في زمنٍ لم تعد فيه الرواية تسكن الورق وحده، بل أخذت تتنقل بين الشاشات والبيانات والخوارزميات، تعود النقاشات الأدبية العالمية لتتمركز حول فضاء جديد يُعرف بـ الأدب الإلكتروني. وفي هذا السياق أعلنت Electronic Literature Organization عن فتح باب الترشيحات لاستضافة مؤتمرها الدولي ومعرض الفنون الرقمية لعامي 2027 و2028، في دعوة مفتوحة للأفراد والمؤسسات الراغبين في أن يصبحوا جزءاً من هذا المشهد الثقافي المتحوّل.
هذه الدعوة ليست مجرد إجراء تنظيمي عابر في جدول المؤتمرات الأكاديمية، بل هي إعلانٌ عن مرحلة جديدة في تاريخ الأدب، مرحلة يتقاطع فيها الخيال مع الشفرة البرمجية، ويجلس فيها الروائي إلى جانب المبرمج والفنان الرقمي في طاولة واحدة. فمنذ تأسيس المنظمة سنة 1999 على يد شخصيات مثل سكوت ريتبرغ وروبرت كوفر، سعت هذه المؤسسة الدولية إلى تعزيز الكتابة الرقمية وتطوير البنى الثقافية التي تسمح لهذا الشكل الأدبي الجديد بالنمو والانتشار.
لقد ظهرت فكرة الأدب الإلكتروني في البداية كحلم تجريبي على هامش الأدب التقليدي. كانت النصوص التشعبية، والقصائد التفاعلية، والروايات التي تُقرأ عبر روابط متعددة، تبدو في التسعينيات أشبه بمختبرات صغيرة داخل الجامعات ومراكز البحث. لكن هذا الحلم ما لبث أن تحول إلى حقل معرفي قائم بذاته، تُدرّس مفاهيمه في برامج الإنسانيات الرقمية، وتُعرض أعماله في المتاحف الرقمية، وتناقش قضاياه في مؤتمرات عالمية تجمع بين الباحثين والفنانين والمطورين.
وفي قلب هذا الحراك يقف مؤتمر ELO، الذي يُعد من أهم اللقاءات الدولية المخصصة للأدب الرقمي. ففي كل دورة من دوراته يجتمع مئات الباحثين والكتّاب والفنانين لمناقشة التحولات التي يشهدها النص في عصر الوسائط التفاعلية. وتشمل فعاليات المؤتمر عادة محاضرات علمية، وعروضاً فنية رقمية، وورشات عمل، ومعارض للوسائط الجديدة، إضافة إلى إطلاق أعمال أدبية رقمية تُعرض لأول مرة أمام الجمهور العالمي.
ولعل ما يميز هذا المؤتمر أنه لا يقتصر على الأكاديميين وحدهم، بل يفتح أبوابه للمبدعين الذين يعملون على الحدود الفاصلة بين الأدب والفن الرقمي والتكنولوجيا. فالأدب الإلكتروني لا يُكتب بالحبر فقط، بل قد يتكون من صور متحركة، أو خوارزميات تولّد النصوص، أو بيئات افتراضية يدخلها القارئ ليصبح جزءاً من السرد نفسه.
ومن هنا تأتي أهمية الدعوة الجديدة التي أطلقتها المنظمة لاستضافة مؤتمري 2027 و2028. فالجهة التي ستستضيف الحدث لن تكون مجرد مؤسسة تنظيمية، بل ستتحول إلى منصة عالمية تجمع بين ثقافات متعددة وتيارات فكرية مختلفة. وغالباً ما تسعى المنظمة إلى اختيار مدن أو جامعات قادرة على توفير بيئة إبداعية تجمع بين البحث الأكاديمي والابتكار الفني، بما يسمح بتقديم تجربة ثقافية متكاملة.
إن استضافة مؤتمر من هذا النوع تعني في العمق احتضان مختبر عالمي للأفكار. ففي مثل هذه اللقاءات تُطرح أسئلة جوهرية حول مستقبل الكتابة: هل سيظل المؤلف هو مركز النص؟ أم ستصبح الخوارزميات شريكاً في عملية الإبداع؟ وهل يمكن للرواية الرقمية أن تحافظ على عمق التجربة الإنسانية في عالم تتحكم فيه الشاشات والبيانات؟
هذه الأسئلة ليست جديدة تماماً. فقد سبق للباحثة الأميركية كاثرين هايلز، إحدى أبرز منظّري الأدب الرقمي، أن أشارت في كتابها Electronic Literature: New Horizons for the Literary إلى أن الأدب الإلكتروني لا يقتصر على تغيير الوسيط فحسب، بل يغيّر أيضاً مفهوم القراءة ذاته. فالقارئ في النص الرقمي لم يعد مجرد متلقٍ سلبي، بل يتحول إلى مشارك يختار مسار السرد ويعيد تشكيل التجربة الأدبية.
وفي السنوات الأخيرة اكتسب هذا المجال زخماً إضافياً مع صعود الذكاء الاصطناعي التوليدي. فالنصوص التي تُكتب بمساعدة الخوارزميات أصبحت جزءاً من النقاش الأدبي المعاصر، وهو ما يظهر بوضوح في موضوعات مؤتمرات ELO الأخيرة التي تناقش علاقة الأدب بالذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي. بل إن بعض الباحثين يرون أن الأدب الرقمي قد يصبح أحد أهم المختبرات الفكرية لفهم العلاقة بين الإنسان والآلة في القرن الحادي والعشرين.
أما مؤتمر 2026، الذي سيعقد عبر الإنترنت تحت عنوان “(Un)Supervised”، فيواصل هذا التقليد من خلال استكشاف علاقة الأدب الإلكتروني بالذكاء الاصطناعي وأسئلة المراقبة والمعرفة الرقمية، جامعاً باحثين ومبدعين من مختلف أنحاء العالم.
وإذا تأملنا هذه الدعوة الجديدة لاستضافة المؤتمرات المقبلة، يمكننا أن نقرأها أيضاً بوصفها مؤشراً على تحوّل جغرافي وثقافي في مجال الأدب الرقمي. فبعد أن كان هذا المجال متركزاً أساساً في الجامعات الأميركية والأوروبية، بدأ يتوسع تدريجياً نحو مناطق أخرى من العالم، بما في ذلك آسيا وأمريكا اللاتينية وأفريقيا.
وهنا تبرز فرصة ثمينة للعالم العربي، الذي لا يزال حضوره في مجال الأدب الإلكتروني محدوداً نسبياً. فاستضافة مؤتمر عالمي من هذا النوع في مدينة عربية قد يفتح الباب أمام جيل جديد من الكتّاب الرقميين، ويمنح الجامعات العربية فرصة للمشاركة الفاعلة في النقاشات العالمية حول مستقبل الكتابة.
ولعل المغرب، بما يملكه من تقاليد أدبية عريقة وحضور متنامٍ في مجال الإنسانيات الرقمية، يمكن أن يكون أحد المرشحين الطبيعيين لهذا الدور في المستقبل. فالمشهد الثقافي المغربي، الذي يجمع بين التراث الشفهي الغني والتجارب الأدبية الحديثة، قادر على تقديم رؤية جديدة للأدب الرقمي، رؤية تستلهم الذاكرة الثقافية المحلية وتعيد صياغتها في فضاء تكنولوجي عالمي.
إن الأدب، في نهاية المطاف، لم يكن يوماً مجرد كلمات على صفحة. لقد كان دائماً مرآة لتحولات الإنسان وتاريخه. واليوم، في عصر الخوارزميات والذكاء الاصطناعي، يبدو أن هذه المرآة بدأت تعكس وجهاً جديداً للكتابة، وجهاً تتداخل فيه الشفرة مع القصيدة، وتتجاور فيه الشاشة مع المخيلة.
ولهذا فإن دعوة Electronic Literature Organization لاستضافة مؤتمري 2027 و2028 ليست مجرد إعلان إداري، بل هي إشارة إلى أن الأدب يدخل مرحلة أخرى من تطوره؛ مرحلة تصبح فيها المدن التي تستضيف هذه اللقاءات أشبه بمرافئ للسرد الرقمي، حيث تلتقي لغات العالم لتعيد طرح السؤال القديم بصيغة جديدة: ما الذي يمكن أن تفعله الكلمة حين تتحول إلى ضوء؟








0 التعليقات:
إرسال تعليق