أَدخُلُ ساو باولو كَمَن يَدخُلُ مُدُنًا مِن زُجاجٍ وَغَيمٍ، أَحمِلُ في جَيْبي خَريطةً تُشِيرُ إلى قَلبي لا إلى الطُّرُقاتِ، وَأُصغي لِضَجيجِها كأَنَّهُ وَصِيَّةٌ لِلصَّمتِ، فَأَتَعَلَّمُ أَنَّ الغُربَةَ لُغَةٌ أُخرى لِوَطنٍ مُؤَجَّلٍ. أَمشي في “باوليستا” كأَنَّ الرَّصيفَ سُلَّمٌ إلى سَماءٍ قَريبةٍ، وَوُجوهُ العابرينَ تُبادِلُني نَظَرًا سَريعًا يَكفي لِصُنعِ صَداقةٍ عابِرةٍ، وَتُوَقِّعُ الإشاراتُ الضَّوئيّةُ على حُلمِي بِالانتظارِ، فَأَصيرُ أَخفَّ مِن وَقتِي. أَتَوَقَّفُ أَمامَ “ماسب” كَمَن يَقِفُ أَمامَ نافِذَةٍ تُطِلُّ على حَياةٍ أُخرى، أَرى اللَّوحاتِ تَخرُجُ مِن صُنوقِ التّاريخِ كعِطرٍ عَتيقٍ، وَأَشعُرُ أَنَّ الألوانَ تَعرِفُني قَبلَ أَن أَعرِفَها، فَأُقِيمُ في نَظرَةٍ واحِدَةٍ ما لا تُقيمُهُ سِنينُ. أَدخُلُ “ليبيردادِه” فَتَستَقبِلُني ظِلالُ آسِيَا بِلُطفٍ بَرازيليٍّ، وَتَمتَزِجُ رائِحَةُ الشَّايِ بِرائِحَةِ الشَّارعِ المُبلَّلِ، وَأَسمَعُ وَقعَ خُطايَ كأَنَّهُ طَبلٌ لِهُويَّةٍ مُتَعَدِّدَةٍ، فَأُدركُ أَنَّني لَستُ واحِدًا بَل جَمعٌ يَسيرُ. أَمُرُّ بِساحةِ “سِي” فَتَنهَضُ الكاتِدرائيّةُ كَجَبَلٍ مِن صَلاةٍ، وَأُحادِثُ تِماثيلَها عَن مُدنٍ تُخَبِّئُ أَسماءَها في الغُبارِ، وَأُسَمِّي وَحدَتي “يا صاحِبي” كي لا تَفزَعَ، فَتُجِيبُني الأَجراسُ بِنَفَسٍ بَعيدٍ. أَرى الباعةَ يَتَقاسَمونَ خُبزَ اليومِ وَيُقاسِمونَ الغَدَ بِابتِسامَةٍ، وَأَتَذَكَّرُ مَغْرِبِي كَكأسِ شايٍ يُدَفِّئُ اليدَ وَيَجرَحُ الحَنينَ، وَأُقايِضُ الغُربَةَ بِجُملةٍ أَكتبُها على الهامِشِ، فَتَصيرُ الجُملةُ بيتًا. أَدخُلُ “ميركاداو” فَتُهاجِمُني الفَواكِهُ كأَعيادٍ مُلوَّنةٍ، وَيُنادِينِي البائعُ كأَنَّهُ يَعرِفُ اسمي مِن قَبلُ، وَأُذَوِّقُ الطَّعمَ كَأنَّهُ وَعدٌ قَديمٌ بِالسَّعادةِ، فَأُصَدِّقُ لِلحَظَةٍ أَنَّ العالَمَ يُمكِنُ أَن يَكونَ بسيطًا. أَتَّجِهُ إلى “إيبيرابويرا” فَتَتَّسِعُ الرِّئةُ لِلهَواءِ وَتَضِيقُ لِلفِكرَةِ، وَأُراقِبُ العَدّائينَ كأَنَّهُم يَطرُدونَ ظِلَّهُم بِجَسدٍ مُصِرٍّ، وَأَجلِسُ على عُشبٍ يَحفظُ خُطى العاشِقينَ، فَأُدَوِّنُ فَوْقَ خُضرَتِهِ سِرَّ العُبورِ. أُطِلُّ على النَّهرِ المُتَعَبِ كَمَن يُطِلُّ على سيرةٍ لَم تَكتمِل، وَأَسألُ الماءَ: هَل تَحمِلُ المُدُنُ ذاكِرَتَها في المَجارِي؟ وَيُجِيبُني الرَّجْعُ بِهَمسٍ: نَحمِلُها في العيونِ لا في القَنواتِ، فَأَمسَحُ غُبارَ السَّفرِ عَن نَظرَتي. في “براس” تَختَلِطُ الأَقمِشَةُ بِالضَّجيجِ وَتَختَلِطُ اللُّغاتُ بِالإشارةِ، وَأَنا أَشتَري قَميصًا كأَنَّني أَشتَري وَقتًا جَديدًا لِجِلدِي، وَأَفَهَمُ أَنَّ الفَقرَ لا يَمنَعُ الأُغنِيَةَ مِن أَن تُولَدَ، فَأَرفَعُ رأسي كَمَن وَجَدَ نَجمةً في زِحامٍ. أَتَّبِعُ المِترو كأَنَّهُ شِعرٌ تَحتَ الأَرضِ، كُلُّ مَحَطَّةٍ سَطرٌ وَكُلُّ خُروجٍ مِن بَوّابَةٍ قافِيَةٌ، وَالوُجوهُ مَرايا سَريعةٌ لا تَمنَحُكَ وَقتًا لِتَتَجَمَّل، فَأَتعَلَّمُ أَن أَكونَ حقيقيًّا بِقَدْرِ ما أَكونُ عابرًا. أُصادِفُ لَيلَ ساو باولو فَيَضَعُ يَدَهُ على كَتِفي كصَديقٍ قَديمٍ، وَتُشعِلُ المَقاهِي ضَحِكاتِها كَشُموعٍ صغيرةٍ في جَوفِ الرِّيحِ، وَأَتَذَكَّرُ أَنَّني كاتِبٌ لا سائحٌ فَقَط، فَأَكتُبُ مَشْهَدًا كَي لا يَفِرَّ مِنِّي. أُفَتِّشُ عن وَجهِي في زُجاجِ النَّوافِذِ فَأَراهُ مُختَلِفًا وَمُتَشابِهًا، لِي مِنهُ ما لِلأَمسِ وَما لِلغَدِ، وَتَتَداخَلُ خُطوطُهُ مَعَ أَضواءِ السَّياراتِ كأَنَّها خَريطَةُ قَدرٍ، فَأُصافِحُ نَفسي كَمَن يَعودُ مِن مَعركةٍ سالِمًا. وَحينَ أَهمُّ بِالرَّحيلِ أَكتَشِفُ أَنَّ ساو باولو لَم تَكُن مَحَطَّةً بَل مِرآةً، أَراهَا فتَرانِي وَأَسْمَعُها فتَكتُبُني، وَأُدركُ أَنَّ المُدُنَ لا تُزارُ فَقَط بَل تُقيمُ في الدَّمِ، فَأَحمِلُها مَعي كقَصيدَةٍ تَسيرُ على قَدَمَينِ.
التَّوقيع: عَبدُهُ حَقّي








0 التعليقات:
إرسال تعليق