الحركة الثانية
هل تَسمعُ صَريرَ الوقتِ
وهو يُطوى في جيبِ الرِّيح؟
أم تَرى في ارتعاشةِ النَّخلةِ
كائناً طويلاً
يَسيرُ على عُكّازِ الوهم؟
كلما رفعت يدها، انقسمت إلى احتمالاتٍ لا تُحصى، وكل احتمالٍ كان حياةً لم تعشها. المدينة من حولها كانت تتذكر نفسها بصعوبة، تتشقق ثم تعود، كأنها تخجل من ثباتها.
نَصٌّ شِعْرِيٌّ تَفَاعُلِيٌّ بَيْنَ الحُلْمِ، وَالسَّمَاءِ، وَالكِتَابَةِ، وَالبَحْثِ عَنِ الذَّاتِ
أُحَلِّقُ…
لا لِأَنَّ السَّماءَ تُنادِينِي،
بَلْ لِأَنَّ الأَرْضَ ضاقَتْ بِأَسْئِلَتِي.
إِشَارَةٌ تَفَاعُلِيَّةٌ: السَّمَاءُ هُنَا لَيْسَتْ مَكَانًا فَقَطْ، بَلْ رَغْبَةٌ فِي التَّحَرُّرِ. اِنْتَقِلْ إِلَى الأَرْضِ لِتَعْرِفَ سَبَبَ التَّحْلِيقِ.
أُحَلِّقُ…
وَفِي قَدَمَيَّ ثِقْلُ الطُّرُقاتِ القَديمَةِ،
وَفِي صَدْرِي خَريطَةُ التِّيهِ
وَبَيْتٌ بِلا نَوافِذَ.
مَنْ قالَ إِنَّ الجَناحَيْنِ شَرْطُ السَّفَرِ؟
أَنَا أُسافِرُ
بِنَبْضٍ يَرْفُضُ الإِقامَةَ،
وَبِقَلْبٍ يَكْتُبُ اسْمَهُ
عَلَى الهَواءِ… ثُمَّ يَمْحُو.
رَابِطُ المَعْنَى: الأَرْضُ لَيْسَتْ ضِدَّ السَّمَاءِ، بَلْ هِيَ الذَّاكِرَةُ الَّتِي تَدْفَعُنَا إِلَى الِارْتِفَاعِ. اِنْتَقِلْ إِلَى الكِتَابَةِ.
أُحَلِّقُ بِلا أَجْنِحَةٍ،
كَفِكْرَةٍ هارِبَةٍ مِنْ كِتابٍ مُغْلَقٍ،
كَطِفْلٍ يُطارِدُ ظِلَّهُ
وَلا يُدْرِكُ أَنَّهُ الظِّلُّ وَالضَّوْءُ مَعًا.
أُحَلِّقُ…
فَوْقَ المُدُنِ الَّتِي نَسِيَتْنِي،
وَفَوْقَ الوُجُوهِ الَّتِي تُشْبِهُنِي
وَلا تَعْتَرِفُ بِي.
نَافِذَةٌ تَأْمُلِيَّةٌ: الكِتَابَةُ فِي هَذَا النَّصِّ لَا تَصِفُ الطَّيَرَانَ، بَلْ تُنْجِزُهُ. اِقْرَأْ مَرْحَلَةَ الذَّاتِ.
أَيُّهَا الفَراغُ…
كُنْ صَدِيقِي قَلِيلًا،
عَلِّمْنِي أَنْ أَكُونَ خَفِيفًا
كَحُلْمٍ لَمْ يُكْتَبْ بَعْدُ.
أَنَا لا أَمْلِكُ جَناحَيْنِ،
لٰكِنِّي أَمْلِكُ ارْتِباكِي،
وَهٰذَا يَكْفِي
لِأَعْبُرَ المَسافَةَ بَيْنِي وَبَيْنِي.
أَنَا لا أَمْلِكُ سَماءً،
لٰكِنِّي أَمْلِكُ دَهْشَتِي،
وَكُلُّ دَهْشَةٍ
سَماءٌ مُؤَقَّتَةٌ.
خِيَارُ القَارِئِ:
إِنْ كُنْتَ تَرَى أَنَّ التَّحْلِيقَ هُوَ الحُلْمُ،
عُدْ إِلَى السَّمَاءِ.
وَإِنْ كُنْتَ تَرَى أَنَّهُ مُصَالَحَةٌ مَعَ الذَّاتِ،
اِنْتَقِلْ إِلَى الخَاتِمَةِ.
أُحَلِّقُ بِلا أَجْنِحَةٍ،
وَأَهْبِطُ بِلا خَسارَةٍ،
فَما فَقَدْتُ شَيْئًا
كَيْ أَنْدَمَ.
أُحَلِّقُ…
كَأَنِّي أَكْتُبُ آخِرَ سَطْرٍ فِي الغِيابِ،
ثُمَّ أَعُودُ
لِأَبْدَأَ أَوَّلَ مَعْنًى.
هٰكَذَا أَنَا…
بَيْنَ سُقُوطٍ لا يَحْدُثُ
وَصُعُودٍ لا يُرى،
أُحَلِّقُ
بِلا أَجْنِحَةٍ،
لٰكِنِّي أَصِلُ.
أَعِدْ قِرَاءَةَ البِدَايَةِ
اِكْتَشِفْ جَنَاحَ الكِتَابَةِ
تَأَمَّلْ المَسَافَةَ بَيْنَ الذَّاتِ وَالذَّاتِ
إعداد وتقديم: عبده حقي
لٰكِنِّي أَسْتَعيرُ صَوْتِي مِنْ صَمْتِي،
وَأَبْنِي جَناحَيَّ مِنْ حَنينٍ لا يُرى...
فِي هٰذَا اليَوْمِ، تَسْتَيْقِظُ اللُّغَةُ مِنْ مَنَامِهَا،
وَتَمْشِي حَافِيَةً فَوْقَ قَلْبِي،
كَأَنَّهَا أُمٌّ تُرَتِّبُ فَوْضَى الذِّكْرَى،
وَتُسَمِّي الحُزْنَ وَطَنًا.
كُلَّمَا فَتَحْتُ بَابَ غَفْوَةٍ وَجَدْتُ وَجْهًا يُشْبِهُ ذَاكِرَتِي، وَصَوْتًا يَهْمِسُ لِي: لَا تُصَدِّقْ كُلَّ مَا يَزْهُرُ فِي الظَّلِّ.
أعودُ إلى تلكَ الصورةِ كأنني أعودُ إلى مرآةٍ لا تُكذِّبُني، فأرى شابًّا يبتسمُ للعالمِ بعينينِ لا تعرفانِ الخيبة، ويحتضنُ غيتارًا كأنه يحتضنُ مصيرَه.
كَانَتْ خُطَاهَا خَفِيفَةً كَأَنَّهَا تَسْتَعِيرُ الْهَوَاءَ،
وَكَانَ فِي عَيْنَيْهَا نَهَارٌ يَتَأَخَّرُ عَنْ وُعُودِهِ،
فَفَهِمَتِ الأَرْضُ مَا لَمْ يَفْهَمْهُ الْعَابِرُونَ.
أَمْشِي وَحْدِي فِي شَارِعِ بَاوْلِيسْتَا،
وَتُصَافِحُنِي وُجُوهٌ لَا تَعْرِفُنِي،
فَأُحَيِّيهَا بِقَلْبِي،
وَأُسَمِّيهَا وَطَنًا مُؤَقَّتًا.
اَلْفَيْضَانُ لَمْ يَأْتِ مِنَ النَّهْرِ، بَلْ مِنْ دَاخِلِ الْمَعْنَى.
اَلْأَشْيَاءُ غَرِقَتْ لِأَنَّهَا وُجِدَتْ.
اَلْبُيُوتُ فَقَدَتْ سَبَبَ وُقُوفِهَا.
اَلْأَبْوَابُ لَمْ تُفْتَحْ، بَلِ اسْتَسْلَمَتْ.
وَكَانَ الْغَرَقُ شَكْلًا آخَرَ مِنَ الْبَقَاءِ.
القلم لم يكن في يدي بل كان يدي، وكان جسدي ينساب فوق الورق كما تنساب غيمة على درجٍ مهجور. أفكاري لا تأتي مرتّبة؛ إنها تقفز، تتعثّر، تتعرّى، ثم تضحك. في لحظة ما أدركت أن أكبر كذبة رُويت لنا هي أننا محكومون بحواسنا، أن أعيننا أقفاص، وأن الجلد حدّ نهائي. لا. الجلد باب. والعين ثقب يمرّ منه ما لا يُرى.
وَخَفَّتْ فِي دُجَى الأَيَّامِ
أَنْجُمُهُ الزُّهُرُ
أَبُو
النَّغَمِ السَّامِي، إِذَا مَا تَرَنَّمَتْ
بِهِ الرِّيحُ، أَصْغَى
الصَّخْرُ وَانْهَلَّتِ القُطُرُ
وَكُلُّ خُطْوَةٍ تَغْرَقُ فِي اسْمٍ قَدِيمٍ،
أَقُولُ: هَذَا بَيْتُنَا، فَيَرُدُّ النَّهْرُ:
كُلُّ البُيُوتِ عَابِرَةٌ إِلَّا الأَثَر.
مقدمة عامة : منذ زمن بعيد، وأنا أؤمن أن الأدب ليس مجرد نصوص نُسجت لتُقرأ، بل هو كائن حيّ، يتنفس في صدور القرّاء، ويستيقظ في ليالي الكتّاب،...
