كلما ترددت عبارة «الجزائر قوة ضاربة» في الخطاب الرسمي والإعلامي، يفرض سؤال بسيط نفسه: أين يشعر المواطن الجزائري بهذه القوة؟
هل يشعر بها عندما يبحث عن وظيفة؟ هل يلمسها في المستشفى والمدرسة والإدارة والسكن والقدرة الشرائية؟ هل يراها في اقتصاد متنوع ينافس خارج النفط والغاز؟ أم أن «القوة الضاربة» تحولت مع مرور الوقت إلى عبارة أكبر من الواقع، تتردد في نشرات الأخبار أكثر مما تظهر في تفاصيل الحياة اليومية؟
أنا لا أحتاج إلى مهاجمة الجزائر لكي أطرح هذه الأسئلة. تكفيني المفارقة الصارخة بين بلد يملك ثروات طبيعية هائلة، وبين اقتصاد ظل بعد عقود طويلة شديد الارتباط بما تخرجه الأرض من نفط وغاز.
الجزائر ليست بلدًا فقيرًا.
ليست دولة بلا موارد.
وليست دولة صغيرة عاجزة عن صناعة اقتصاد كبير.
إنها بلد شاسع، غني بالطاقة، قريب من أوروبا، مفتوح على إفريقيا، يمتلك ساحلًا متوسطيًا طويلًا، وسوقًا داخلية كبيرة، وموارد بشرية مهمة.
فأين ذهبت كل هذه الإمكانات؟
هذا هو السؤال الحقيقي.
المعضلة ليست أن الجزائر بلا ثروة، بل أن الثروة لم تتحول بالسرعة والحجم المطلوبين إلى نموذج اقتصادي قادر على الاستغناء تدريجيًا عن الريع.
فالنفط يمكن أن يملأ الخزينة، لكنه لا يبني وحده دولة حديثة.
والغاز يمكن أن يمنح الحكومة هوامش مالية كبيرة، لكنه لا يخلق تلقائيًا اقتصادًا مبتكرًا.
وارتفاع أسعار الطاقة قد يمنح الدولة سنوات من الراحة، لكنه لا يعفيها من سؤال اليوم التالي: ماذا بعد النفط والغاز؟
هنا تبدأ المشكلة.
عندما ترتفع أسعار الطاقة تتحسن المداخيل، وعندما تنخفض تعود المخاوف. وهذا وحده يكشف هشاشة نموذج لم ينجح حتى الآن في جعل الصناعة والتكنولوجيا والزراعة والخدمات والتصدير بدائل حقيقية بالحجم الذي تسمح به إمكانات الجزائر.
القوة الاقتصادية لا تعني امتلاك الثروة فقط.
القوة هي القدرة على تحويل الثروة إلى إنتاج.
إلى شركات.
إلى وظائف.
إلى جامعات قوية.
إلى بحث علمي.
إلى ابتكار.
إلى صادرات لا تعتمد على مادة واحدة.
أما أن تبقى قوة الاقتصاد مرتبطة إلى حد بعيد بما يحدث في أسواق النفط والغاز العالمية، فهذه ليست القوة الكاملة التي توحي بها الخطب.
وهنا تظهر فجوة أخرى لا تقل وضوحًا: السلطة تقيس القوة من فوق، بينما المواطن يقيسها من تحت.
الدولة تتحدث عن الدبلوماسية، والتسليح، والتحالفات، والأدوار الإقليمية.
أما المواطن فيسأل عن الراتب والأسعار والعمل والسكن والعلاج والتعليم.
الحكومة تنظر إلى موقع الجزائر في الخريطة.
والمواطن ينظر إلى موقعه هو داخل الجزائر.
وهذه المقارنة ليست دائمًا مريحة.
يمكن لوسائل الإعلام أن تخصص ساعات للحديث عن الخصوم والمؤامرات والصراعات الإقليمية، لكن الشاب العاطل لن يحصل بذلك على وظيفة.
يمكن للخارجية أن تصدر عشرات البيانات، لكن الأسرة لن تدفع بها فواتيرها.
ويمكن للخطاب الرسمي أن يكرر كلمة السيادة يوميًا، لكن السيادة الاقتصادية الحقيقية تبدأ عندما يستطيع البلد أن ينتج ويصدر وينافس ويبتكر.
لهذا يصبح الإفراط في الحديث عن الخارج مثيرًا للأسئلة.
كم من الطاقة السياسية والإعلامية تُصرف على الخصومات الإقليمية؟
وكم يُصرف من الجهد نفسه على سؤال الاقتصاد المنتج؟
كم من الوقت يستهلك في النزاعات الدبلوماسية؟
وكم يُستهلك في تفكيك البيروقراطية، وتشجيع المستثمر، وربط الجامعة بسوق العمل، وفتح الأبواب أمام المبادرة الخاصة؟
هذه ليست أسئلة هامشية.
إنها صلب معنى الدولة الحديثة.
فالبلد لا يصبح قويًا لأن صوته مرتفع.
يصبح قويًا حين تصبح شركاته معروفة خارج حدوده.
حين تجذب جامعاته الباحثين.
حين تجذب مدنه المستثمرين.
حين يجد شبابه وظائف داخل بلادهم بدل التفكير في الرحيل.
حين يتحول الجواز الوطني من وثيقة للبحث عن مخرج إلى وثيقة لمواطن واثق من مستقبله.
والجزائر كانت تملك منذ عقود فرصة تاريخية لصناعة هذا التحول.
كان يمكن لعائدات الطاقة أن تكون منصة إقلاع صناعي كبير.
كان يمكن بناء قطاعات قوية في الصناعات التحويلية، والطاقة المتجددة، والزراعة الحديثة، والسياحة، والخدمات الرقمية، واللوجستيك، والصناعات التكنولوجية.
وكان يمكن تحويل الموقع الجغرافي للجزائر إلى جسر اقتصادي ضخم بين إفريقيا وأوروبا.
لكن الاقتصاد الريعي يحمل مشكلة قاتلة: إنه يشتري الوقت.
حين ترتفع المداخيل، تستطيع الدولة دعم الأسعار، وتوسيع الإنفاق، وتمويل المؤسسات العمومية، وتأجيل الإصلاحات الصعبة.
لكن شراء الوقت ليس شراءً للمستقبل.
فالعالم لا ينتظر.
الذكاء الاصطناعي يتقدم.
الطاقة النظيفة تتوسع.
الصناعة تتغير.
الوظائف تتغير.
سلاسل القيمة العالمية يعاد تشكيلها.
والبلدان التي لا تلحق بهذه التحولات قد تجد نفسها بعد سنوات تملك ثروات ضخمة لكنها تفتقد الاقتصاد الذي يصنع النفوذ الحقيقي.
لهذا أجد أن عبارة «القوة الضاربة» تحولت إلى عبء على من يكررها.
فكلما ارتفع سقف الادعاء، ارتفع سقف المحاسبة.
إذا قلت إنك قوة إقليمية كبرى، فمن حق المواطن أن يسأل: أين هي قوة المستشفى؟
أين قوة الجامعة؟
أين قوة الصناعة؟
أين قوة الاستثمار؟
أين قوة الوظيفة؟
أين قوة المواطن؟
لا يمكن اختزال القوة في الجيش أو الدبلوماسية أو الموارد الطبيعية.
فالدولة الحديثة لا تُختبر عند الحدود فقط.
تُختبر كذلك عند باب المستشفى، وفي الفصل الدراسي، وفي الإدارة، وفي المصنع، وفي جيب المواطن.
وهنا تبدو المفارقة الجزائرية أكثر قسوة.
بلد غني فوق أرض غنية، لكنه لا يزال يبحث عن النموذج الاقتصادي الذي يحول هذه الثروة إلى دينامية مستدامة يشعر بها الجميع.
وأنا حين أنتقد هذا الواقع، لا أوجه نقدي إلى المواطن الجزائري.
فهو ليس المسؤول عن خيارات الحكومات.
بل هو أول من يحق له أن يسأل أين ذهبت كل الإمكانات التي يملكها بلده.
الجزائري لا يحتاج إلى من يخبره كل صباح بأن الجزائر قوية.
يحتاج إلى أن يشعر بذلك وحده.
حين يجد عملًا بسهولة.
حين يفتح مشروعًا بلا متاهة إدارية.
حين يحصل على خدمة عمومية محترمة.
حين يرى مستقبله في بلده لا في قارب أو تأشيرة أو عقد عمل بعيد.
هذه هي القوة التي لا تحتاج إلى مذيع كي يشرحها.
الدولة القوية لا تقول لشعبها كل يوم إنها قوية.
تجعله يشعر بذلك.
في راتبه.
في مدرسته.
في مستشفاه.
في شركته.
في جامعته.
وفي ثقته بالغد.
أما حين يصبح الشعار أكبر من الإنجاز، فإن الزمن يتحول إلى خصم للشعار.
لأن الخطابات تتآكل.
والعبارات تفقد بريقها.
والخصومات الخارجية لا تستطيع إلى الأبد حجب أسئلة الداخل.
ولهذا يظل السؤال مفتوحًا أمام السلطة الجزائرية: كيف يمكن لبلد يملك كل هذه الثروات أن يحتاج إلى كل هذا الكلام لإثبات قوته؟
ربما لأن القوة الحقيقية لا تبدأ من المنصة.
تبدأ من حياة المواطن.
ولا تقاس بما تملكه الدولة تحت الأرض، بل بما استطاعت أن تبنيه فوقها.
وفي النهاية، لن يحكم التاريخ على الجزائر بعدد المرات التي وصفت فيها نفسها بأنها «قوة ضاربة»، بل بما إذا كانت قد استطاعت تحويل النفط والغاز والثروة والموقع والإنسان إلى دولة يشعر مواطنها أنه يعيش فعلًا داخل بلد قوي.







0 التعليقات:
إرسال تعليق