أكثر من ثلاثين إجراءً قضائيًا يتعلق باعتداءات جنسية على نساء مهاجرات خلال أسابيع قليلة في سبتة ليس رقمًا عابرًا يمكن دفنه في خبر قصير بين نشرات الهجرة والحدود. وحين تكون نسبة مهمة من الحالات مرتبطة بقاصرات غير مصحوبات، فإنني أرى أننا لم نعد أمام «ضغط للهجرة» كما تحب بعض الحكومات الأوروبية أن تسميه، بل أمام فضيحة سياسية وأخلاقية تكشف مقدار الهوة بين أوروبا التي تتحدث عن حقوق الإنسان وأوروبا التي تواجه الإنسان الضعيف على حدودها الجنوبية.
المعطيات المعلنة من النيابة العامة الإسبانية تتحدث عن أكثر من ثلاثين إجراءً أو ملفًا مرتبطًا باعتداءات جنسية منذ موجة العبور الجماعي إلى سبتة يومي 30 و31 يوليوز 2026، مع وجود قاصرات غير مصحوبات ضمن نسبة كبيرة من الحالات. وهذه معطيات عن تحقيقات ومساطر قضائية، وليست أحكام إدانة نهائية في كل ملف. لكن مجرد بلوغ الحالات هذا المستوى خلال مدة قصيرة يكفي لطرح سؤال سياسي قاس: أين كانت الدولة الإسبانية حين كانت النساء والفتيات الأكثر هشاشة بحاجة إلى الحماية؟
الحكومة الإسبانية بارعة في الحديث عن إدارة الحدود، وعن مراقبة الهجرة، وعن التنسيق الأمني، وعن احترام القانون الأوروبي. لكن ما قيمة كل هذا الخطاب إذا لم تتمكن مؤسساتها من ضمان سلامة فتاة قاصر وصلت وحيدة إلى أرض تقع تحت سلطتها؟
أنا لا أقبل أن يُختزل ملف كهذا في عبارة من قبيل «ظروف استثنائية». الاستثناء لا يلغي مسؤولية الدولة، بل يضاعفها. الدولة التي تعرف أنها تواجه تدفقًا بشريًا كبيرًا يفترض أن ترفع جاهزية الحماية، لا أن تنتظر حتى تتراكم الشكايات والملفات ثم تبدأ في البحث عن أماكن جديدة للاستقبال.
وحين تعلن السلطات الإسبانية لاحقًا عن ضرورة تسريع نقل القاصرين إلى شبه الجزيرة وتخصيص مئات الأماكن للاستقبال، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: لماذا لم تكن هذه الاستجابة جاهزة قبل تفاقم الوضع؟ لماذا احتاجت مدريد إلى أزمة بهذا الحجم كي تتحرك؟ وأين كانت خطط الطوارئ التي يفترض أن دولة أوروبية تعرف جيدًا هشاشة حدودها الجنوبية قد أعدتها سلفًا؟
لا يمكن للحكومة الإسبانية أن تطلب منا التصفيق لخطابها الحقوقي في بروكسل ثم تطلب منا الصمت عندما تكشف الوقائع عن نساء وقاصرات وُضعن في ظروف هشاشة بالغة داخل مجال يقع تحت مسؤوليتها القانونية والإدارية.
المشكلة أعمق من إسبانيا وحدها. إنها مشكلة أوروبية أيضًا.
فالاتحاد الأوروبي بنى خلال سنوات طويلة خطابًا ضخمًا حول حقوق المرأة والطفل واللاجئ ومكافحة الاتجار بالبشر والعنف الجنسي. أنشأ برامج، وأصدر تقارير، وموّل حملات، وقدم نفسه نموذجًا عالميًا للحريات والكرامة الإنسانية. لكن الحدود الجنوبية لأوروبا تكشف غالبًا وجهًا آخر: الإنسان هناك يتحول سريعًا إلى «تدفق»، والمرأة إلى «حالة استقبال»، والقاصر إلى «عبء على المراكز».
هذه اللغة البيروقراطية نفسها تكشف جانبًا من الأزمة. حين تفقد السياسة أسماء البشر وتحتفظ فقط بأعدادهم، تبدأ الكرامة في التراجع.
المرأة المهاجرة ليست رقمًا.
القاصر غير المصحوبة ليست خانة في جدول.
ومن تتعرض لاعتداء ليست مجرد حالة تضاف إلى إحصاءات سنة 2026.
هؤلاء بشر دخلوا فضاءً تملك السلطات الإسبانية فيه سلطة فعلية، وبالتالي تتحمل مسؤولية حمايتهم وفق القانون ومبادئ الدولة التي تزعم الدفاع عنها.
ولست مستعدًا لتقبل الحجة الجاهزة التي تقول إن السلطات لا تستطيع منع كل جريمة. صحيح، لا توجد دولة تستطيع منع كل اعتداء فردي. لكن حين تتكرر الوقائع إلى مستوى يفتح أكثر من ثلاثين إجراءً قضائيًا في فترة وجيزة، يصبح من المشروع مساءلة منظومة الحماية كلها: هل كانت مراكز الإيواء ملائمة؟ هل تم فصل النساء والقاصرات عن بيئات الخطر؟ هل كان عدد العاملين والحراس والأخصائيين كافيًا؟ هل توفرت مترجمات ومساعدات اجتماعيات ونفسيات؟ هل كانت هناك آليات سريعة للتبليغ؟ وهل جرى التعامل مع المؤشرات الأولى باعتبارها إنذارًا حقيقيًا أم مجرد أثر جانبي لأزمة الهجرة؟
هذه ليست أسئلة تقنية. إنها أسئلة سياسية.
السياسة التي تضع مليارات اليوروهات في حماية الحدود ينبغي أن تجد أيضًا ما يكفي من المال لحماية من أصبح داخل هذه الحدود.
وأوروبا التي تطور أنظمة المراقبة والكاميرات والسياجات وأجهزة الكشف والتنسيق الأمني لا يحق لها أن تبدو عاجزة عندما يتعلق الأمر بغرفة آمنة لقاصر أو رعاية نفسية لامرأة تعرضت لاعتداء.
هنا يظهر التناقض فاضحًا: الحدود محمية أكثر من البشر.
المعادلة الأوروبية صارت في كثير من الأحيان واضحة: الأولوية لمنع الوصول، ثم تأتي الكرامة بعد ذلك إن بقي لها مكان في جدول الأعمال.
أنا لا أقول إن الدولة الإسبانية هي مرتكبة الاعتداءات، فهذا سيكون ادعاءً غير صحيح. المسؤولية الجنائية يتحملها المعتدون، ويجب أن يحددها القضاء بالأسماء والوقائع والأدلة. لكن المسؤولية السياسية شيء آخر. الحكومة مسؤولة عن البيئة التي تديرها، عن جاهزية مراكز الاستقبال، عن سلامة القاصرين، عن سرعة الاستجابة، وعن منع تحول الهشاشة إلى فرصة للاستغلال.
والفارق بين المسؤوليتين جوهري.
لا يجوز تحويل النقاش إلى لعبة الهروب من المسؤولية بالقول: «الجريمة ارتكبها أفراد». نعم، أفراد ارتكبوا الجرائم إن أثبت القضاء ذلك، لكن الدولة تُحاسب سياسيًا عندما تفشل منظومة الحماية في الحد من الأخطار المعروفة والمتوقعة.
كما أرفض أن تستغل هذه الوقائع لتغذية خطاب كراهية ضد المهاجرين أنفسهم. من السهل جدًا أن يحاول البعض تحويل القضية إلى حملة ضد الهجرة، لكن ذلك سيكون تزويرًا لحقيقة المأساة. الضحايا مهاجرات أيضًا. والنساء والقاصرات اللواتي تعرضن للخطر هن جزء من الفئة التي يسعى الخطاب الشعبوي عادة إلى شيطنتها.
القضية ليست «المهاجر ضد الأوروبي»، بل هي مسؤولية القانون عن حماية الإنسان أيًا كان أصله.
أما الحكومة الإسبانية، فعليها أن تجيب علنًا وبشفافية عن مصير هذه الملفات وعن إجراءات الحماية التي اتخذتها بعد ظهور الوقائع الأولى. لا يكفي الحديث عن نقل القاصرين أو زيادة أماكن الإيواء. المطلوب أن نعرف هل حصلت الضحايا على علاج ورعاية نفسية ومساعدة قانونية وترجمة وحماية من أي انتقام أو ضغط. المطلوب أيضًا أن نعرف هل تمت مراجعة شروط الاستقبال أم جرى فقط نقل المشكلة من مكان إلى آخر.
وأوروبا مطالبة بدورها بالكف عن ازدواجية الخطاب.
لا يمكن لبروكسل أن تتحدث عن «القيم الأوروبية» باعتبارها معيارًا أخلاقيًا للعالم ثم تتعامل مع مآسي حدودها الجنوبية كملفات لوجستية.
لا يمكن أن تكون حقوق الإنسان صارمة حين تتعلق بالخصوم ومرنة حين تتعلق بالفشل الداخلي.
ولا يمكن أن تتحول كرامة الإنسان إلى أداة دبلوماسية تُستخدم في البيانات ثم تُنسى عندما يصبح الإنسان مهاجرًا بلا صوت.
سبتة اليوم لا تحتاج مزيدًا من الخطب.
تحتاج حماية.
وتحتاج تحقيقًا.
وتحتاج محاسبة.
وتحتاج قبل كل شيء اعترافًا بأن منطق إدارة الهجرة أمنيًا دون إدارة هشاشتها إنسانيًا هو جزء من الأزمة نفسها.
أكثر من ثلاثين ملفًا في أسابيع قليلة ينبغي أن يهز حكومة بأكملها، لا أن يتحول إلى فقرة في تقرير.
وأي حكومة أوروبية تعتبر نفسها حارسة للحقوق مطالبة بأن تثبت أن هذه الحقوق لا تتوقف عند السياج، ولا تتغير بتغير جواز السفر، ولا تفقد قيمتها حين تكون الضحية امرأة مهاجرة لا يعرف أحد اسمها.
بالنسبة إلي، فضيحة سبتة الحقيقية ليست فقط أن اعتداءات وقعت وأن ملفات قضائية فُتحت.
الفضيحة الأكبر أن أوروبا التي صنعت لنفسها صورة «قارة الحقوق» وجدت نفسها مرة أخرى أمام السؤال الذي تحاول الهروب منه: ماذا تساوي كل هذه القيم إذا كان أضعف إنسان داخل حدودك لا يشعر بالأمان؟
حين تكون الضحية مهاجرة، يبدأ الامتحان الحقيقي لحقوق الإنسان.
وفي سبتة، يبدو أن هذا الامتحان كشف أكثر مما كانت مدريد وبروكسل ترغبان في أن نراه.







0 التعليقات:
إرسال تعليق