الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الجمعة، سبتمبر 11، 2026

المغرب يرفع السقف بين سبتة والجنسية الصحراوية: عبده حقي


أجدني أمام مشهد سياسي إسباني يكرر الأخطاء نفسها بثقة غريبة، كأن مدريد لم تفهم بعد أن المغرب الذي تتعامل معه اليوم ليس ذلك الجار الجنوبي الذي يمكن الضغط عليه من حين إلى آخر، ثم استدعاؤه عند الحاجة لضبط الهجرة أو التعاون الأمني أو حماية المصالح التجارية. إسبانيا تريد مغربًا هادئًا عندما تحتاج إليه، مطيعًا عندما تختلف معه، ومتسامحًا عندما تمس بعض قواها السياسية ملفاته السيادية. وهذا بالضبط هو الوهم الذي ينبغي أن ينتهي.

ليس من المقبول أن تتحدث مدريد عن شراكة استراتيجية مع الرباط، ثم تسمح في الوقت نفسه بإعادة فتح ملفات شديدة الحساسية بطريقة توحي بأن المغرب مجرد موضوع للمزايدات الحزبية داخل البرلمان الإسباني. لا يمكن أن تطلب إسبانيا من المغرب أن يكون شريكًا في الأمن والهجرة والتجارة والاستثمار، ثم تتعامل مع قضية الصحراء أو سبتة ومليلية وكأنها أوراق داخلية قابلة للتوظيف الانتخابي كلما ضاقت الساحة السياسية الإسبانية على هذا الحزب أو ذاك.

أنا لا أقرأ ملف الجنسية الإسبانية للصحراويين باعتباره مجرد مسألة إنسانية أو قانونية معزولة. السياسة لا تعرف هذا القدر من البراءة. عندما يعود هذا الملف إلى الواجهة بقوة، في توقيت تتقاطع فيه قضية الصحراء مع حسابات داخلية إسبانية ومع تحولات إقليمية ودولية واضحة، فإن من حق المغرب أن يتساءل عن الرسالة الحقيقية الكامنة وراءه. ومن حق الرباط أن ترفض أي مقاربة يمكن أن تخلق رموزًا قانونية أو سياسية متعارضة مع الموقف الإسباني المعلن منذ 2022 بخصوص المبادرة المغربية للحكم الذاتي.

إسبانيا لا تستطيع أن تبيع للمغرب خطاب الشراكة بيد، وتوقظ إرثها الاستعماري باليد الأخرى.

هذا هو جوهر المشكلة.

مدريد تريد أن نستمع عندما تتحدث عن حدودها، لكنها لا تريد أحيانًا أن تستمع عندما يتحدث المغرب عن حدوده. تريد أن تعتبر سبتة ومليلية قضيتين محسومتين إلى الأبد، بينما تتعامل بعض قواها السياسية مع الصحراء المغربية باعتبارها ملفًا مفتوحًا لكل تأويل ولكل مناورة. وهنا أقول إن ازدواجية المعايير هذه لم تعد صالحة للاستمرار.

السيادة إما أن تكون مبدأً متبادلًا، أو لا تكون.

لا يمكن لإسبانيا أن تطالب باحترام حساسيتها الترابية في الشمال، ثم تستغرب غضب المغرب عندما تتحرك مؤسساتها أو أحزابها في اتجاه يمس قضية يعتبرها المغاربة مركزية في وجدانهم الوطني. منطق العلاقات الدولية لا يقوم على أن سيادة طرف مقدسة وسيادة الطرف الآخر قابلة للنقاش الأكاديمي أو للمزاد الانتخابي.

ما يزعجني أكثر هو أن جزءًا من الطبقة السياسية الإسبانية ما يزال يتصرف بعقلية قديمة جدًا. عقلية تفترض أن المغرب مهما غضب سيعود في النهاية إلى الوضع الطبيعي، لأنه يحتاج إلى إسبانيا أكثر مما تحتاج إسبانيا إليه. وهذه من أخطر الأوهام السياسية التي يمكن أن تبنى عليها العلاقات بين البلدين.

إسبانيا تحتاج إلى المغرب كما يحتاج المغرب إلى إسبانيا، وربما أكثر مما يعترف به بعض السياسيين الإسبان علنًا.

تحتاج إليه في التجارة، في الأمن، في محاربة الإرهاب، في ضبط شبكات الهجرة، في الاستقرار الإقليمي، في الربط بين أوروبا وإفريقيا، وفي حسابات المتوسط والأطلسي. كما تحتاج إليه مستقبلًا في مشاريع الطاقة واللوجستيك وفي فضاء اقتصادي جديد يتشكل على الضفة الجنوبية للمتوسط.

المغرب لم يعد بلدًا ينتظر الاعتراف بأهميته من مدريد. هذه مرحلة انتهت.

المغرب بنى لنفسه مكانًا متزايدًا في إفريقيا، ووسع شبكة علاقاته الدولية، وطوّر بنيته الاقتصادية، وأصبح أكثر حضورًا في ملفات إقليمية كانت إلى وقت قريب تُدار من فوق رأسه. وما لم تفهم مدريد هذا التحول، فستواصل صناعة أزماتها بنفسها.

لا أقول إن المغرب يجب أن يندفع إلى القطيعة أو إلى التصعيد المجاني. هذه ليست قوة، بل انفعال. القوة الحقيقية هي أن تدرك إسبانيا أن أي مساس متكرر بالمصالح الجوهرية للرباط ستكون له كلفة سياسية حقيقية، وأن المغرب لم يعد مجرد طرف يتلقى الإشارات ثم يكتفي بإصدار بيانات الاستنكار.

وهنا تعود سبتة إلى قلب المعادلة.

إسبانيا لا تحب فتح هذا الملف، لكنها يجب أن تفهم أنه موجود. مهما حاولت تحويل الاحتلال التاريخي للمدينتين إلى واقع طبيعي، فإن الجغرافيا والتاريخ لا يمحوهما قانون داخلي إسباني. المغرب قد يختار الحكمة وقد يؤجل المواجهة وقد يعطي الأولوية للتعاون، لكن التأجيل ليس تنازلاً عن الذاكرة ولا اعترافًا نهائيًا بشرعية الوضع القائم.

وهذا ما يجعل اللعب بورقة الصحراء أكثر خطورة بالنسبة إلى مدريد.

إذا كانت إسبانيا تريد منا أن نحترم حساسيتها في سبتة ومليلية، فعليها أن تحترم هي أيضًا الحساسية المغربية تجاه الصحراء. البساطة هنا ليست ضعفًا؛ إنها منطق سياسي صريح.

لكن ما أراه اليوم هو أن إسبانيا تريد أحيانًا الاحتفاظ بكل الامتيازات القديمة من دون أن تتحمل مسؤوليات الشراكة الجديدة. تريد حدودًا هادئة، وأسواقًا مفتوحة، وتعاونًا أمنيًا فعالًا، ومغربًا متعاونا في الهجرة، وفي الوقت نفسه تريد الاحتفاظ بهامش للمناورة في قضية الصحراء كلما احتاجت أحزابها إلى خطاب داخلي جديد.

هذا لن يستمر بلا ثمن.

لست من الذين يطالبون المغرب بالصراخ أو بالمبالغة في التهديد. أطالب بشيء أكثر فعالية: أن تكون السياسة المغربية تجاه إسبانيا واضحة، باردة، دقيقة، وقادرة على ربط التعاون بالاحترام المتبادل. لا خصومة مجانية، ولا تنازل مجاني أيضًا.

العلاقات بين الدول لا تبنى على المجاملة.

تبنى على توازن المصالح.

وعندما يعرف الطرف الآخر أن تجاوز خطوط معينة سيؤثر في مستوى التعاون وفي طبيعة العلاقات، فإنه يبدأ في التفكير مرتين قبل الإقدام على خطوات غير محسوبة.

مدريد مطالبة اليوم بأن تختار.

هل تريد شراكة حقيقية مع المغرب، أم تريد إدارة العلاقة بعقلية استعمارية قديمة مغطاة بلغة دبلوماسية حديثة؟

هل تريد أن تعتبر الرباط شريكًا استراتيجيًا، أم مجرد حارس للضفة الجنوبية لأوروبا؟

هل تريد بناء مستقبل مشترك، أم إعادة إنتاج توترات الماضي كلما دخلت إسبانيا موسمًا انتخابيًا أو أزمة حزبية؟

هذه الأسئلة لم تعد نظرية.

لأن المغرب نفسه تغير، ولأن موقعه التفاوضي تغير، ولأن أوروبا لم تعد المركز الوحيد للعالم الذي تحدد منه كل القواعد.

وأقولها بصراحة: الخطأ الأكبر الذي يمكن أن ترتكبه مدريد هو أن تتعامل مع هدوء المغرب باعتباره ضعفًا. المغرب يمكن أن يكون هادئًا لأنه يعرف أن الزمن يعمل لصالحه، لا لأنه عاجز عن الرد. ويمكن أن يتجنب التصعيد لأنه يفضل المصالح طويلة الأمد، لا لأنه مستعد لابتلاع كل شيء.

ثم إن ملف الجنسية الصحراوية، مهما كانت مبرراته القانونية، لا يمكن فصله سياسيًا عن الذاكرة الاستعمارية الإسبانية. وإذا كانت مدريد تريد حقًا معالجة إرثها التاريخي، فلتفعل ذلك بوضوح وشجاعة، لا عبر قرارات يمكن أن تتحول بسهولة إلى رسائل ملغومة في نزاع إقليمي حساس.

إسبانيا لا يمكنها أن تخرج من الصحراء أمس وتعود إليها اليوم من نافذة التشريع دون أن تنتظر رد فعل مغربيًا.

ولا يمكنها أن تطلب من الرباط أن تنسى الاستعمار عندما يتعلق الأمر بسبتة ومليلية، ثم تتذكر هي إرثها الاستعماري عندما يخدم ذلك مسارًا سياسيًا آخر.

هذه الانتقائية هي المشكلة.

وأنا أعتقد أن المغرب محق عندما يرفع سقف اعتراضه، لأن الشراكة التي تقوم على الصمت من طرف واحد ليست شراكة.

المغرب لا يطلب من إسبانيا أن تتنازل عن مصالحها. يطلب فقط أن تتوقف عن التصرف وكأن مصالحه أقل قيمة من مصالحها.

وهنا بالضبط يجب أن تصل الرسالة إلى مدريد: الجوار ليس امتيازًا إسبانيًا، والصداقة ليست رخصة للعبث بالملفات السيادية، والتعاون ليس صكًا مفتوحًا يسمح لكل حزب إسباني بأن يجر المغرب إلى معاركه الداخلية.

إما أن تدخل العلاقات المغربية الإسبانية مرحلة النضج الحقيقي، وإما أن تبقى أسيرة أزمات دورية تتكرر بأسماء مختلفة.

سبتة اليوم. الجنسية غدًا. الصحراء بعد غد. ثم الهجرة. ثم الحدود. ثم أزمة جديدة. هذا العبث لا يصنع شراكة. يصنع احتقانًا مؤجلًا.

وإذا كانت مدريد فعلاً حريصة على مصالحها وعلى استقرار ضفتها الجنوبية، فعليها أن تتوقف عن اللعب بالنار، لأن الجغرافيا التي جعلت المغرب وإسبانيا جارين، قادرة أيضًا على جعل كل خطأ سياسي صغير أزمة كبيرة.

المغرب لا يحتاج إلى خصومة دائمة مع إسبانيا.

لكن إسبانيا تحتاج قبل كل شيء إلى أن تفهم أن المغرب لم يعد يقبل علاقة تقوم على الاستفادة منه من دون احترامه.

وهنا يبدأ كل شيء.


0 التعليقات: