاديًا ومندمجًا ومزدهرًا، تصبح العلاقة مع المدينتين مختلفة عما كانت عليه عندما كان شمال المغرب يعاني التهميش والعزلة.

لكنني في الوقت نفسه أرفض تحويل الملف إلى مجرد مادة للتهييج الإعلامي أو التحريض الشعبوي ضد الشعب الإسباني. هناك فرق واضح بين انتقاد سياسات الدولة الإسبانية في سبتة ومليلية وبين تحويل العلاقة المغربية الإسبانية إلى عداوة دائمة. إسبانيا جار استراتيجي وشريك اقتصادي وسياسي مهم للمغرب، وهذا الواقع لا يتناقض مع حق المغرب في أن يحتفظ برؤيته التاريخية والسياسية لمستقبل المدينتين والجزر المتوسطية.

السياسة الناضجة لا تقوم على الاختيار بين الصمت والصدام. يمكن للمغرب أن يبني شراكة عميقة مع مدريد وفي الوقت نفسه ينتج معرفة أكاديمية جادة حول هذا الملف. ويمكنه أن يفصل بين المصالح المشتركة وبين الأسئلة التاريخية العالقة، لأن الدول الكبرى لا تتخلى عن ملفاتها بمجرد تحسن العلاقات، كما أنها لا تفجر علاقاتها كلما اختلفت حولها.

وأعتقد أن أخطر ما يمكن أن يحدث لملف سبتة ومليلية هو أن يبقى حاضرًا في العاطفة وغائبًا عن المعرفة. أن نردد أنه ملف تاريخي وسيادي ثم لا نجد في مكتباتنا ما يكفي من الدراسات المحكمة عنه. أن نطالب العالم بفهم وجهة نظرنا بينما لا ننتج ما يكفي من الكتب بلغاته. أن نتحدث عن التاريخ دون أن نفتح الأرشيفات، وعن القانون الدولي دون أن نبني مدرسة بحثية متخصصة، وعن الجغرافيا السياسية دون أن ننشئ مراكز تفكير قادرة على مخاطبة المؤسسات الأوروبية والدولية.

لهذا أعتبر أن نقل سبتة ومليلية والجزر المتوسطية إلى الجامعة ليس تفصيلًا ثانويًا. إنه انتقال من رد الفعل إلى بناء الحجة، ومن الخطاب العاطفي إلى المعرفة، ومن الموسمية السياسية إلى التراكم الاستراتيجي.

المغرب لا يحتاج في هذا الملف إلى صوت أعلى فقط، بل يحتاج إلى معرفة أعمق.

ولا يحتاج إلى أن يكرر شعاراته أكثر، بل إلى أن ينتج حججه بصورة أكثر قوة وانتشارًا وتأثيرًا.

فالحدود تُرسم أحيانًا بالقوة، لكنها تُناقش كذلك بالوثائق، وتُعاد قراءتها بالخرائط، وتُدافع عنها بالحجج، وتُحفظ في الذاكرة بالكتب.

ومن هنا أرى أن معركة سبتة ومليلية، إن كان لها أن تظل حية في الوعي الوطني وفي النقاش الدولي، ينبغي ألا تبقى فقط في يد السياسي والدبلوماسي، بل يجب أن تدخل بقوة إلى مكتب المؤرخ، ومدرج الجامعة، ومختبر الجغرافي، وندوة القانوني، ومنصة الباحث.

فحين يصبح للسيادة أرشيفها، وللتاريخ باحثوه، وللرواية الوطنية لغاتها ومراجعها، عندها فقط ينتقل الملف من الهامش إلى قلب التفكير الاستراتيجي المغربي.


0 التعليقات: