الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

السبت، سبتمبر 12، 2026

ذِكْرَى تَمْشِي دَاخِلَ رَأْسِ شَخْصٍ آخَرَ: عبده حقي


اِسْتَيْقَظْتُ دَاخِلَ شَمْسٍ لَمْ تَشْرُقْ بَعْدُ، وَكَانَ الضَّوْءُ مَغْمُورًا فِي دَمِي، يَتَقَلَّبُ هُنَاكَ كَسَمَكَةٍ عَمْيَاءَ تَبْحَثُ عَنْ مَصَبِّهَا، فِيمَا وَجْهِي، ذَلِكَ القِنَاعُ الَّذِي نَسِيَ اللَّيْلُ أَنْ يَنْتَزِعَهُ عَنِّي، يَتَلَقَّى دِفْئًا لَا أَعْرِفُ مَصْدَرَهُ. فَتَحْتُ عَيْنَيَّ، فَلَمْ أَرَ الغُرْفَةَ، بَلْ رَأَيْتُ غُبَارًا مِنْ ذَهَبٍ يَطْفُو فَوْقَ هَاوِيَةٍ، وَرَأَيْتُ رَأْسِي مَوْضُوعًا عَلَى وِسَادَةٍ مِنْ أَعْمَارٍ لَمْ أَعِشْهَا، وَسَمِعْتُ العَالَمَ يُدَوِّرُ مَفَاصِلَهُ بِبُطْءٍ كَحَيَوَانٍ هَائِلٍ يَسْتَعِدُّ لِلنُّهُوضِ مِنْ تَحْتِ القَارَّاتِ. تَنَفَّسْتُ، وَكَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ خَطَإٍ جَمِيلٍ أَرْتَكِبُهُ فِي الصَّبَاحِ؛ دَخَلَ الهَوَاءُ فِي صَدْرِي وَلَمْ يَخْرُجْ هُوَ نَفْسُهُ، بَلْ خَرَجَ مُحَمَّلًا بِاسْمٍ لَمْ أَعْرِفْ صَاحِبَهُ، وَبِرَائِحَةِ تُرَابٍ مُبْتَلٍّ، وَبِشَيْءٍ يُشْبِهُ حَفِيفَ كَفَنٍ بَعِيدٍ. عِنْدَهَا أَدْرَكْتُ أَنَّ التَّنَفُّسَ رُبَّمَا لَيْسَ دُخُولَ الهَوَاءِ وَخُرُوجَهُ، بَلْ تَبَادُلٌ خَفِيٌّ بَيْنَ الأَحْيَاءِ وَالمَوْتَى، وَأَنَّنَا نَسْتَعِيرُ أَنْفَاسًا أَفْلَتَتْ مِنْ أَفْوَاهٍ مَجْهُولَةٍ، ثُمَّ نُعِيدُهَا إِلَى الهَوَاءِ لِيَتَقَاسَمَهَا مَنْ سَيَأْتُونَ بَعْدَنَا. وَضَعْتُ كَفِّي عَلَى صَدْرِي؛ كَانَ القَلْبُ هُنَاكَ، لَكِنَّنِي لَمْ أَطْمَئِنَّ، فَقَدْ كُنْتُ أَسْمَعُهُ يَدُقُّ كَأَنَّهُ لَيْسَ عُضْوًا بَلْ طَارِقَ بَابٍ، وَكَأَنَّ جَسَدِي بَيْتٌ قَدِيمٌ وَهُوَ يُرِيدُ الدُّخُولَ إِلَيْهِ مُنْذُ عُمْرٍ كَامِلٍ وَلَا أَحَدَ يَفْتَحُ. وَفِي كُلِّ دَقَّةٍ كَانَ شَيْءٌ يَسْقُطُ مِنَ السَّمَاءِ: مَرَّةً رِيشَةٌ سَوْدَاءُ، وَمَرَّةً سِنُّ طِفْلٍ، وَمَرَّةً مِفْتَاحٌ صَدِئٌ لِبَابٍ لَمْ أَرَهُ بَعْدُ.

خَرَجْتُ، وَلَمْ يَكُنْ لِلطَّرِيقِ بِدَايَةٌ، بَلْ وَجَدْتُ نَفْسِي أَمْشِي فَوْقَهُ كَمَا يَجِدُ المَرْءُ نَفْسَهُ فِي مُنْتَصَفِ حُلْمٍ وَلَا يَتَذَكَّرُ مَنْ أَطْفَأَ العَالَمَ خَلْفَهُ. عَلَى جَانِبَيَّ كَانَتِ الأَزْهَارُ مَفْتُوحَةً أَكْثَرَ مِمَّا يَنْبَغِي، تَبْدُو كَأَفْوَاهٍ صَغِيرَةٍ لَا تَعْرِفُ أَتَسْتَقْبِلُ الشَّمْسَ أَمْ تَصْرُخُ، وَحِينَ انْحَنَيْتُ نَحْوَ وَاحِدَةٍ شَمَمْتُ فِيهَا رَائِحَةَ قَبْرٍ طَازَجٍ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإِذَا الشَّجَرَةُ القَرِيبَةُ تَهْتَزُّ بِلَا رِيحٍ، وَأَوْرَاقُهَا تَتَبَادَلُ سِرًّا أَخْضَرَ لَا يُسْمَحُ لِلْبَشَرِ بِسَمَاعِهِ. سَأَلْتُهَا عَمَّا تَعْرِفُهُ، فَأَسْقَطَتْ وَرَقَةً، ثُمَّ ثَانِيَةً، فَفَهِمْتُ أَنَّ الأَشْجَارَ لَا تُجِيبُ بِالكَلِمَاتِ، بَلْ تُجِيبُ بِالفَقْدِ. وَاصَلْتُ السَّيْرَ، وَكَانَ النَّهَارُ يُغَيِّرُ جِلْدَهُ كُلَّ بِضْعِ خُطُوَاتٍ؛ مَرَّةً يَصِيرُ رَبِيعًا، فَتَخْرُجُ الحَشَرَاتُ مِنْ شُقُوقِ الهَوَاءِ كَحُرُوفٍ نَجَتْ مِنْ كِتَابٍ مُحْتَرِقٍ، وَمَرَّةً يَصِيرُ صَيْفًا، فَتَقْتَرِبُ الشَّمْسُ مِنْ رَأْسِي حَتَّى أَكَادُ أَشُمُّ رَائِحَةَ النُّحَاسِ فِي عِظَامِي، ثُمَّ يَأْتِي الخَرِيفُ فَيَخْلَعُ الشَّجَرُ أَعْضَاءَهُ الذَّهَبِيَّةَ وَيُلْقِيهَا تَحْتَ قَدَمَيَّ كَأَنَّ الغَابَةَ تَتَدَرَّبُ أَمَامِي عَلَى المَوْتِ، أَمَّا الشِّتَاءُ فَلَمْ يَأْتِ مِنَ السَّمَاءِ، بَلْ خَرَجَ مِنْ دَاخِلِي، صَعِدَ مِنْ نُخَاعِي إِلَى حَلْقِي وَاسْتَقَرَّ تَحْتَ لِسَانِي، فَعَرَفْتُ تِلْكَ البُرُودَةَ القَدِيمَةَ الَّتِي تَسْبِقُ نِسْيَانَ الأَسْمَاءِ.

فِي مُنْعَطَفٍ بَعِيدٍ رَأَيْتُ طُفُولَتِي جَالِسَةً عَلَى حَجَرٍ، وَكَانَ الطِّفْلُ الَّذِي كُنْتُهُ يَحْمِلُ وَجْهِي الحَالِيَّ بَيْنَ يَدَيْهِ. اقْتَرَبْتُ مِنْهُ، فَقَالَ لِي إِنَّنِي تَأَخَّرْتُ، وَحِينَ سَأَلْتُهُ: عَنْ مَاذَا؟ نَهَضَ وَدَخَلَ فِي جِذْعِ شَجَرَةٍ. طَرَقْتُ الخَشَبَ فَلَمْ يَفْتَحْ، وَفِي اللَّحْظَةِ نَفْسِهَا سَمِعْتُ ضَحْكَةً قَدِيمَةً مِنْ جِهَةٍ لَا تَصِلُ إِلَيْهَا الطُّرُقُ. اِلْتَفَتُّ، فَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ أَحَدٌ، وَكَانَتِ الذَّاكِرَةُ تُمارِسُ عَادَتَهَا القَدِيمَةَ: تَفْتَحُ أَبْوَابًا فِي الجُدْرَانِ ثُمَّ تَسْخَرُ مِنْكَ لِأَنَّكَ صَدَّقْتَ أَنَّهَا أَبْوَابٌ. وَاصَلْتُ السَّيْرَ، وَكُنْتُ أَرَى النُّجُومَ فِي وَضَحِ النَّهَارِ، نُجُومًا سَوْدَاءَ مُعَلَّقَةً تَحْتَ الجِلْدِ الأَزْرَقِ لِلسَّمَاءِ كَمَسَامِيرَ تُثَبِّتُهَا كَيْ لَا تَسْقُطَ فَوْقَ رُؤُوسِنَا. قُلْتُ لِنَفْسِي إِنَّ الكَوْنَ رُبَّمَا لَيْسَ وَاسِعًا كَمَا نَعْتَقِدُ، وَرُبَّمَا هُوَ سَقْفٌ مُنْخَفِضٌ، وَنَحْنُ الَّذِينَ نَنْحَنِي تَحْتَهُ مُنْذُ الخَلْقِ فَلَا نَنْتَبِهُ. مَرَّتْ بِي رِيحٌ، وَفِي الرِّيحِ أَصْوَاتٌ، بَعْضُهَا أَعْرِفُهُ وَبَعْضُهَا لَمْ يُولَدْ بَعْدُ؛ سَمِعْتُ رَجُلًا يُنَادِينِي بِاسْمِي مِنْ سَنَةٍ لَمْ أَصِلْ إِلَيْهَا، وَامْرَأَةً تَبْكِي عَلَى قَبْرِي قَبْلَ أَنْ أَمُوتَ، وَطِفْلًا يَضْحَكُ دَاخِلَ رَحِمٍ بَعِيدٍ. أَسْرَعْتُ، فَتَبَاطَأَ الطَّرِيقُ، وَتَوَقَّفْتُ، فَتَحَرَّكَ هُوَ تَحْتِي، وَعِنْدَهَا عَرَفْتُ أَنَّنِي لَا أَسِيرُ فَوْقَ الأَرْضِ، بَلِ الأَرْضُ هِيَ الَّتِي تَسْحَبُنِي نَحْوَ شَيْءٍ تَنْتَظِرُهُ مُنْذُ أَنْ صَنَعَتْ قَدَمَيَّ.

ثُمَّ ظَهَرَ البَابُ الأَحْمَرُ، وَلَمْ يَكُنْ فِي نِهَايَةِ الطَّرِيقِ، بَلْ كَانَ الطَّرِيقُ هُوَ الَّذِي يَنْتَهِي دَاخِلَهُ؛ بَابٌ صَغِيرٌ قَائِمٌ بَيْنَ العُشْبِ بِلَا جِدَارٍ وَلَا سِيَاجٍ، تَتَسَلَّقُهُ الوُرُودُ كَمَا تَتَسَلَّقُ النَّارُ جَسَدًا بَطِيئًا، وَتَلْمَعُ أَشْوَاكُهَا كَأَسْنَانِ كَائِنٍ خَرَجَ مِنْ أُسْطُورَةٍ وَنَسِيَ اسْمَهُ. وَرَاءَهُ رَأَيْتُ امْرَأَةً فِي نَافِذَةٍ، شَعْرُهَا فِضِّيٌّ إِلَى حَدٍّ لَمْ أَعُدْ أَرَاهُ شَعْرًا، بَلْ سِرْبًا مِنَ اللَّيَالِي البَيْضَاءِ اسْتَقَرَّ فَوْقَ رَأْسِهَا، وَكَانَ وَجْهُهَا مُجَعَّدًا حَتَّى خُيِّلَ إِلَيَّ أَنَّ الزَّمَنَ اسْتَخْدَمَهُ خَرِيطَةً لِيَتَعَلَّمَ الطُّرُقَ. فِي الحَدِيقَةِ كَانَ رَجُلٌ يَحْفِرُ، وَحَسِبْتُ أَوَّلَ الأَمْرِ أَنَّهُ يُعِدُّ قَبْرًا، لَكِنَّهُ وَضَعَ شَتْلَةَ فَرَاوِلَةٍ فِي الحُفْرَةِ، فَضَحِكْتُ لِأَنَّنِي فَكَّرْتُ أَنَّ الفَرْقَ بَيْنَ القَبْرِ وَالبُسْتَانِ رُبَّمَا لَا يَزِيدُ عَلَى مَا نَضَعُهُ تَحْتَ التُّرَابِ. كَانَ يَغْرِسُ الشَّتَلَاتِ بِحَنَانٍ شَدِيدٍ، كَأَنَّ الأَرْضَ مُصَابَةٌ بِحُمَّى وَهُوَ يَضَعُ أَصَابِعَهُ عَلَى جَبِينِهَا، ثُمَّ قَالَ مِنْ دُونِ أَنْ يَلْتَفِتَ إِلَيَّ: هُنَا أَحْبَبْتُهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ. لَمْ أَعْرِفْ مَاذَا يَقْصِدُ بِـ«هُنَا»: الحَدِيقَةَ، أَمِ البَيْتَ، أَمِ الأَرْضَ، أَمْ جَسَدَهُ، أَمِ الزَّمَنَ نَفْسَهُ. أَشَارَ إِلَى شَجَرَةِ بَلُّوطٍ وَقَالَ إِنَّهَا كَانَتْ صَغِيرَةً يَوْمَ تَزَوَّجَا، فَنَظَرْتُ إِلَى الشَّجَرَةِ، ثُمَّ إِلَيْهِ، ثُمَّ إِلَى المَرْأَةِ، وَشَعَرْتُ لِحْظَةً أَنَّ الشَّجَرَةَ هِيَ الَّتِي زَوَّجَتْهُمَا، وَأَنَّ جُذُورَهَا مَا تَزَالُ تَحْفَظُ تَحْتَ التُّرَابِ قَسَمًا لَمْ يَسْمَعْهُ أَحَدٌ.

قَطَفَ الرَّجُلُ حَبَّةَ فَرَاوِلَةٍ، حَمْرَاءَ أَكْثَرَ مِمَّا يَنْبَغِي، كَأَنَّهَا قَلْبُ طَائِرٍ صَغِيرٍ، وَمَسَحَ عَنْهَا التُّرَابَ وَوَضَعَهَا فِي طَبَقٍ، ثُمَّ أَضَافَ إِلَيْهَا أُخْرَى وَثَالِثَةً وَأَخَذَهَا إِلَى المَرْأَةِ. جَلَسَتْ أَمَامَهُ وَأَكَلَتْ حَبَّةً وَابْتَسَمَتْ، وَفِي اللَّحْظَةِ الَّتِي ابْتَسَمَتْ فِيهَا انْشَقَّ وَجْهُهَا عَنْ وَجْهِ فَتَاةٍ؛ رَأَيْتُ الفَتَاةَ هُنَاكَ، خَاطِفَةً وَمُضِيئَةً، ثُمَّ عَادَ الوَجْهُ عَجُوزًا، وَرَمَشْتُ فَعَادَتِ الفَتَاةُ، وَرَمَشْتُ مَرَّةً ثَانِيَةً فَعَادَ الزَّمَنُ إِلَى مَكَانِهِ. عِنْدَهَا فَهِمْتُ أَنَّ الشَّيْخُوخَةَ لَيْسَتْ وَجْهًا يَحُلُّ مَحَلَّ الشَّبَابِ، بَلْ وَجْهَانِ يَبْقَيَانِ فَوْقَ بَعْضِهِمَا، غَيْرَ أَنَّ أَحَدَهُمَا يَقِفُ أَمَامَ الآخَرِ. خَرَجَتِ المَرْأَةُ إِلَى الشُّرْفَةِ، وَكَانَ هُنَاكَ كُرْسِيَّانِ هَزَّازَانِ وَمِذْيَاعٌ قَدِيمٌ يَخْرُجُ مِنْهُ لَحْنٌ مُشَوَّشٌ غَارِقٌ فِي خَشْخَشَةٍ بَعِيدَةٍ، كَأَنَّ الأُغْنِيَةَ تَأْتِي مِنْ قَاعِ بِئْرٍ. قَالَ الرَّجُلُ إِنَّهُمَا كَانَا يَرْقُصَانِ عَلَيْهَا، فَقَالَتْ إِنَّهَا مَا زَالَتْ تَرْقُصُ، ثُمَّ وَقَفَا بِبُطْءٍ، وَكَانَ جَسَدَاهُمَا يَتَفَاوَضَانِ مَعَ الأَلَمِ عَلَى كُلِّ حَرَكَةٍ. مَدَّ يَدَهُ، فَوَضَعَتْ يَدَهَا فِي يَدِهِ، وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ لَمْ يَتَوَقَّفِ الزَّمَنُ، بَلِ انْحَنَى حَوْلَهُمَا كَمَا تَنْحَنِي أُمٌّ فَوْقَ طِفْلٍ مَرِيضٍ، ثُمَّ أَخَذَا يَرْقُصَانِ، فِيمَا الشَّمْسُ تَهْبِطُ، وَالظِّلَالُ تَطُولُ، وَالرِّيحُ تَبْرُدُ. تَحَرَّكَ الرَّجُلُ قَلِيلًا لِيَقِفَ بَيْنَ الرِّيحِ وَالمَرْأَةِ، وَلَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ أَنَّنِي أُرَاقِبُهُ، فَفَهِمْتُ أَنَّ أَجْمَلَ الأَشْيَاءِ هِيَ تِلْكَ الَّتِي تَحْدُثُ مِنْ دُونِ جُمْهُورٍ، وَأَنَّ البَشَرِيَّةَ كُلَّهَا رُبَّمَا يُمْكِنُ اخْتِصَارُهَا فِي تِلْكَ الحَرَكَةِ الصَّغِيرَةِ: جَسَدٌ يَتَلَقَّى البَرْدَ بَدَلًا مِنْ جَسَدٍ آخَرَ.

ضَحِكَتِ المَرْأَةُ، فَخَرَجَتْ ضَحْكَتُهَا مِنْ فَمِهَا وَلَمْ تَسْقُطْ، بَلِ ارْتَفَعَتْ وَاسْتَقَرَّتْ فَوْقَ شَجَرَةِ البَلُّوطِ، ثُمَّ تَحَوَّلَتْ إِلَى طُيُورٍ بَيْضَاءَ. طَارَ سِرْبٌ فَوْقَ رَأْسِي، وَسَقَطَتْ وَاحِدَةٌ عِنْدَ قَدَمَيَّ، وَحِينَ انْحَنَيْتُ لِأَلْتَقِطَهَا وَجَدْتُهَا سِنًّا بَشَرِيَّةً، فَتَرَكْتُهَا وَلَمْ أَعُدْ أُرِيدُ أَنْ أَفْهَمَ، لِأَنَّ الفَهْمَ أَحْيَانًا مَرَضٌ يُصِيبُ المُعْجِزَةَ. جَلَسَا مِنْ جَدِيدٍ، وَوَضَعَ الرَّجُلُ يَدَهُ فَوْقَ يَدِهَا، وَنَظَرَتْ هِيَ إِلَى الحَدِيقَةِ وَسَأَلَتْهُ إِنْ كَانَ الرَّبِيعُ سَيَأْتِي، فَقَالَ إِنَّهُ سَيَأْتِي. سَأَلَتْهُ: وَإِذَا لَمْ نَكُنْ هُنَا؟ نَظَرَ إِلَيْهَا طَوِيلًا وَقَالَ: سَتَعْرِفُ الأَزْهَارُ الطَّرِيقَ. لَمْ أَبْكِ، لَكِنَّ شَيْئًا فِي صَدْرِي تَصَدَّعَ، رُبَّمَا عَظْمَةً لَا اسْمَ لَهَا، وَرُبَّمَا ذَاكِرَةً، وَرُبَّمَا ذَلِكَ البَابَ الَّذِي ظَلَلْتُ أُغْلِقُهُ فِي وَجْهِي طَوَالَ حَيَاتِي. رَفَعْتُ رَأْسِي؛ كَانَ اللَّيْلُ قَدِ اكْتَمَلَ، وَالنُّجُومُ فَوْقَ البَيْتِ كَثِيفَةً كَأَنَّ السَّمَاءَ مُصَابَةٌ بِطَفْحٍ مِنَ الضَّوْءِ، وَسَمِعْتُ قَلْبِي مِنْ جَدِيدٍ يَدُقُّ فِي صَدْرِي بِعِنَادٍ. سَأَلْتُهُ: إِلَى مَتَى؟ لَكِنَّهُ لَمْ يُجِبْ؛ فَالقَلْبُ أَكْثَرُ أَعْضَاءِ الجَسَدِ غُرُورًا، يُكَرِّرُ فِعْلَتَهُ نَفْسَهَا وَلَا يَشْرَحُ شَيْئًا.

كُنْتُ أَعْرِفُ أَنَّ الرَّجُلَ سَيَمُوتُ، وَأَنَّ المَرْأَةَ سَتَمُوتُ، وَأَنَّ البَلُّوطَ سَيَهْوِي يَوْمًا، وَأَنَّ البَابَ الأَحْمَرَ سَيَتَشَقَّقُ، وَأَنَّ الوُرُودَ سَتَأْتِي عَلَيْهَا حَشَرَةٌ صَغِيرَةٌ لَا تَعْرِفُ شَيْئًا عَنِ الحُبِّ، وَرُبَّمَا سَيُمْحَى الطَّرِيقُ نَفْسُهُ وَلَنْ يَبْقَى مِنْ كُلِّ ذَلِكَ حَتَّى ذِكْرَى، لَكِنَّ الغَرِيبَ أَنَّ هَذَا لَمْ يَجْعَلِ المَشْهَدَ أَقَلَّ جَمَالًا، بَلْ جَعَلَهُ أَجْمَلَ. الفَنَاءُ لَا يَهْزِمُ الأَشْيَاءَ، بَلْ يَشْحَذُهَا؛ يَجْعَلُ التُّفَّاحَةَ أَكْثَرَ حَلَاوَةً لِأَنَّهَا سَتَتَعَفَّنُ، وَيَجْعَلُ اليَدَ أَكْثَرَ دِفْئًا لِأَنَّهَا سَتَبْرُدُ، وَالصَّوْتَ أَغْلَى لِأَنَّهُ سَيَسْكُتُ، وَاللَّيْلَ نَفْسَهُ عَزِيزًا لِأَنَّهُ سَيَنْتَهِي. وَقَفْتُ وَقُلْتُ لِلْعَجُوزَيْنِ إِنَّنِي سَأَذْهَبُ، لَكِنَّهُمَا لَمْ يَسْمَعَانِي، أَوْ لَعَلَّهُمَا لَمْ يَكُونَا مَوْجُودَيْنِ أَصْلًا. نَظَرْتُ إِلَى النَّافِذَةِ فَوَجَدْتُهَا فَارِغَةً، وَإِلَى الكُرْسِيَّيْنِ فَكَانَا فَارِغَيْنِ، وَإِلَى الحَدِيقَةِ فَلَمْ تَكُنْ هُنَاكَ فَرَاوِلَةٌ. تَجَمَّدْتُ فِي مَكَانِي، ثُمَّ رَفَعْتُ بَصَرِي فَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ بَيْتٌ، بَلِ البَابُ الأَحْمَرُ وَحْدَهُ قَائِمًا وَسَطَ العُشْبِ، وَشَجَرَةُ البَلُّوطِ إِلَى جِوَارِهِ.

اقْتَرَبْتُ مِنَ الشَّجَرَةِ، فَوَجَدْتُ عَلَى جِذْعِهَا اسْمَيْنِ مَحْفُورَيْنِ دَاخِلَ قَلْبٍ صَغِيرٍ، وَكَانَ الحَفْرُ قَدِيمًا حَتَّى إِنَّ اللِّحَاءَ كَادَ يَبْتَلِعُهُ. لَمْ أَسْتَطِعْ قِرَاءَةَ الاسْمَيْنِ، لَكِنَّنِي حِينَ وَضَعْتُ أَصَابِعِي عَلَيْهِمَا شَعَرْتُ بِنَبْضٍ تَحْتَ الخَشَبِ. سَحَبْتُ يَدِي مُذْعُورًا؛ كَانَ النَّبْضُ يُشْبِهُ نَبْضَ قَلْبِي، أَوْ رُبَّمَا كَانَ قَلْبِي هُوَ الَّذِي يُقَلِّدُ الشَّجَرَةَ. ابْتَعَدْتُ، وَحِينَ الْتَفَتُّ مَرَّةً أَخِيرَةً رَأَيْتُ المَرْأَةَ وَاقِفَةً خَلْفَ البَابِ شَابَّةً، تَمَامًا كَمَا لَمْ أَرَهَا مِنْ قَبْلُ، وَبِجِوَارِهَا الرَّجُلُ شَابًّا هُوَ الآخَرُ. ضَحِكَا وَلَوَّحَا لِي، ثُمَّ فَتَحَا البَابَ الأَحْمَرَ وَدَخَلَا فِي اللَّيْلِ، وَأُغْلِقَ البَابُ وَرَاءَهُمَا، وَلَمْ يَبْقَ غَيْرُ الوَرْدِ. وَاصَلْتُ السَّيْرَ، لَكِنَّنِي لَمْ أَعُدْ مُتَأَكِّدًا مِنْ أَنَّنِي أَنَا الَّذِي يَسِيرُ؛ رُبَّمَا كُنْتُ ذِكْرَى تَمْشِي دَاخِلَ رَأْسِ شَخْصٍ آخَرَ، وَرُبَّمَا كُنْتُ الرَّجُلَ العَجُوزَ قَبْلَ أَنْ يَشِيخَ، أَوْ تِلْكَ الشَّجَرَةَ وَهِيَ تَحْلُمُ بِأَنَّهَا إِنْسَانٌ، أَوْ بَابًا يَنْتَظِرُ مَنْ يَفْتَحُهُ، أَوْ نَفَسًا خَرَجَ مِنْ صَدْرِ مَيِّتٍ وَيَتَجَوَّلُ قَلِيلًا فِي العَالَمِ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ رِئَتَيْ طِفْلٍ لَمْ يُولَدْ بَعْدُ.

رَفَعْتُ يَدِي إِلَى وَجْهِي فَكَانَ دَافِئًا مِثْلَ أَوَّلِ الصَّبَاحِ أَوْ آخِرِهِ، وَلَمْ أَعُدْ أُفَرِّقُ. كَانَ القَلْبُ هُنَاكَ، ذَلِكَ الحَيَوَانُ الأَحْمَرُ، الحَارِسُ الأَعْمَى، المِطْرَقَةُ الَّتِي تَضْرِبُ جِدَارَ الغِيَابِ، وَفِي كُلِّ دَقَّةٍ كَانَ العَالَمُ يُولَدُ، وَفِي كُلِّ دَقَّةٍ كَانَ شَيْءٌ مِنْهُ يَمُوتُ. عِنْدَهَا فَقَطْ فَهِمْتُ لِمَاذَا تَنْمُو الوُرُودُ فَوْقَ القُبُورِ: لَيْسَ لِأَنَّ المَوْتَ يُصْبِحُ جَمِيلًا، بَلْ لِأَنَّ الحَيَاةَ وَقِحَةٌ إِلَى حَدٍّ أَنَّهَا تَنْبُتُ حَتَّى فَوْقَ فَمِ العَدَمِ. مَشَيْتُ، وَوَرَائِي، فِي مَكَانٍ لَا أَعْرِفُ إِنْ كَانَ مَوْجُودًا، ظَلَّ البَابُ الأَحْمَرُ مَفْتُوحًا قَلِيلًا، وَمِنَ الشَّقِّ خَرَجَ ضَوْءٌ لَمْ يَكُنْ ضَوْءَ الجَنَّةِ وَلَا ضَوْءَ البَيْتِ، بَلْ ضَوْءًا بِلَا اسْمٍ، وَرُبَّمَا لِهَذَا السَّبَبِ وَحْدَهُ وَاصَلْتُ السَّيْرَ.


0 التعليقات: